١.٩ تعريف الكتابة، ونشأتها عند العرب


تعريف الكتابة

الكتابة في اللغة مصدر كتب، قال صاحب (اللسان): كَتبَ الشيءَ يكتبه كتبًا وكتابًا وكتابة وكتَّبَه خطه.
والكتاب أيضًا الاسم، عن اللحياني الأزهري: الكتاب اسم لما كتب مجموعًا، والكتاب مصدر والكتابة لمن تكون له صناعة مثل الصباغة والخياطة، والكِتْبةُ اكْتِتابُك كِتابًا تنسخه. ويُقال: اكتتب فلانٌ فلانًا أي سأله أن يكتب له كتابًا في حاجة،
واستكتبه الشيء أي سأله أن يكتبه له، وفي التنزيل قال تعالى: ((اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)) [الفرقان: ٥] أي استكتبها.
والكتابة عُرفًا: إعمال القَلَم باليد في تصوير الحروف ونقشها، وقد تُطلق على نفس الحروف المَكْتُوبة فإنها نقوش دالة على الكلام دلالة اللسان على ما في الجنان الدّالّ على ما في خارج الأعيان.


١.٩ تعريف الكتابة، ونشأتها عند العرب


نشأة الكتابة عند العرب

غني عن البيان أن مسألة نشأة الكتابة عند العرب مشكلة في التاريخ مُعقدة، تناولها كثير من المؤرخين في الرواية تارة، وبالتخمين تارة أخرى.
ويرجع ذلك إلى أن تاريخ الشعب العربي في الجاهلي وعلاقاته آنذاك بالشعوب الأخرى من حوله لم تقيد كتابًا، وكُلّ ما ورد منها نتف يسيرة جدًّا أثبتها الشعراء في قصائدهم، أو تناقلها الرواة محرفة مزيدة على مر الأجيال إلى أن جاءت إلينا غامضة متناقضة، وبناء على هذا نجد أنه من الصعوبة بمكان أن نحدد على وجه الدقة واليقين الأمور الآتية:
أول من وضع الخط العربي، متى بدأت الكتابة عند العرب؟ كيف نشأت الكتابة لدى العرب؟ مدى انتشار الكتابة في الجزيرة العربية قبل الإسلام؟
وإذا تقرر لدينا ذلك بدايةً؛ فإنّنا سَنُحَاول أن نلقي إطلالة سريعة على جهود السابقين وأقوالهم فيما سَبَقت الإشارَةُ إليه مع بيان الرأي الراجح أي الأقرب إلى الصواب.
وبداية تَجْدُر الإشارة إلى أنّ البَاحِثين اختلفوا في مسألة نشأة الخط العربي، والكتابة به اختلافًا كبيرًا؛ فهناك أكثر من عشرين رأيًا فيها، ويُمكن الاقتصار هنا على أهمها؛ فالمَسْألَةُ بإيجَاز تَتَلَخّص في رأيين اثنين هما:

١.٩ تعريف الكتابة، ونشأتها عند العرب


الرأي الأول

رأي أصحاب نظرية التوقيف: ويرى أصحاب هذه النظرية من اللغويين والإخباريين العرب مثل: ابن عبد ربه، والصولي، وابن النديم، وابن فارس، والزركشي، والقلقشندي، والسيوطي، وغيرهم: أنّ الخط توقيفي، أي أنه ليس من وضع البشر، بل إنّ الله -سبحانه وتعالى- قد علمه لآدم؛ فكتب الكُتب كلها؛ فلما أصابَ الأرضَ الغَرَقُ وجد كل قوم الكتابة التي يكتب بها، وكان من نصيب إسماعيل الكتاب العربي، ويستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي: بقول الله تعالى: ((الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)) [العلق: ٤، ٥]، وبقوله جل وعلا: ((ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)) [القلم: ١]. وكان ابن عباس يقول: "أول من وضع الكتاب العربي إسماعيل -عليه السلام- وضعه على لفظه ومنطقه". والروايات في هذا الباب تكثر وتختلف، والذي نقوله فيه: إنّ الخط توقيف، وذلك لظاهر الآيات السابقة، وإذا كان ذلك كذلك؛ فليسَ ببعيدٍ أن يوفق آدم -عليه السلام- أو غيره من الأنبياء -عليهم السلام- على الكتاب، فأما أن يكون مخترع اخترعه من تلقاء نفسه فشيء لا يُعلم صحته إلا من خبر صحيح.
كذلك ما يُروى عن كعب الأحبار أنه قال: "أول من وضع الخط العربي والسيرياني وسائر الكتب آدم -عليه السلام- قبل موته بثلاث مائة سنة كتبه في الطين ثم طبخه، فلما انتفض ما كان أصاب الأرض من الغرب وجد كل قوم كتابهم به؛ فكان إسماعيل -عليه السلام- وجد كتاب العرب".


