(١.١ أدلة وجود الله، وأدلة وحدانيته (الأنعام: ١-٦


مقدمات مهمة

سورة الأنعام سورة مكية، عدد آياتها: مائة وخمس وستون آية، وهي السورة السادسة من القرآن الكريم في ترتيب المصحف.

تسميتها
سميت سورة الأنعام؛ لورود ذكر الأنعام فيها، كما في قوله تعالى: ((وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا...)) [الأنعام: ١٣٦]، وقوله تعالى: ((وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ...)) [الآيتان: ١٣٨، ١٣٩].

نزولها وفضلها
نزلت جملة واحدة، قال ابن عباس: "نزلت سورة الأنعام بمكة ليلًا جملة واحدة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح".
وروى ابن عمر -رضي اللّه عنه- أن رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- قال: ((نزلت عليّ سورة الأنعام جملة واحدة، وشيّعها سبعون ألفا من الملائكة، لهم زجل بالتسبيح والتحميد)).

(١.١ أدلة وجود الله، وأدلة وحدانيته (الأنعام: ١-٦


السبب
أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين.

مناسبتها لما قبلها
تضمنت كل من سورتي المائدة والأنعام محاجة أهل الكتاب في مواقفهم وعقائدهم، كما ذكر فيهما أحكام المطعومات المحرّمة والذبائح، والرد على أهل الجاهلية بتحريم بعض الأنعام تقرّبًا إلى الأوثان.

ما اشتملت عليه سورة الأنعام
قال العلماء: هذه السورة أصل في محاجّة المشركين وغيرهم من المبتدعين، ومن كذَّب بالبعث والنّشور، وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجّة، وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة، وعليها بنى المتكلّمون أصول الدّين؛ لأن فيها آيات بيّنات تردّ على القدريّة.
وهذه السّورة شأنها كشأن السّور المكيّة عنيت بأصول العقيدة والإيمان، وهي: إثبات الألوهية، والوحي والرّسالة، والبعث والجزاء، وتعتمد في ترسيخ العقيدة بهذه الأصول على أسلوبي التّقرير والتّلقين.

(١.١ أدلة وجود الله، وأدلة وحدانيته (الأنعام: ١-٦


أما أسلوب التّقرير
فهو يعرض أدلة وجود اللّه وتوحيده في صورة المسلّمات البديهية، بالاعتماد على التصريح بالخلق للّه تعالى ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ...)) [الأنعام: ١]، أو بضمير الغائب ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ...)) [الأنعام: ٢]، ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ....)) [الأنعام: ٣]، ((وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ.......)) [الأنعام: ١٨ ]، ((وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ...)) [الأنعام: ٦٠].

وأما أسلوب التلقين
فهو إيراد الحجج بتعليمها الرسول -صلّى اللّه عليه وسلّم- وتلقينها إياه؛ لعرضها على الخصوم، وذلك بطريق السؤال والجواب، مثل: ((قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ......)) [الأنعام: ١٢]، ((قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ.....)) [الأنعام: ١٩]، ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ.......)) [الأنعام: ٤٦]، ((وَقالُوا لولا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً...)) [الأنعام: ٣٧].

(١.١ أدلة وجود الله، وأدلة وحدانيته (الأنعام: ١-٦


مجمل ما اشتملت عليه هذه السورة
إثبات أصول الاعتقاد عن طريق الإقناع والتأثير، والمناظرة والجدل، والجواب عن سؤال؛ كوجود اللّه وتوحيده، وصفاته وآياته في الأنفس والآفاق، وتأثير العقيدة في العمل.
إثبات النبوة والرسالة والوحي، والرد على شبهات المشركين بالأدلة العقلية، والعلمية، والحسية.
إثبات البعث والحساب والجزاء على الأعمال يوم القيامة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
تبيان أصول الدين، والأخلاق، والآداب الاجتماعية، والوصايا المقررة في كل رسالة إلهية.
الدين من عهد آدم إلى محمد -عليهما السلام- واحد في أصله ووسائله وغاياته، فتجزئته والإيمان ببعضه وترك بعضه، وتفرقته بالمذاهب والآراء الشخصية مصادم لأصل الدين.
السعادة والشقاوة، والجزاء الأخروي على الحسنات والسيئات منوطة بالأعمال البشرية.
الناس ضمن السنن الإلهية والأقدار عاملون بالإرادة والاختيار، فلا جبر ولا إكراه، ولا تعارض بين إرادة اللّه وما يكسبه الإنسان؛ لأن قدر اللّه معناه ربط المسببات بالأسباب، على وفق علمه وحكمته.

