(٢.١ الرد على تعنُّت الكفار (الأنعام: ٧-١١


لغويات
((قِرْطاسٍ)) [الأنعام: ٧]: ورق، أو رقّ يكتب عليه.
((فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ)): أبلغ من (عاينوه)؛ لأنه أنفى للشّك.
((سِحْرٌ)): أي: خداع وتمويه لا حقيقة له، ويقولون ذلك تعنتا وعنادا.

سبب النزول:
نزول الآية (٧): ((وَلَوْ نَزَّلْنا...)): قال الكلبي: إن مشركي مكّة قالوا: يا محمد، واللّه لا نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند اللّه، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من عند اللّه وأنّك رسول اللّه، فنزلت هذه الآية.
نزول الآية (٨): ((وَقالُوا لولا أُنْزِلَ...)): روى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال: "دعا رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- قومه إلى الإسلام، وكلّمهم فأبلغ إليهم، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب، والنّضر بن الحارث بن كلّدة، وعبدة بن عبد يغوث، وأبيّ بن خلف، والعاصي بن وائل بن هشام: لو جعل معك يا محمد ملك يحدّث عنك الناس ويرى معك، فأنزل اللّه في ذلك: ((وَقالُوا لولا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ.....)).

(٢.١ الرد على تعنُّت الكفار (الأنعام: ٧-١١


وإذا كانت قد أنزلت سور من القرآن تتضمن اقتراح المشركين إنزال ملك، أو كتاب، أو إنزال القرآن جملة واحدة قبل هذه الآية، فلا مانع يمنع من تأكيد بيان هذا الاقتراح في مناسبة أخرى، إظهارا لعنادهم وتعنّتهم.

علاقة الآيات بما قبلها
ذكرت الآيات السابقة بعض المواقف من عناد المشركين، وتستمر الآيات هنا في بيان شبهات جحودهم وعنادهم ومكابرتهم للحقّ ومنازعتهم فيه، تلك الشّبهات الموجّهة إلى الوحي وبعثة الرّسول -صلّى اللّه عليه وسلّم- فصاروا منكرين أصول الدّين الثلاث: التّوحيد والبعث ونبوّة محمد -صلّى اللّه عليه وسلّم.

المعنى العام
يبيّن اللّه تعالى في هذه الآيات أسباب إعراض المشركين عن الإيمان، وتذرّعهم بشبهات واهية، ومطالبتهم إنزال صحيفة مكتوبة وإرسال ملك يؤيّد النّبي ويصدّقه، وهم في الحقيقة معرضون لا تؤثّر فيهم الحجج والبراهين، ولا يجدي معهم تنفيذ مقترحاتهم.

(٢.١ الرد على تعنُّت الكفار (الأنعام: ٧-١١


إن علّة تكذيبهم بالحقّ هي إعراضهم عن آيات اللّه، وسدّ كلّ منافذ النّظر والفكر، وتعطيل كلّ طاقات الوعي والإدراك، فلو أنزلنا عليك يا محمد كتابا مدوّنا في ورق أو نحوه أو معلّقا بين السّماء والأرض، فعاينوه ورأوا نزوله ولمسوه بأيديهم، لقالوا: ما هذا إلا سحر مبين، أي: خداع وتمويه وتضليل، لا حقيقة فيه.
وإنما قال: ((فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ))؛ لأن اللمس أقوى الدّلالات الحسيّة وأبعدها عن الخداع، لأن البصر يخدع بالتخيّل.
والتّعبير بقوله: ((نَزَّلْنَا)) بالتّشديد، وقوله: ((كِتابًا فِي قِرْطاسٍ)) وهو لا يكون إلا فيه، وقوله: ((فَلَمَسُوهُ)) للمبالغة وتأكيد النزول، ثم يعرضون عنه قائلين: ((إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)).
وهذا كما قال تعالى في مكابرتهم للمحسوسات: ((وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)) [الحجر: ١٤- ١٥]، وقوله سبحانه: ((وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ)) [الطّور: ٤٤].
هذا هو الرّدّ على اقتراحهم الأوّل وهو تنزيل كتاب من السّماء، ثم ردّ اللّه على اقتراحهم الثاني وهو إنزال ملك من السّماء يرونه ويكون مؤيّدا له، فقال تعالى: ((وَقالُوا لولا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ)) أي: هلا أنزل اللّه مع الرّسول ملكًا يكون معه نذيرا ومؤيّدا له ونصيرا، كأنّهم فهموا أن الرّسالة السّماوية تتنافى مع البشرية، وهم يعلمون أنّ الرّسول بشر، كما قال تعالى: ((مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)) [المؤمنون: ٣٣]، وقال تعالى: ((وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ....)) [الفرقان: ٧].

(٢.١ الرد على تعنُّت الكفار (الأنعام: ٧-١١


ومضمون ردّ الاقتراح الثّاني من جهتين:
أولا: ((وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا...)): أي: ولو أنزل اللّه ملكا -كما اقترحوا- لقضي الأمر بإهلاكهم، ثم لا يمهلون ليؤمنوا، بل لجاءهم من اللّه العذاب، كما قال تعالى: ((ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ)) [الحجر: ٨]، وقال تعالى: ((يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ)) [الفرقان: ٢٢].
ثانيا: ((وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا...)) [الأنعام: ٩]: أي: ولو أنزلنا مع الرّسول البشر ملكا، لكان متمثلا بصورة الرّجل؛ ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ منه، ثم يعود الأمر كما كان، ويقعون في اللّبس والاشتباه نفسه الذي يلبسون به على أنفسهم، ويختلط الأمر عليهم باستنكار جعل الرّسول بشرا، فإن هذا الرّجل سيقول لهم: إنّي رسول اللّه، كما يقول محمد -صلّى اللّه عليه وسلّم.
قال ابن عباس: يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النّظر إلى الملائكة المخلوقة من النّور.
وقال قتادة في قوله تعالى ((وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ)): ما لبّس قوم على أنفسهم إلا لبّس اللّه عليهم، واللّبس إنما هو من الناس.