١.٩ تعريف الكتابة، ونشأتها عند العرب


ولعل الذي دفع هؤلاء إلى القول بالتوقيف هو الحب العَميق للغة التي أُنزل بها القرآن، وميلهم إلى إضفاء نوع من القدسية للغة العربية، والخط العربي وحروفه، حيث إنه لما كثر الوضع في الحديث حاول أصحاب كل حرفة إعطاء الشرعية لحرفتهم، وإضفاء القدسية عليه، سواءٌ بوضع الأخبار أو أخذها من أهل الكتاب. وإن كانت لا تقوم على حقائق علمية فمرة ذهبوا إلى أن العربية لغة أهل الجنة، ومرة أخرى إلى أن العربية نزلت من السماء، وأنّ من لن يؤمن بها كاملة وهي تسعة وعشرين حرفًا يكفر.. إلى غير ذلك من الكلام غير المبني على أسس علمية أو أخبار صحيحة.
ويَبْدُو أنّ قول أصحاب هذه النظرية بتوقيفية الخط العربي نابع من اعتقادهم بضعف الإنسان، وعَدم امتلاكه القدرات التي تؤهله للقيام بمثل ذلك، فهم ينظرون إلى الإنسان بعين الشك والارتياب ويحسون ضعفه وهوانه فينسبون الأشياء الجبارة إلى الإدراكات العليا، والمقادير الخفية وهذه النظرية لا تحظى بتأييد العلماء.


١.٩ تعريف الكتابة، ونشأتها عند العرب


الرأي الثاني

ويذهبُ أصحابُه إلى أنّ الخط اختراع؛ ولهم في ذلك روايتان مَشْهُورَتان وهما:

الرواية الأولى

"إنّ العَرب قد أخذت خطها عن الحِيرة، والحيرة أخذته عن الأنبار، والأنبار عن اليمن ثم نُقل إلى مكة وتعلمه من تعلمه وكثر في الناس وتداولوه".
قال ابن عباس -رضي الله عنه-: أول من كتب بالعربية ثلاثة رجال من بولان، وهي قبيلة سكنوا الأنبار، وأنهم اجتمعوا فوضعوا حروفًا مقطعة وموصولة، وهم: مرامر بن مرة وأسلم ابن سدرة وعامر ابن جدرة -ويُقال: مروة وجدلة- فأما مرامر فوضع، وأما أسلم ففصل ووصل، وأما عامر فوضع الإعجام، وسُئل أهل الحيرة: ممن أخذتم العربي؟ فقالوا: من أهل الأنبار.


١.٩ تعريف الكتابة، ونشأتها عند العرب


ويقول الفيروزآبادي: لذلك تُسَمّي العَرب خَطّها بالجَزم، لأنه جزم واقتطع من المُسند الحِمْيري، ويقول ابن خلدون: "لقد كان الخط العربي بالغًا من الإحكام والإتقان والجودة في دولة التبابعة، لما بلغت من الحضارة والترف وهو المسمى بالخط الحميري، وانتقل منها إلى الحيرة لما كان بها من دولة آل المنذر، نسباء التبابعة في العصبية والمجددين لمُلك العرب بأرض العراق، ومن الحيرة لُقِّنه أهل الطائف وقريش فيما ذكر".
ويُقال: إنّ الذي تعلم الكتابة من الحيرة هو سفيان ابن أمية، ويقال: حرب ابن أُمَيّة وأخذها من أسلم ابن سدرة، وهو قول ممكن.
ويتلخص من هذا الرأي بأن الكتابة العربية اشتقت من الخط المُسند الحميري، والذي يُعرف أيضًا بالخَط العربي الجنوبي،
وأنّ هذا الخط وصل إلى موطن المناذرة وبلاد الشام عن طريق القوافل التجارية التي كانت تنتقل بين الجزيرة العربية وشمالها، ثم انتقل عن طريق الحجاز إلى بقية الجزيرة العربية.


١.٩ تعريف الكتابة، ونشأتها عند العرب


وهذا الرأي ضعيف كسابقه، وذلك من عدة وجوه أهمها:

أننا نلحظُ أثر الصنعة والاختراع في الأسماء؛ فهي موزونة ومقفاة مرة سدرة جدرة وهذا يدل على أنها وُضعت وضعًا وليست من نتيجة المصادفة والاتفاق.


١.٩ تعريف الكتابة، ونشأتها عند العرب


فضلًا عما سبق: فإن القول بأن العرب سمت خطها بالجزم؛ لأنه جُزم واقتطع من المسند الحميري، قول عار من الصحة؛ لأن الوثائق التاريخية تؤكد أن خط الجزم خط إسلامي نشأ بعد تأسيس الكوفة في عهد سيدنا عمر بن الخطاب فهو ليس خطًّا جاهليًّا.
يُضاف إلى ما تقدم: أن أهل اليمن كانوا يكتبون بالمسند، والمسند بعيد عن هذا القلم الذي يُسَمّيه أهل الأخبار: القلم العربي أو الكتاب العربي بعدًا كبيرًا، وقد بقوا يكتبون بقلمهم هذا زمانًا في صدر الإسلام.
ويُضاف إلى كل ما سبق أننا لا نستطيع أن نقول: إنّ هؤلاء هم الذين كتبوا أو أول الذين وضعوا الكتابة العَربية فعلًا، وذلك لأنه أمر ينفيه ما تم اكتشافه من نقوش عربية تعود إلى وقت سابق على الوقت الذي يقدر أنهم عاشوا فيه، وهو نهاية القرن الخامس أو بداية القرن السادس الميلادي في أماكن بعيدة عن الأنبار والعراق.
كذلك فإنّ وضْعَ الخُطوط واختراعها عمل ليس من اليسير نسبته إلى أفراد بأعيانهم، وعلى أية حال لا يستبعد أن يكون لهؤلاء الأشخاص المذكورين يد ما في تطوير الخط والكتابة العربية، بأن ساهموا بطريقة ما في تطوير تلك الكتابة، فقاموا مثلًا بتعديل الحروف المتداولة آنذاك ذات الأصل النبطي حتى تبدو في شكلها الحالي.


١.٩ تعريف الكتابة، ونشأتها عند العرب


الرواية الثانية

أن العرب قد أخذت خطها من ملوك مدين الذين كانوا من العرب العاربة، يقول ابن النديم: "اختلف الناس في أول من وضع الخط العربي"، فقال هشام الكلبي: "أوّل مَنْ وَضَع ذلك قوم من العرب العاربة نزلوا في عدنان بن إد وأسماؤهم: أبجد هوز حطي كلمن سعفص، هذا من خط ابن الكوفي بهذا الشكل والإعراب، وضعوا الكتاب على أسمائهم ثم وجدوا بعد ذلك حروفًا ليست من أسمائهم وهي: الثاء والخاء والذال والظاء والشين والغين؛ فسموها الروادف.
قال ابن النديم: وهؤلاء ملوك مدين، وكان مهلكهم يوم الظلة في زمن شعيب عليه السلام، قرأت بخط ابن أبي سعد على هذه الصورة وبهذا الإعراب: أبجد هوز حطي كلمن صاع قرست. قالوا: هم الجبلة الآخرة، وكانوا نزولًا في عدنان ابن أد وأشباهِه، فلما استعربوا وضعوا الكتاب العربي، والله أعلم.
ويقول إسبنداري: وهذا الرأي غير مستقيم، ولا يحضره المنطق السليم وليس أدَلّ على الخُرافة في هذا الرأي من أنّ أصْحَابها قد أخذوا الترتيب الأبجدي للحروف وجعلوه أسماء لملوك من العرب العاربة، زاعمًا بأنهم كانوا في مدين، وأنهم الذين وضعوا الخط العربي؛ كما أنها تدل أيضًا على أنّ الخط العربي كان يُكتب في نشأته بالتنقيط، وهذا يخالف الواقع.