(١.١ أدلة وجود الله، وأدلة وحدانيته (الأنعام: ١-٦


العدل الإلهي يقتضي التفاوت بين الأمم والأفراد، فيُهلك اللّه الظالمين، وينعم على الطائعين، ويمكّن للأصلح في إرث الحياة.
اللّه مصدر التشريع والتحليل والتحريم، فلا يحق لإنسان الافتئات على حق اللّه في ذلك.
على الإنسان الاعتبار والاتعاظ بأحوال الأمم الغابرة التي كذبت الرسل، وعليه النظر في الكون للاستدلال بآياته الكثيرة على قدرة اللّه وعلمه وعظمته.
الناس في الحياة في تسابق وتنافس واختبار؛ ليعلم المفسد من المصلح، والجزاء ينتظر الجميع، واللّه يمهل ولا يهمل ليتوب الإنسان ويصلح شأنه، ورحمة اللّه وسعت كل شيء.

وبعد بيان هذه المقدمات نشرع -بحول الله وقوته- في الكلام على تفسير آيات سورة الأنعام، فالله المستعان وعليه التكلان ومنه الهداية والتوفيق.

(١.١ أدلة وجود الله، وأدلة وحدانيته (الأنعام: ١-٦


أدلة وجود الله، وأدلة وحدانيته (الأنعام: ١-٦)

لغويات
((وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ)): ((أَجَلٌ)) مبتدأ مرفوع، و ((مُسَمًّى)) صفته، وخبره ((عِنْدَهُ)). وجاز أن يكون ((أجل)) مبتدأ وإن كان نكرة لأنه وصفه بمسمى، والنكرة إذا وُصفت قربت من المعرفة، فجاز أن يكون مبتدأ كالمعرفة.
((الْحَمْدُ لِلَّهِ)): صيغة تفيد القصر، أي: لا يستحق الحمد، والثناء إلا اللّه.
((جَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ)): بينهما طباق.
((ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)): إظهار كلمة ((بِرَبِّهِمْ)) بوضعها موضع الضمير؛ لزيادة التشنيع والتقبيح، كما أن إضافته إليهم لتربية المهابة والتذكير بمصدر النعمة.
((سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)): بينهما طباق.
((الْحَمْدُ)): هو الثناء بالجميل على الفعل الاختياري الحسن.
والمدح أعم من الحمد؛ لأنه يحصل للعاقل ولغير العاقل.

(١.١ أدلة وجود الله، وأدلة وحدانيته (الأنعام: ١-٦


والحمد أعم من الشكر؛ لأن الأول تعظيم الفاعل لأجل الإنعام عليك أو على غيرك، أما الشكر فهو لأجل الإنعام الواصل إليك.
والفرق بين الخالق وبين الفاطر والرب: أن الخلق هو التقدير والعلم النافذ في جميع الكليات والجزئيات، والفاطر هو الموجد المبدع، وفيه إشارة إلى صفة القدرة، والرب: مشتمل على الأمرين.
والفرق بين الخلق والجعل: أن الخلق مختص بالإنشاء التكويني، وفيه معنى التقدير والتسوية، والجعل عام يشمل الإنشاء مثل قوله تعالى: ((وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ))، ويشمل التشريع والتقنين كما في قوله تعالى: ((جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ...)) [المائدة: ٩٧] أي: شرع، وخص السموات والأرض بالذكر؛ لأنهما أعظم المخلوقات للناظرين.
وجمع الظلمات وأفرد النور؛ لكثرة أسباب الظلمات، والنور واحد وإن تعددت مصادره.
وقدم الظلمات على النور؛ لأنها أسبق في الوجود، فقد وجدت مادة الكون المظلمة أولًا.
أما السبب في جمع السموات وإفراد الأرض- مع أن الأرضين كثيرة- فهو أن السماء فاعل مؤثر، والأرض قابل متأثر، والمؤثر متعدد يحصل بسببه الفصول الأربعة وسائر الأحوال المختلفة، فلو كانت السماء واحدة لتشابه الأثر واختلت مصالح العالم، أما الأرض فهي قابلة للأثر.

(١.١ أدلة وجود الله، وأدلة وحدانيته (الأنعام: ١-٦


الأجل: المدة المضروبة للشيء.

