٢.١٠ كتبة الوحي مع ترجمةٍ لأشهرهم


كتب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- جماعة من الصحابة؛ ومن أشهرهم

الكاتب الأول: زيد بن ثابت

زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري كاتب النبي -صلى الله عليه وسلم- كما ترجم له الإمام البخاري: باب كاتب النبي -صلى الله عليه وسلم- وذكر فيه حديثين:
الأول: عن زيد بن ثابت قال: "أرسل إليَّ أبو بكر -رضي الله عنه- قال: إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاتَّبع القرآن..." الحديث. والثاني عن البراء بن عازب قال: ((كنت عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ادعُ لي زيدًا وليجيء باللوح والدواة والكتف أو: الكتف والدواة..))، الحديث. وزيد هذا هو زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي. ولد في المدينة ونشأ بمكة وقتل أبوه وهو ابن ست سنين، وهاجر مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ابن إحدى عشرة سنة. حفظ القرآن الكريم كله عن ظهر قلب في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان من كتاب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشهورًا بالصدق والأمانة، وتفقه في الدين حتى أصبح رأسًا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض على عهد عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، وكان يعد من الراسخين في العلم.
توفي سنة خمس وأربعين للهجرة، ولما توفي رثاه حسان بن ثابت، وقال أبو هريرة: "اليوم مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا".


٢.١٠ كتبة الوحي مع ترجمةٍ لأشهرهم


الكاتب الثاني: سيدنا أُبي بن كعب الأنصاري

هو سيد القراء، وأحد الذين أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأخذ القرآن عنهم، وكذلك أحد الذين جمعوا القرآن على عهد الرسول، وهو أول من كتب الوحي بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة. قال أبو بكر بن أبي شيبة: "كان أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبي بن كعب، فإن لم يحضر كتب زيد بن ثابت".

الكاتب الثالث: عبد الله بن سعد بن أبي سرح

هو أول من كتب الوحي للنبي -صلى الله عليه وسلم- بمكة، ثم ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين بمكة، فلما فتحها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسلم وحسن إسلامه.


٢.١٠ كتبة الوحي مع ترجمةٍ لأشهرهم


الكاتب الرابع: أرقم بن أبي الأرقم المخزومي

كان من السابقين إلى الإسلام. واسم أبي الأرقم: عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي القريشي المخزومي، وأمه من بني سهم. يكنى أبا عبد الله من المهاجرين الأولين، قديم الإسلام. قيل: إنه كان سابع سبعة في الإسلام، وقيل: أسلم بعد عشرة أنفس، وذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق فيمن شهد بدرًا.
وفي دار الأرقم بن أبي الأرقم هذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مستخفيًا من قريش بمكة، يدعو الناس فيها إلى الإسلام في أول الإسلام، حتى خرج عنها، وكانت داره بمكة على الصفا، فأسلم فيها جماعة كثيرة، وهو صاحب حلف الفضول.

الكاتب الخامس: معاوية بن أبي سفيان

هو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الأموي، أبو عبد الرحمن. أسلم هو وأبوه يوم فتح مكة وشهد حنينًا، وكان من المؤلفة قلوبهم ثم حسن إسلامه، وكان أحد الكتاب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: ((اذهب فادع لي معاوية، وكان كاتبه، قال: فسعيت فقلت: أجب نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه على حاجة)).


٢.١٠ كتبة الوحي مع ترجمةٍ لأشهرهم


الكاتب السادس: عبد الله بن أرقم بن أبي الأرقم الزهري

أسلم عام الفتح وكان ممن كتب للنبي صلى الله عليه وسلم. قال الأعمش: "قلت لشقيق بن سلمة: من كان كاتب النبي -صلى الله عليه وسلم؟ قال: عبد الله بن الأرقم".

الكاتب السابع: حنظلة بن الربيع

الأسيدي التميمي الكاتب. روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي عثمان الهندي عن حنظلة الأسيدي قال: "وكان من كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟..."، الحديث.

الكاتب الثامن: ثابت بن قيس بن شماس

وهو خطيب النبي -صلى الله عليه وسلم- وخطيب الأنصار. وممن كتب له -صلى الله عليه وسلم- أيضًا: الخلفاء الأربعة، وأبان ابن سعيد بن العاص بن أمية، ومعيقب بن أبي فاطمة وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن رواحة وخالد بن الوليد.


