١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم

بادئ ذي بدء تَجْدُر الإشَارَةُ إلى أنّ الإسلام قد عني بالعلم عناية فائقة وجعل له نصيبًا كبيرًا من الاهتمام، ومن آكد الدلائل على ذلك: أنّ أول آية نزلت من كتاب الله تعالى على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- كانت مبدوءة بكلمة: "اقرأ" وذلك في قوله تعالى: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)) [العلق: ١- ٥] واشتملت كذلك تلك الآيات المباركات على أداة من أدوات الكتابة وأمر من الأمور المتعلقة بها وهو القلم.
فضلًا عن ذلك فإننا لو استقرأنا مادة كَتَب والكَلمات المُشْتَقّة منها في القرآن الكريم لوجدناها وردت ثلاثمائة وتسعة عشر مرة، مِمّا يدل صراحة على اهتمام الإسلام بأمر العلم، وبخاصة أولى مراحله وهو تعلم الكتابة. بل يُلَاحَظُ أنّ ألفاظ القرآن الكريم اشتملت على الأدوات المستخدمة في الكتابة من ذلك القلم، المداد، القرطاس، الصحف، الرَّق، السِّجِل..
كُلُّ ذَلك يُؤَكّد لنا في وضوح مَدى عِناية القُرآن الكريم واهتمامه البالغ بأمر الكتابة، ومُحَاوَلته استنهاض الهِمم، وتَقْوية العزائم على محو الأمية، التي كانت سائدة بين أبناء العرب وقتئذ؛ لأنّ القِرَاءة والكتابة من أقوى الوسائل لنقل الأفكار والمعتقدات، وتبليغها إلى من هم بعيدون عن منبعها زمانًا ومكانًا.


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


أيهما كان معولًا عليه في بادئ الأمر للحفاظ على الوحي القرآني، الحفظ أم الكتابة؟
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الأمْرَ الأول الذي كان معولًا عليه في بادئ الأمر في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- هو ترغيب الصحابة -رضي الله عنهم- في حفظ القرآن الكريم في الصدور، كما أُنزل على الرسول -صلى الله عليه وسلم- يُشير إلى ذلك الإمام الزرقاني فيقول: "إنّ همة الرّسولِ وأصْحَابَه كانت مُنْصَرفة أول الأمر إلى جمع القرآن الكريم في القلوب بحفظه واستظهاره، ضرورة أنه نبي أمي؛ بعثه الله تعالى في الأميين، أضف إلى ذلك أن أدوات الكتابة لم تكن ميسورة لديهم في ذلك العهد".
ومن هنا كان التعويل على الحفظ في الصدور يفوق التعويل على الحفظ بين السطور، على عادة العرب أيامئذ من جعل صفحات صدورهم وقلوبهم دواوين لأشعارهم وأنسابهم ومفاخرهم وأيامهم.


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


صور محافظة النبي -صلى الله عليه وسلم- على القرآن الكريم

من أهم الأمور التي تُصور مدى محافظة النبي -صلى الله عليه وسلم- على القرآن الكريم ما كان يتم بينه وبين جبريل، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يَعْرِضُ على جبريل القرآن الكريم، ويعرضه عليه جبريل، وقد عرضه عليه في العام الذي تُوفي فيه مرتين، وعرضه عليه مرتين. وفي كل مرة كان يعلم جبريلُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- بما نُسخ من القرآن الكريم،
وكُتّاب الوحي يكتبون ذلك عن الرسول -صلى الله عليه وسلم.
ولكن هنا سؤال: هل أهمل النبي -صلى الله عليه وسلم- في القرآن أو ضيع شيئًا منه؟
يقول القاضي الباقلاني مشيرًا إلى دقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المحافظة على القرآن الكريم وتبليغه للأمة: وما على جديد الأرض أجهل ممن يظن بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أهمل في القرآن أو ضيعه، مع أنّ له كُتَّابًا أفاضل معروفين بالانتصاب لذلك من المهاجرين والأنصار؛ فممن كتب له في قريش من المهاجرين: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد بن أرقم وخالد بن سعيد، وذَكَر أهلُ التّفْسِير أنّه كَان يُملي خالد بن سعيد ثم يأمره بطي ما كتب وختمه".


