ومنهم من قال: إنّ الجَمْعَ في حديث أنس يُراد به الكتابة لا الحِفْظ، ومنهم من قال: إن المراد بالجمع الجمع بوجوه القراءات كلها، أو تلقيًا ومُشافهة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو الجمع شيئًا فشيئًا؛ حتى تكامل نزوله.
وممن وجهوا التعارض الظاهري بين حديثي أنس الماوردي رحمه الله تعالى؛ حيث قال: "وقد تَمَسّك بقول أنس جماعة من الملاحدة، ولا متمسك لهم فيه؛ فإنّا لا نُسَلّم حمله على ظاهره: سلمناه، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك، سلمناه، لكن لا يلزم من كون كل من الجَمّ الغفير لم يحفظه كله؛ ألا يكون حِفْظُ مَجْمُوعه الجم الغفير، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه؛ بل إذا حفظ الكل الكل ولو على التوزيع كفى".
وقال القرطبي: وقد قُتِل يومُ اليَمامة سَبْعُون، وقتل في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ببئر معونة مثل هذا العدد. قال: وإنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم دون غيرهم، أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم.
جمع القرآن بمعنى الكتابة في سطور
من أسباب التوثيق القرآني كتابته في سطور على شيء مما يستعمل في الكتابة؛ حتى يؤكد المكتوب المحفوظ، فيكون قد جمعت له وسيلتا الحفظ، وقد كانت كتابة آيات القرآن على هذا النحو في عهود ثلاثة: عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه.