٢.٨ خصائص الكتابة العربية قبل الرسم العثماني


خصائص الكتابة العربية

ويتضمن هذا الأمر الإشارة إلى خصائص الكتابة العربية في العصرين: الجاهلي، والإسلامي، حتى عصر انتساخ المصاحف في خلافة سيدنا عثمان -رضي الله عنه.

أولًا: الوثائق المُتاحة للبحث

ليس في أيدي الباحثين من الوثائق المكتوبة التي تَعود إلى تلك الفترة سوى عدد محدود؛ سواء في ذلك العصر الجاهلي أم عصر صدر الإسلام. ولا شك أن هذا العدد المحدود لا يمثل واقع الكتابة العربية في ذلك الوقت، فقد رأيت كثرة الروايات التي تُشير إلى استخدام الكتابة في العصر الجاهلي، أما بعد ظهور الإسلام فقد توافرت الدواعي لأن تنتشر الكتابة انتشارًا واسعًا.



٢.٨ خصائص الكتابة العربية قبل الرسم العثماني


والروايات تؤكد ممارسة الكتابة على نطاق واسع في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- فَقد كُتب القرآن منذ العهد المكي، كما سيأتي بمشيئة الله تعالى، وثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رَخّص في كتابة الحديث لبعض الصحابة، وكَثرة الكتب التي كتبها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ملوك وأمراء العرب -يَدعوهم إلى الإسلام- تثير الانتباه وتُشير إلى شيوع الكتابة في أرجاء الجزيرة؛ فقد ذكر ابن سعد ما يقرب من مائة وعشرة كتب، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكتب لوفود العرب كتبًا أيضًا، وقد ذكر ابن سعد أكثر من سبعين وفدًا، وذكر الدكتور محمد حميد الله كتابًا ورسالة ترجع إلى العهد النبوي، وكل هذا وهو جزء مما رُوي في أمر الكتابة آنذاك، وجزء يسير مما كانت عليه يشير إلى أن الكتابة أصبحت أمرًا شائعًا.
ومن مظاهر ذلك الشيوع: كثرة من ذُكر أنهم كتبوا للنبي -صلى الله عليه وسلم.
فإذا رُوي أن الإسلام جاء وما في المدينة إلا بضعة عشر يكتبون؛ فإنه لم تمضِ إلا فترة يسيرة حتى كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- كُتّابٌ مُتخصصون ومنقطعون للكتابة له -صلى الله عليه وسلم- بَلغوا أكثر من أربعين كاتبًا، لا بل إنا نجد بعضهم قد تعلم الكتابة السريانية أو العبرانية وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد اتخذ خاتمًا من فضة منقوشًا عليه "محمد رسول الله" كان يختم به الكتب.
ولا شك أنّ اسْتِخدام الكتابة في عهد الخلافة الراشدة اتسع اتساعًا منتظمًا؛ يتناسب وتوسع الدولة الإسلامية الجديدة، وازدياد حاجتها إلى استعمال الكتابة.


٢.٨ خصائص الكتابة العربية قبل الرسم العثماني


ويبدو بعد ذلك أن التعليل لندرة ما وصل إلينا من كتابات، تلك الفَترة لقلة من يحسن الكتابة أمر يحتاج إلى المراجعة والتثبت. وعلينا أن نبحث عن وثائق أسباب أخرى لذلك، لعل آخرها القول بأنّ العرب لم يكونوا يهتمون بحفظ الوثائق والسجلات؛ إذ يروى أن أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- كانت عنده نسخ العهود والمواثيق ملء صندوق، ولكنها احترقت حين احترق الديوان سنة اثنين وثمانين للهجرة، والظّاهر أن الاعتناء بتلك الوثائق قديم جدًّا فكثيرًا ما ذكر الرواة والمؤلفون أنّهم نقلوا كتاب كذا من الأصل المحفوظ عند عائلة من كتب إليه.
ويذكر ابن النديم أنّه رَأى عِند رجل يُقال له: محمد بن الحسين من أهل المدينة الحديثة كان جمّاعة للكتب؛ قنطارًا كبيرًا فيه نحو ثلاث مائة رطل جلود وصكاك وقرطاس وَرِق، وورق، فيها خطوط قديمة في موضوعات شَتّى كان من جملتها خطوط لبعض كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة.
ويَبْدُو أنّ عامل التّلف الذي أصاب تلك الوثائق هو الأهم في تعليل تلك النظرة خاصة، إذا تذكرنا المواد التي كانت تستخدم في الكتابة من: الجلود، وجريد النخل، واللخاف، والعظام، والقراطيس، والرق.
وهناك عامل آخر ساعد على اندثار كثير مما كتب على الصخور، إضافة إلى عامل المناخ وهو: إعادة استخدام قطع الآثار القديمة في بناء جديد منقوشة كانت أو غير منقوشة بطريقة غير منظمة. ولا يَعني ذلك أنّ أمل البَاحِثين قد انقطع في اكتشاف كتابات عربية جديدة تعود إلى الجاهلية أو صدر الإسلام، فلقد تحدث كثير من الباحثين عن نقوش عربية شاهدوها في جبال الحجاز، وأطراف الجزيرة العربية تنتظر من يقوم بدراستها ونشرها.

٢.٨ خصائص الكتابة العربية قبل الرسم العثماني


وسوف يكون الاعتماد في استخلاص خصائص الكتابة النقطية على مجموعة النقوش، التي قامت عليها دراسة الأستاذ خليل يحيى نامي لتطور الكتابة النبطية إلى العربية؛ فإنّها أهَمّ مَجْمُوعة متيسرة في ذلك. وقد درس ثلاثة وعشرين نقشًا نبطيًّا آخرها "نقش النّمّارة" يمتد تاريخها من نهاية القرن الأول قبل الميلاد حتى سنة ٣٢٨ ميلادية، وهو تاريخ نقش النّمارة.
بل إنّ هناك من النقوش العربية التي تعود إلى عهد ما قبل الإسلام، وأوضح تلك النقوش عربية هو: "نقش حيران" تاريخه ٥٦٨ ميلادية. أما "نقش أم الجمال الأول" تاريخه نحو ٢٥٠ ميلادية؛ فإنه كُتب بالنبطية رغم أن صاحبه كان عربيًّا، وهو يشير إلى أن العرب قد أخذوا يستخدمون الكتابة النبطية، بينما نجد "نقش النّمارة" يَحْمِلُ خَصَائِص الكتابتين العربية والنبطية، و"نقش زبد" تاريخه ٥١٢ أقرب إلى العربية، رغم احتفاظه ببعض بقايا من خصائص الكتابة النبطية.
وآخر هذه النقوش هو نقش "أم الجمال الثاني" ورغم أنه يعد أحدث تلك النقوش تاريخًا إذ يعود تاريخه إلى أواخر القرن السادس الميلادي؛ فإن قراءته لا تزال موضع خلاف إضافة إلى أنه ناقص من أحد أطرافه.


٢.٨ خصائص الكتابة العربية قبل الرسم العثماني


الكتابات العربية التي يعود تاريخها إلى القرن الأول الهجري

فقد ذكر الباحثون أن هناك قريبًا من عشرين نصًّا كتابيًّا بين منقوش ومخطوط، لكن المُتيسر منها للدراسة عدد محدود، وأكثرها يرجع إلى النصف الثاني منه، ونحن لن نتجاوز عهد خلافة عثمان -رضي الله عنه- في دراستنا هذه لخصائص الكتابة العربية هنا، ولعل أهم نص كتابي متيسر من تلك الفترة هو نقش القاهرة المؤرخ في سنة ٣١ هجرية، وهو شاهد قبر لرجل يُدعى عبد الرحمن بن خير عثر عليه حسن محمد الهواري سنة ١٩٢٩ في مجموعة من شواهد القبور جُلبت من أقدم المقابر الإسلامية في القاهرة وأسوان، وحفظت في دار الآثار العربية بمصر، ومقاسه ٣٨ × ٧١ سنتيمتر.
ونقش القاهرة هو النقش الوحيد من هذه الفَترة الذي لا يتطرق شك إلى تاريخه ووضوح قراءاته، وقد عثر الدكتور محمد حميد الله على عدة نقوش على قمة الطرف الجنوبي لجبل سلع، قُرب المدينة المنورة، وقدم دراسة عن تلك النقوش في المَقالة التي كتبها، وهي سبعة نقوش بعضها يُقَدّم جُملًا تامّة، وبعضها لا يعدو كونه أسماء تُذكر متتالية على صيغة "أنا فلان ابن فلان" ويتردد اسم أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- في أكثر من نقش منها.


٢.٨ خصائص الكتابة العربية قبل الرسم العثماني


انظر مثلًا هذا النص: "أمسى وأصبح عمر وأبو بكر يتوادعان يتوبان يتضرعان إلى الله من كل ما يكره"، كل هذه الألفاظ موجودة في هذه النقوش، ويرجح الدكتور مُحمد حُميد الله أنّ أكثر هذه النقوش يعود إلى السنة الخامسة من الهجرة وبالتحديد غزوة الخندق.
ومما يُشار إليه هنا أن السيد عبد العزيز الدالي قدم بحثًا لنيل الدكتوراه من كلية الآداب في جامعة القاهرة، عن "البرديات العربية في مصر دراسة لغوية"، وكان اعتماده على المجموعة التي نشرها "جرهومان" والمحفوظة في دار الكتب المصرية، ويمتد تاريخ البرديات التي تناولها بالدراسة من القرن الأول حتى منتصف القرن الرابع الهجري.
ومعظم برديات القرن الأول تعود إلى السنوات العشر الأخيرة منه، وهي من هذه الناحية ليست ذات فائدة هنا، إلّا ما يُمكن ملاحظته من احتفاظ بعض الكلمات في برديات القرن الأول بظواهر كتابية، جاءت في الرسم العثماني، وزالت من الاستخدام مثل: كتابة كلمة "شيء" بألف بين الشين والياء كما في سورة "الكهف".


٢.٨ خصائص الكتابة العربية قبل الرسم العثماني


وإثبات الألف بعد واو الفعل مما عده الباحث خطأ من الكاتب، وهناك بردية يعود تاريخها إلى سنة ٢٢ من الهجرة على الأرجح كُتبت بالعربية واليونانية، وهي وصل باستلام أغنام، وإذا كان هذا التاريخ صحيحًا، ذلكَ أنّ بعد كلمة اثنتين وعشرين في البردية كلمة أو كلمتين قد أصابهما الطمس، فإنّ هذه البردية تُعد وثيقة خطيرة في تاريخ تطور الخط والكتابة العربية. ومما يؤسف له أننا لم نجد عنها دراسة وافية ولا صورة واضحة.
وأيضًا تجبُ الإشارة هنا إلى الكتب التي أرسلها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الملوك بعد عودته من الحُديبية؛ فقد أرسل إلى كل من قيصر الروم هرقل، وكسرى ملك الفرس، والنجاشي ملك الحبشة، والمقوقس ملك الإسكندرية، والمُنذر العبدي ملك البحرين. وغيرهم كتبًا يدعوهم فيها إلى الإسلام، وبأيدي الدارسين الآن ما يظن أنه أصول لأربعة من تلك الكتب:
كتاب النبي إلى المقوقس، وقد نُشر لأول مرة سنة ١٨٥٤ ميلادية، ويُقال: إنه محفوظ في أحد متاحف "اسطنبول".
والثاني: الكتاب المرسل إلى المنذر بن ساوي، وكان قد نُشر لأول مرة سنة ١٨٦٣ ويُقال: إنه محفوظ في أحد متاحف فينا.
والثالِثُ: الكِتاب المُرسل إلى نجاشي الحبشة، وقد نشر سنة ١٩٤٠.
وأخيرًا الكتاب المرسل إلى هرقل عظيم الروم حيث نشر حديثًا.

٢.٨ خصائص الكتابة العربية قبل الرسم العثماني


وكان الدكتور محمد حميد الله قد قام بدراسة رسالتي المقوقس والمنذر في مقاله المشار إليه سابقًا، وقد تحدث مفصلًا اعتراضات بعض المستشرقين على صحة هذه الرسائل وأصالتها وفندها جميعًا، وانتهى إلى أن هذه الاعتراضات لا تثبت أمام البحث العلمي الدقيق، ومع ذلك فهو في بحثه يتوقف توقف العالم المتثبت، فلا يقطع بصحة هذه الأصول بل يكتفي برد تلك الشبهات التي حامت حول صحتها، ثم يدعها تنتظر نفيًا أو إثباتًا جديدين.
وإذا كان ذلك الكتابان قد حظيا بهذه الدراسة؛ فإن الكتابين الآخرين أقل حظًّا في ذلك، ولا تزالُ هذه الرسائل في انتظار دراسة شاملة مشبوعة بخبرة ومعرفة واسعة بنوعية الخطوط في تلك الفترة، إضافة إلى إخضاع الأصول الحقيقية -لا الصور- إلى الاختبار المَعْمَلي وهي إمكانيات يعجز هذا البحث عن تحقيق شيء منها.
لكننا يُمكن أن نُشير هنا إشارة عامة إلى جانب من خصائص كتابة تلك الرسائل، وهو طريقة كتابة الفتحة الطويلة -أي: الألف- وسط الكلمات فيها، فبينما نجد الألف مثبتة بطريقة واضحة في كلمة "الكتاب" في رسالة المقوقس وفي كلمتي "ساوي، وأقاما" في رسالة المنذر نجد أنها مثبتة بطريقة غريبة في كلمة "سلام"، في كلتا الرسالتين، إذ إنها تبدو وكأنها كتبت "سلم" دونَ ألف ثُمّ أُضيفت الألف بين اللام والميم مع بقاء ارتباط الحَرْفَين.


٢.٨ خصائص الكتابة العربية قبل الرسم العثماني


أما رسالة هرقل التي نُشرت صورتها حديثًا فإنها تتضمن ملامح أكثر تقدمًا في رسم الألف؛ إذ إن الألف مثبتة بصورة اعتيادية في كل الكلمات التي وردت فيها الألف متوسطة، ككلمة "سلام، الإسلام، يا، تعالوا، أربابًا" وهي ظاهرة تثير الانتباه، كذلك الحال في رسالة النجاشي؛ فكل الكلمات التي فيها ألف متوسطة جاءت مثبتة فيها كلمة "سلام" مثلًا أو "الإسلام"، "ألقاها"، "الموالاة"، "طاعته".
ونُلاحِظ في هذه الرسالة أيضًا: حذف همزة الوصل من كلمة "ابن" من قوله: "عيسى بن مريم"، وتجبُ الإشارة إلى أن بعض الكلمات في هذه الرسائل مطموسة أو مشوهة بحيث لا تمكن قراءتها.
ويَهُمّنا الحديث عن نوع الخَطّ الذي رُقّمت به النقوش والكتابات السابقة للرسم العثماني، وهل كان يغلب عليها التكوير والليونة أو اليبوسة والجفاف؟ أي: هل كان يغلب عليه ما يسمى بالكوفي أو النسخ أو هو مزيج منهما؟ مع أهمية ذلك في مجال الدراسة الفنية للخط العربي وتاريخ تطوره، التي هي ليست موضوع البحث الآن، بقدر ما يهمنا الحديث عن علاقة الرموز الكتابية بما تمثله من أصوات اللغة، ومدى وفائها في ذلك وطريقة تتابع تلك الرموز داخل الكلمات وارتباطها بها.