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


المُراد بعرض القرآن الذي كان يتم بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين أمينُ السماء جبريل عِبارة عن القراءة مرة، والاستماع في الأخرى؛ يُشير إلى ذلك الإمام الكوثري فيقول: "والمُعارضة تكون بقراءة هذا مرة، واستماع ذلك، ثم قراءة ذلك واستماع هذا، تحقيقًا لمعنى المُشاركة؛ فتَكُون القِراءة بينهما في كل سنة مرتين، ويَظْهَرُ أنّ عرض القرآن في كل سنة مرة كان لفوائد كثيرة منها:
أولًا: تأكيد الحفظ والاستظهار.
ثانيًا: معرفة ما طرأ عليه النسخ من القرآن.
ثالثًا: مَعْرِفَة الأحرف السبعة التي أمر بقراءة القرآن عليها.
رابعًا: مَعرفة معاني ما يحتاج إلى معرفة معانيه من القرآن؛ أو مُدَارسة ما عُرف من هذه المعاني.
وكان النّبي -صلى الله عليه وسلم- يُسمع الصحابة القرآن الكريم من خلال القراءة بهم في الصلاة، أو في مَجَالس العلم والتلقين أو غير ذلك. فعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأُبي: ((إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، قال أبي: آلله سماني لك؟ قال: آلله سماك لي، فجعل أبي يبكي)).
وكما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسمع الصحابة القرآن كان أيضًا يُحب أن يسمعه من الصحابة؛ فالنّبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لعبد الله بن مسعود: ((اقرأ عليّ يقول عبد الله بن مسعود: يا رسول الله، أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم أحب أن أسمعه من غيري...)).


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


ومِمّا يَدُلّ عَلى مَزيد عِناية النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقرآن الكريم: أنّه كانَ يُشَجّع الصّحَابة، ويَحُثّهم على تَعَلّم القرآن الكريم وتعليمه؛ فعن عثمان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)). وكان -صلى الله عليه وسلم- يختار من الصحابة من يقوم بأمر تحفيظ القرآن. فعن عبادة بن الصامت قال: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُشغل فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن)).
وغني عن البيان أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا على وعي تام بقيمة ما تركه لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القرآن الكريم وقراءاته؛ فكانوا شديدي الحرص على المحافظة عليه وعلى قراءاته رواية وتلقينًا. ولكن هنا سؤال: ماذا تعني نسبة القراءة إلى الصحابي؟
نَتَج عن كل ما سبق من عناية النبي بحفظ القرآن؛ وفطنة الصحابة لهذا أن تميز بعض الصحابة في قراءاتهم ونُسبت إليهم قراءات نسبة اختيار لا ابتداع وابتكار؛ فقيل مثلًا: قراءة ابن مسعود، وقراءة أبي، أو قراءة زيد. وهكذا وظهر لكل منهم تلاميذ ينقلون عنهم، وكل ذلك في ظلال الأحرف السبعة.


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


معنى الجمع

الجمع في اللغة: ضم الشيء المتفرق بعضه إلى بعض هذا معنى الجمع. ومعناه اصطلاحًا: ضم الآيات بعضها إلى بعض حتى تتكون السور مجتمعة داخل المصحف.
وله إطلاقان: يُطلق الجمع ويراد به الحفظ والتعهد؛ حتى يكون مجتمعًا في القلب والفؤاد؛ لا يبرحه. ويُطْلَقُ الجَمْعُ أيضًا ويُراد به الكتابة في سطور حتى يؤكد المحفوظ في السطور ما اجتمع في الصدور.

جمع القرآن في الصدور

بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم- كما نعلم جميعا أميًّا إلى قوم أميين؛ حَظّهم من العلم والثقافة قليل، يقول الله تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [الجمعة: ٢].
إنّ أهَمّ مَا يُرَكِّزُ عليه الآدمي في التحصيل هو: قُوّةُ الذّاكِرة، وصفاء الذهن، وصِدْق النِّية، وخالص الإقبال، ولم تتحقق هذه الصفات كاملة مثلما تحققت لرسول الله -صلوات الله وسلامه عليه- لا سيما وأنه الرحمة للعالمين: ((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة: ١٢٨].


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


وهذه هي الصفة الغالبة عند العرب أجمعين؛ فقد كانوا يتمتعون بسليقة خالصة، وذاكرة نافذة، وذكاء متوقد؛ حتى كانوا يحفظون تاريخهم وأنسابهم وأيامهم وآدابهم بصورة لم تكن معهودة عند أبناء الأمم الأخرى.
ولقد كان -صلى الله عليه وسلم- مُنقطع النظير في هذا المضمار، ووجهوا تلك المواهب لتلقي أو حفظ القرآن الكريم؛ لبعث الأمة من الموت إلى الحياة. وقد كان من بالغ رحمته وحرصه على استيعاب القرآن: أنْ كانَ يُرَدّدُ الآيات عَقْبَ نُزولها خَوفًا من تفَلُّتِها ونِسيانِها، وهو يُعَاني ما يُعاني من ثقل الوحي وشدته، وداوم على ذلك حتى ضمن له ربه الحفظ، ووعده بجمعه في صدره قال تعالى: ((سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى)) [الأعلى: ٦] وقال سبحانه: ((لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)).
ومن هنا تحقق له الوعد الإلهي الكريم؛ فكان إمام الحفاظ في زمانه، يقرأ القرآن في الصلاة وخارجها، ويُعَلّمه أصحابه، ويقرؤه على مكث، ويقضي به في شئون الحكم؛ حتى كان قرآنًا يمشي على الأرض.
ولم يَكْتَفِ النّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالحِفْظِ الأول؛ بل كان يتعهده من وقت لآخر؛ حتى لا يتفلت من صدره الشريف شيئًا، كما كان يعرضه على جبريل -عليه السلام- كل عام من أجل الغرض؛ فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه عارضه مرتين، كما ذكرنا. إقبال الصحابة على حفظ القرآن الكريم:


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


شَرَح اللهُ تعالى صدور قوم للإسلام فأقبلوا على نبيهم يتعلمون أمور دينهم، ويتدارسون كتاب ربهم ويتلونه آناء الليل وأطراف النهار، يقرءونه في صلاتهم وخارجها؛ حتى يُسمع لهم دوي كدوي النحل، بالغوا في تلقيه وحفظه؛ شيبة وشبابًا، ونساءً وشيوخًا حتى لقد كان معيار تفاضلهم وتفاوتهم في الدرجات والمنازل.
فقد كان سبب التقديم للإمامة والقضاء والحكم وسائر شئون الدنيا والدين، ولقد تعهدهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ونمى فيهم هذا الإقبال، ورَبّى فيهم تلك الروح؛ فكلما نَزَل عليه وحي بادر بتبليغه، وتتبع حفظهم حتى يكون سليمًا، ويُرسل إلى الجهات القاصية من يعلم أهلها القرآن ويفقههم في أمور الدين، فقد أرسل إلى المدينة مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم يعلمان الناس الدين الحق، ويقرئانهم القرآن، وأرسل معاذ بن جبل إلى مكة بعد الهجرة النبوية؛ ليحفظهم القرآن.
قال عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-: "كان الرّجل إذا هاجر دفعه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع لمسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضَجّة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يَخْفِضُوا أصواتهم لئلا يتغالطوا".


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


وقد بلغت منزلة القرآن في نفوس المؤمنين منزلة عظيمة؛ حتى كانوا يسَرُّون حينما يقدم أحدهم بعض سور القرآن كصداق لمن أراد الزواج منها. حملة القرآن يبلغون حد التواتر: تحقيقًا لوعد الله تعالى بحفظ القرآن الكريم، إلى يوم البعث؛ فقد شرح صدور كثير من المسلمين لحفظ القرآن الكريم وإتقانه، وقد بَلَغ عَددُ الحَفظة في عهده -صلى الله عليه وسلم- حَدّ التّواتُر، وبهذا يُقطع الطريق أمام كل باحث عن شبهة ليُثِيرَها حول القُرآن الكريم، ومن بين هؤلاء الحَفظة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وعبد الله بن السائب، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية، وعمرو بن العاص وابنه عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبو هريرة، وحذيفة وسالم مولاه، وعبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك، وأبو زيد.
ومِمّا يُؤكد أنّ حَملة القرآن كانوا كثرة تُعد بالمئات: قال الإمام القرطبي: "قد قُتِل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقُتل في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بئر معونة مثل هذا العدد".
قال الإمام ابن الجزري: ثم إنّ الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف والكتب، وهَذه أشْرَفُ خَصيصة من الله تعالى لهذه الأمة. ففي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنّ رَبّي قال لي: قم في قريش فأنذرهم فقلت له: أي رب، إذًا يثلغوا رأسي حتى يدعوه خبزةً؛ فقال: إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان؛ فابعث جندًا أبعث مثلهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأنفق ينفق عليك)).