المعنى العام
كل أنواع الحمد والثناء والشكر والمدح للّه تعالى خالق السموات والأرض، فهو المستحق للحمد بما أنعم على العباد في خلقه السموات التي تشتمل على المصابيح الليلية من نجوم وكواكب وشمس وقمر، وعلى الفضاء سواء أكان فيه هواء أم لا، وعلى الأثير الذي ينقل الصوت، وعلى الأرض قرار المخلوقات ومصدر الخير والرزق والثروة وبيئة الحياة، فكل ذلك لخير البشر وما يتبعهم من الكائنات الحية.
وقد حمد اللّه تعالى نفسه الكريمة تعليما للإيمان والثناء، وعبر بالحمد للّه ولم يقل: (أحمد اللّه)؛ لإفادة الثبوت والدوام.
والمراد بالسموات: العوالم العلوية التي نراها فوقنا، والمراد بالأرض: الكوكب الذي نعيش فيه. وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في الليل والنهار.
والمراد بالظلمة -كما قال السدي وجمهور المفسرين: ظلمة الليل، وبالنور: نور النهار، وفي ذلك ردّ على المجوس (الثّنوية) القائلين بإلهين اثنين، هما: النور وهو الخالق للخير، والظلمة وهو الخالق للشر.

(١.١ أدلة وجود الله، وأدلة وحدانيته (الأنعام: ١-٦


وقال الحسن البصري: المراد منهما: الكفر والإيمان.
وقال قتادة عن سبب التقديم: إنه تعالى خلق السموات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار.
أما الظلمات الحسية فجنسها وُجد قبل النور، فقد وجدت مادة الكون أولا، وكانت دخانا مظلما أو سديما (نظرية السديم) كما يقول الفلكيون، ثم تكونت الشموس.
وكذلك الظلمات المعنوية كالجهل والكفر والشرك أسبق وجودا من النور، فإن نور العلم والإيمان والتوحيد يحدث بعدئذٍ، كما قال تعالى:((وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [النحل: ٧٨].
ثم الذين كفروا وجحدوا نعمة اللّه بعد هذا كله، يعدلون باللّه غيره، أي: يجعلون له عديلا مساويا له في العبادة!
ثم خاطب اللّه تعالى المشركين الذين عدلوا به غيره، مذكرا لهم بدلائل التوحيد والبعث، فقال ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ...)) أي: خلق أباكم آدم الذي هو أصلكم من طين، ثم تكاثرت ذريته في المشارق والمغارب، كما خلق سائر أحياء الأرض.
ثم حدّد تعالى أجل وجود الإنسان بدءا من الولادة إلى الممات، وهناك أجل آخر له يبدأ بالإعادة من القبور، فصار قضاء اللّه أجلين؛ الأول: ما بين أن يُخْلق إلى أن يموت، والثاني: ما بين الموت والبعث وهو البرزخ، وهو رأي الحسن.
وفسر ابن عباس ومجاهد وغيرهما قوله تعالى: ((ثُمَّ قَضَى أَجَلًا)) أجل الموت، والأجل المسمى هو أجل القيامة.

(١.١ أدلة وجود الله، وأدلة وحدانيته (الأنعام: ١-٦


((ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ)) أي: بالرغم من قيام الدلائل على التوحيد والبعث، فإنكم تشكّون أيها الكفار في خلقكم مرة ثانية -أي في البعث وأمر الساعة- علمًا بأنه تعالى ابتدأ خلقكم من طين، وتكاثرت الذرية، فجعل أصل الإنسان نطفة من ماء مهين وأودعه في قرار مكين، وهيأ له فيه ظروف الحياة، ومن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر.
وأقام اللّه تعالى دليلًا آخر على وجوده ووحدانيته، فقال: ((وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ...)) أي: إن اللّه هو المعبود في السموات والأرض، المعروف بالألوهية، يعبده ويوحده كل من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه اللّه، ويدعونه رغبا ورهبا إلا من كفر من الجن والإنس.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ)) [الزخرف: ٨٤]، أي: هو إله من في السماء، وإله من في الأرض.
((يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)): تأكيد وتقرير لما قبله، يعلم السر والجهر، ويستوي في علمه الخفاء والعلانية.
((وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ)): أي: يعلم جميع أعمالكم خيرها وشرها، ويجازيكم عليها.