١.٩ تعريف الكتابة، ونشأتها عند العرب


فضلًا عن ذلك: فإنّ الدُّكتور أنيس فريحة يَذْكُر أنّ هذه الأسماء ليس لها مُسَمّيات هي ترتيب حروف الهجاء الآرامية القديمة، بشكل يسهل على الصغار حفظها، فالحروف الآرامية وعددها اثنتان وعشرون قد جُمعت بحسب ترتيبها في كلمات: أبجد هوز حطي كلمن... إلى آخره، وذلك بغية حفظها على هذا الترتيب، لأنها كانت تستخدم أيضًا للأرقام قبل اقتباس الأرقام الهندية المعروفة بالعربية الآن.
ولعل ما ذَكره الإمام الطبري في تاريخه عند حديثه عن الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض من أنّ اسم أحد تلك الأيام الستة أبجد، واسم الآخر هوز، واسم الثالث منهن حطي، واسم الرابع منهن كلمن، واسم الخامس منهن سعفص، واسم السادس منهم قرشت، بدليل صريح على أنّ هذه الأسماء لا علاقة لها بنشأة الخط العربي، وأنها جاءت من قصص شعبي كانَتْ مُنتشرة بين الناس وبصيغ مختلفة.
وهذا الرأي وإن بات غير مقبول عند الباحثين المعاصرين، إلا أنه يدل على أن العرب قد أخذت خطها من الأنحاء الشمالية، واقتطعته من كتابة شعب كان يسكن في مدين، وما يجاورها من الأنحاء الشمالية للبلاد العربية، وهذا الخط العربي الشمالي المنحدر من الأنحاء الشمالية هو الذي نكتب به إلى اليوم، وقد كان معروفًا منذ قرنين أو ثلاثة قرون قبل الإسلام؛ لكن النقوش المعروفة منه في تلك الفترة قليلة على عكس المسند الذي وجد الباحثون مئات النصوص منه.


١.٩ تعريف الكتابة، ونشأتها عند العرب


يقول الدكتور غانم قدوري الحمد: ليس هناك ما ينفي أن تكون الكتابة العربية قد دخلت الحجاز من الأنحاء الشمالية مباشرة، خاصة أن العديد من الكتابات النبطية جاءت من الإقليم الشمالي لبلاد الحجاز، من الحجر "مدائن صالح"، والعلا وتيماء، هذا إضافة إلى الاتصال التجاري المستمر بين أهل الحجاز وبلاد الشام، فارتباط الحجاز بالطرف الجنوبي من بلاد الأنبار وكون الكثير من النقوش النبطية من ذلك الإقليم، والاتصال المستمر كلها عوامل مشجعة لتطوير كتابة العربية في ذلك الإقليم.
ومن خلال ما سبق: يتضح لنا أنّ الكتابة العربية المستعملة اليوم قد اشتقت من الكتابة النبطية، وأنّ الأولى استمرار متطور للثانية، التي انحدرت من الكتابة الآرامية المتطورة عن الكتابة الفينيقية اعتمادًا على أهم النقوش والمكتشفات الأثرية، وهي نقش أم الجمال سنة ٢٥٠، ونقش النمارة سنة ٣٢٨، وهما نبطيان لغة وخطًّا، على أن العرب فضلوا استخدام الحروف النبطية في كتابتهم، وأن العربية فرضت نفسها لغة للكتابة، ثم نقش أسيس سنة ٥٢٨، ونقش حيران سنة ٥٦٨ ميلادية، اللذان لا تختلف كتابتهما كثيرًا عن الكتابة العربية بصورها التي كانت عليها عند ظهور الإسلام.
وجدير بالذكر هنا: أنّ هذه النُّقوش حَملت مَجموعة العناصر التي تألفت منها الكتابة؛ سواءٌ في رسمها أو في إملائها أو اتصال حروفها وانفصالها.


١.٩ تعريف الكتابة، ونشأتها عند العرب


وقد رجح الباحثون أن تكون الكتابة نشأت ونمت بين عهد نقش النمارة ونقش زبد، واعتبروا أن نقش حيران يمثل آخر مراحل الانتقال من الكتابة النبطية إلى الكتابة العربية، وجدير بالبيان هنا: أنّ كون الخط العربي منحدر من القلم النبطي لا ينفي احتمال استخدام العرب للقلم الحميري أو المسند، أشار إلى ذلك الدكتور جواد علي فقال: "وتبين من دراسة النصوص الجاهلية أنّ العرب كانوا يدونون قبل الإسلام بقلم ظهر في اليمن بصورة خاصة، هو القلم الذي أطلق عليه أهل الأخبار القلم المسند أو قلم حمير، وهو قلم يباين القلم الذي نكتب به الآن، ثم تبين أنهم صاروا يكتبون في الميلاد بقلم آخر أسهل وألين في الكتابة من القلم المسند أخذوه من القلم النبطي المتأخر، وذلك قبيل الإسلام على ما يبدو".
وكما تبين أن النبط وعرب العراق وعرب بلاد الشام كانوا يكتبون أمورهم بالآرامية وبالنبطية، وذلك لشيوع هذين القلمين بين الناس.
من خلال ما سبق يتضح لنا أنّ العرب استخدموا قبل الإسلام نوعين من الخط: الخط المسند، والنوع الثاني: الخط العربي الشمالي.