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


فأخبر تعالى أنّ القُرآن الكريم لا يَحتاج في حفظه إلى صحيفة تُغسل بالماء؛ بَلْ يُقْرأ في كل حال، كما جاء في صفة أمته: "أناجيلهم صدورهم" وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا يقرءونه إلا نظرًا؛ لا عن ظهر قلب كما يفعل المسلمون.
شُبهة ورَدُّها:
يَزْعُم بعض المغرضين "أن القرآن الكريم لم يُحفظ في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وبالتالي ينقطع في عصر من العصور، أو جيل من الأجيال عن درجة التواتر، التي يشترط فيها في كل طبقة أن ينقله جمع عن جمع، حتى يَتَّصِلَ السّند برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكُلُّ جمع من الجموع يكون من الكثرة بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب"، وقد استدلوا بهذه الشبهة بظاهر حديث مروي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنّه قال: "مات النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال: ونحن ورِثْنَاه" وأبو زيد هذا اسمه قيس بن السكن كما رواه أبو داود.
ولا يُعقل أن يكون الحصر حقيقيًّا في هذا الحديث، على الرغم من وجوده في (صحيح البخاري) لأنّ الواقع الذي أسلفناه يعارِضُ ذَلك ولما جاء عن أنس نفسه -رضي الله عنه- حيثُ سأله قتادة عَمّن جمع القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. فالراوي في الحديثين أنس -رضي الله عنه- ولا يُعقل أنْ يُناقض نفسه؛ فوجب القول بأن الحديث قد جاء الحصر فيه إضافيًّا وليس حقيقيًّا؛ لأنّ هناك روايات أخرى في هذا الموضوع ذَكرت غير هؤلاء جميعًا.


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


ولذا علق الإمام الماوردي بقوله: "لا يلزم من قول أنس -رضي الله عنه- "لم يجمعه غيرهم" أن يكون الواقع كذلك في نفس الأمر؛ لأنه لا يمكن الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد، ولا يتم له ذلك إلا إذا كان قد لقي كل واحد منهم، وأخبر عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهد النّبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا في غاية البُعد في العادة. وكيف يكون الواقع ما ذكر وقد جاء في (صحيح البخاري) أيضًا من طريق حفص بن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((خذوا القرآن عن أربعة: عن عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب)). والأربعة المذكورون منهم اثنان من المهاجرين، وهما الأولان واثنان من الأنصار وهما الآخران"؛ وكأن الماوردي -رحمه الله- بكلامه السابق يُريد أن يؤكد أن الحصر إضافي وليس حقيقيًّا.
كمَا أنّ هُناك رِوايات أُخرى تَتَحَدّث عن جمع القرآن؛ فتَذْكُر غير هؤلاء جميعًا فقد أخرج النّسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: ((جمعتُ القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقال له: اقرأه في شهر...)) الحديث.
وأخرج أبو داود بسند حسن عن مُحَمّد بن كعب القرظي قال: "جمعَ القرآنُ على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأُبي بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري". وقد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديثي أنس المذكورين فقال: إنه ذكر ما حضر بذهنه كل مرة، ولم يقصد الحصر الحقيقي؛ فهذا غير معقول ولا مقبول.


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


ومنهم من قال: إنّ الجَمْعَ في حديث أنس يُراد به الكتابة لا الحِفْظ، ومنهم من قال: إن المراد بالجمع الجمع بوجوه القراءات كلها، أو تلقيًا ومُشافهة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو الجمع شيئًا فشيئًا؛ حتى تكامل نزوله.
وممن وجهوا التعارض الظاهري بين حديثي أنس الماوردي رحمه الله تعالى؛ حيث قال: "وقد تَمَسّك بقول أنس جماعة من الملاحدة، ولا متمسك لهم فيه؛ فإنّا لا نُسَلّم حمله على ظاهره: سلمناه، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك، سلمناه، لكن لا يلزم من كون كل من الجَمّ الغفير لم يحفظه كله؛ ألا يكون حِفْظُ مَجْمُوعه الجم الغفير، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه؛ بل إذا حفظ الكل الكل ولو على التوزيع كفى". وقال القرطبي: وقد قُتِل يومُ اليَمامة سَبْعُون، وقتل في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ببئر معونة مثل هذا العدد. قال: وإنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم دون غيرهم، أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم.