٢.١٠ كتبة الوحي مع ترجمةٍ لأشهرهم


الخط الذي كتب به القرآن الكريم في عهد نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم:

جدير بالذكر هنا الإشارة إلى أن قومًا من أهل اليمن كانوا يكتبون بالمسند بعد الإسلام ويقرءون نصوصه، فلما جاء الإسلام كان أهل مكة يكتبون بقلم خاص بهم، تختلف حروفه عن حروف المسند، ودعوه القلم العربي أو الخط العربي حينًا، والكتابة العربية حينًا آخر، تمييزًا له عن المسند، فلما نزل القرآن الكريم على النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- كتبه كتبة الوحي بقلم أهل مكة، لنزول الوحي بينهم، وصار قلم أهل مكة هو القلم الرسمي للمسلمين، وحكم على المسند بالموت عندئذٍ، فمات ونسيه العرب، إلى أن بعثه المستشرقون فأعادوه إلى الوجود مرة أخرى، ليترجم الكتابات العادية التي دونت به.
وهكذا انقضى العهد النبوي السعيد والقرآن الكريم مجموع على هذا النمط، بيد أنه لم يكتب في صحف ولا في مصاحف، بل كتب منثورًا بين الرقاع والعظام ونحوها. روي عن ابن عباس أنه قال: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب فقال: ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا)). وعن زيد بن ثابت قال: ((كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نؤلف القرآن من الرقاع)). المراد بتأليف القرآن الوارد في حديث زيد -رضي الله عنه:


٢.١٠ كتبة الوحي مع ترجمةٍ لأشهرهم


هذا التأليف كان عبارة عن ترتيب الآيات حسب إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم. وكان هذا الترتيب بتوقيف من جبريل عليه السلام، فقد ورد أن جبريل -عليه السلام- كان يقول: ((ضعوا كذا في موضع كذا)) ولا ريب أن جبريل كان لا يصدر في ذلك إلا عن أمر الله عز وجل.
وهذا التسجيل الكتابي الذي كان بأمر من النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الكتابة الرسمية، التي اعتمد عليها بعد ذلك في جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر، ثم في عهد عثمان -رضي الله عنهما.
وقد كانت هناك كتابات أخرى من اجتهادات الصحابة، يشير إلى ذلك الشيخ الزرقاني فيقول: "أما الصحابة -رضوان الله عليهم- فقد كان منهم من يكتبون القرآن، ولكن فيما تيسر لهم من قرطاس أو كتف أو عظم أو نحو ذلك، بالمقدار الذي يبلغ الواحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يلتزموا توالي السور وترتيبها؛ وذلك لأن أحدهم كان إذا حفظ سورة أنزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو كتبها، ثم خرج في سرية مثلًا فنزلت في وقت غيابه سورة، فإنه كان إذا رجع يأخذ في حفظ ما ينزل بعد رجوعه وكتابته، ويستدرك ما كان قد فاته في غيابه، فيجمعه ويتتبعه على حسب ما يسهل له، فيقع فيما يكتبه تقديم وتأخير بسبب ذلك. وقد كان من الصحابة من يعتمد على حفظه فلا يكتب، جريًا على عادة العرب في حفظ أنسابها واستظهار مفاخرها وأشعارها من غير كتابة".
ومن خلال ما سبق يتضح أمامنا أن القرآن الكريم كان مكتوبًا كله على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان كتابته ملحوظًا فيها أن تشمل الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن الكريم، غير أن بعض الصحابة كان قد كتب بعض منسوخ التلاوة وبعض ما هو ثابت بخبر الواحد، وربما كتبه غير مرتب، ولم يكن القرآن على ذلك العهد مجموعًا في صحف ولا في مصاحف عامة.

فضلًا عما سبق فإن القرآن الكريم لو جمع في صحف أو مصاحف -والحال على ما ذكر آنفًا من أمر النسخ- لكان عرضة لتغيير الصحف أو المصاحف كلما وقع نسخ أو حدث سبب، مع أن الظروف لا تساعد وأدوات الكتابة ليست ميسورة، والتعويل كان على الحفظ قبل كل شيء؛ لذا لما استقر الأمر بختام التنزيل ووفاة الرسول وأمن النسخ، وتقرر الترتيب، ووجد من الدواعي ما يقتضي نسخه في صحف أو مصاحف، وفق الله الخلفاء الراشدين فقاموا بهذا الواجب؛ حفظًا للقرآن الكريم وحياطة لأصل التشريع الأول، مصداقًا لقول الله جل وعلا: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر: ٩].

٢.١٠ كتبة الوحي مع ترجمةٍ لأشهرهم


لِمَ لَمْ يجمع القرآن في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في كتاب واحد أو في مصحف واحد؟

الإجابة على هذا السؤال ذكرها العلامة الزرقاني قائلًا: "وإنما لم يجمع القرآن في صحف ولا مصاحف لاعتبارات كثيرة:

أنه لم يوجد من دواعي كتابته في صحف أو مصاحف مثل ما وجد على عهد أبي بكر حتى كتبه في صحف، ولا مثل ما وجد على عهد عثمان حتى نسخه في المصاحف، فالمسلمون وقتئذٍ بخير، والقراء كثيرون، والإسلام لم يستبحر عمرانه بعد، والفتنة مأمونة، والتعويل لا يزال على الحفظ أكثر من الكتابة وأدوات الكتابة غير ميسورة، وعناية الرسول -صلى الله عليه وسلم- باستظهار القرآن الكريم تفوق الوصف وتوفي على الغاية، حتى في طريقة أدائه على حروفه السبعة التي نزل عليها القرآن الكريم.