جمع القرآن بمعنى الكتابة في سطور

من أسباب التوثيق القرآني كتابته في سطور على شيء مما يستعمل في الكتابة؛ حتى يؤكد المكتوب المحفوظ، فيكون قد جمعت له وسيلتا الحفظ، وقد كانت كتابة آيات القرآن على هذا النحو في عهود ثلاثة: عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه.


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


أولًا: كتابته في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

سبق أن بينا اهتمام الرسول -صلى الله عليه وسلم- بتلقي القرآن أولًا بأول، وبحفظ القرآن وتعهده مرارًا؛ حتى لا يَتَفَلّت القرآن من صدره الشريف، ولقد كان اهتمامه إلى هذا الحد؛ نظرًا لظروف أميته وأمية أمته؛ فقد كانت صدورهم أناجيلهم، ومُستودعهم الذي يودعون فيه ما أرادوا حفظه من خطب وأشعار، وأيام ووقائع، وأنساب ومفاخر.
ولم تَضق صُدورهم عن حفظ هذا كله؛ فَلَمّا جاء القرآن كانت له الصدارة على غيره؛ عملًا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))، غير أن هذا الحفظ في الصدور وإن كان قد بلغ شأوا بعيدًا وإتقانًا عجيبًا إلا أنه لم يشغلهم عن كتابته بقدر ما تيسر لهم، لأنّ وسائل التدوين والكتابة لم تكن ميسورة آنذاك بالقدر المطلوب، فها هو ذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اتخذ كُتّابًا للوحي؛ كلما نزل شيء من القرآن أمرهم بكتابته مبالغة في تسجيله وتقييده، وزيادة في التوثق والضبط والاحتياط في كتاب الله تعالى؛ حتى تُظاهر الكتابة الحفظ ويُعاضِد النقش اللفظ. وكان هؤلاء الكُتّاب من خيرة الصحابة، وكان يَدُلّهم على موضع المكتوب من سورته.


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


ومن بين هؤلاء الكتاب: الخلفاء الأربعة، وثابت بن قيس، وزيد بن ثابت، وأُبي بن كعب، وخالد بن الوليد، وأبان بن سعيد، ومعاوية بن أبي سُفيان، وغيرهم -رضي الله عنهم.
وكانت الكتابة غاية في الدقة؛ إذ إنهم لم يكتبوا شيئًا إلا بأمره وتوجيهه -صلى الله عليه وسلم- ويُعين لهم مكان المكتوب تعيينًا صحيحًا.
ولقد تَحَمّلوا في هذا العمل الجليل فوق طاقتهم؛ إذ كانت وسائل الكتابة غير ميسورة، كما سبق فكانوا يكتبون آيات القرآن على الرقاع، وعظام الأكتاف والأضلاع، وقطع الأديم، واللخاف، والعسب، ثم بعد الفراغ منه يُوضع في بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم ينقض العهد النبوي إلا بعد تمام نزول القرآن الكريم، وتدوينه على الوسائل السابقة، وليس مجموعًا في صحف أو مصحف.
وحرصًا على سلامة القرآن من الاختلاط بغيره؛ فيقع الصحابة في اللبس لذا فقد نهاهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن أن يكتبوا شيئًا غير القرآن في بداية الأمر؛ قائلًا لهم: ((لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه)).
وعن زيد بن ثابت قال: "كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نؤلف القرآن من الرقاع"، ولم يكن الترتيب اجتهاديًّا، بل كان بتوقيف من الله تعالى على لسان جبريل الذي ينزل بالوحي على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- جاء عن جبريل -عليه السلام- أنه كان يقول: ((ضعوا كذا في موضع كذا)).


١.١٠ جمع القرآن الكريم في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم


دوافع الكتابة في العهد النبوي الشريف

أولًا: العمل على حفظ القرآن الكريم حتى لا يُزاد فيه ولا يُنقص؛ تحقيقًا للوعد الإلهي الكريم في قوله تعالى: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر: ٩].
ثانيًا: زيادة التأكد من سلامته ليجمع له الحفظان؛ حفظ السطور مع حفظ الصدور.
ثالثًا: استمرار حفظ القرآن الكريم لأجيال الأمة إلى يوم الجزاء.