٢.٨ خصائص الكتابة العربية قبل الرسم العثماني


ويُقسم العلماء الأصوات اللغوية عامة إلى قسمين رئيسيين؛ يُسمى الأول منهما: بالأصوات الصامتة، والثاني بالحركات. ويَقُوم هذا التقسيم على عدة أسس أهمها: الأساس العُضوي، فالصوت الذي يَحْدُث في تكوينه أن يندفع الهواء في مجرى مُستمر خلال الحلق والفم دون أن يكون ثمة عائق يعترض مجرى الهواء اعتراضًا تامًّا، أو تضييق لمجرى الهواء من شأنه أن يحدث احتكاكًا مسموعًا مع اهتزاز الأوتار الصوتية يسمى حركة، وهي صوت مجهور دائمًا. وأي صوت لا يصدق عليه هذا التعريف يُعد صوتًا صامتًا، ويكون إما مجهورًا أو مهموسًا.
وإلى جانب هذا يقوم ذلك التقسيم على أساس الوضوح السمعي؛ إذ إن أهم خاصة من خصائص الحركات هي قوة وضوحها في السمع، ويقومُ على أساس الوظيفة أيضًا، وهو ما يبدو جليًّا في وظائف الأصوات الصامتة والحركات في اللغات السامية التي يرتبط المعنى الرئيسي للكلمة فيها بالأصوات الصامتة.
أما الحَركات؛ فهي لا تُعَبّر في الكلمة إلّا عن تحْوير هذا المعنى وتعديله، ولا يُعنينا هنا استقصاء المباحث الصوتية واللغوية إلّا بالقدر الذي يوضح لنا خصائص الكتابة، ومدى وفائها في تمثيل أصوات اللغة، وقد كان نظام الكتابة الفينيقية يتكون من اثنين وعشرين رمزًا تكتب منفصلة، وكانت هذه الرموز تشير إلى الأصوات الصامتة حسب دون الإشارة إلى أي صوت حركي قصير أو طويل.


٢.٨ خصائص الكتابة العربية قبل الرسم العثماني


واستخدمت الكتابة الفينيقية لتمثيل اللغة الآرامية، وبمرور الزمن ظهرت الحاجة إلى تمثيل الحركات، وتمكن نساخ الآرامية في القرن التاسع أو الثامن قبل الميلاد من استخدام رمزي الواو والياء الصامتتين أو أنصاف الحركات؛ لتمثيل الضمة الطويلة والكسرة الطويلة على التوالي.
وتطورت الكتابة الآرامية خلال عدة قرون دون أن تخطو خطوة في سبيل تمثيل الحركات الأخرى، وعندما استخدم النبط الكتابة الآرامية ورِثوا ذلك النظام الصامت مع الإشارة إلى الحركتين الطويلتين "الضمة، والكسرة" بواسطة رمزي الواو والياء الصامتتين.
والنقوش النبطية من أقدمها المؤرخ قبل الميلاد إلى أحدثها وهو "نقش النمارة" يُشير إلى هذه الظاهرة، ففي نقش مؤرخ في سنة تسعة قبل الميلاد وردت الكلمات الآتية: "أبو هي أبوها، بيره بمعنى شهر، ألول أيلول، مقيمو مقيم".
وفي نقش مؤرخ لسنة ستة وسبعين ميلادية وردت "يتقبرون سيرون سيروان اسم شهر"، وكلمة "أربعين" في نقش مؤرخ بسنة ١٥٠ ميلادية وردت كلمة "يعلى" في نَقْشٍ مُؤرخ بسنة ٢١٠ "وبنوتو بيرح تموس" في نقش مؤرخ بسنة ٢٦٧ ميلادية "وجزيمة تنوخ" في نقش مؤرخ بسنة ٢٧٠ وهو نقش أم الجمال الأول.
ونجد في "نقش النمارة" سنة ٣٢٨ ميلادية الكلمات التالية: "مُلكهم، مدينة، بنيه، الشعوب، روم"، وهذه الكلمات كلها تشير إلى استخدام رمزي الواو والياء الصامتتين للدلالة على الضمة والكسرة الطويلتين إنْ صَحّت قراءة تلك الكلمات على الوجه المتمثل به.


٢.٨ خصائص الكتابة العربية قبل الرسم العثماني


كذلك نجد الشيء نفسه في النقوش العربية، ففي "نقش حيران" سنة ٥٦٨ ميلادية نجد "شرحيل، شراحيل، والمرطول" وفي "نقش القاهرة" سنة ٣١ هجرية "الرحيم، آمين، ثلاثين"، وهذا الأمر في الكتابة العربية لا يحتاج إلى مزيد أمثلة. وهكذا ورثت الكتابة العربية ما ورثته الكتابة النبطية عن الآرامية من الإشارة إلى الضمة والكسرة الطويلة برمزي الواو والياء الصامتتين، أما رمز الفتحة الطويلة؛ فإن الكتابة الآرامية لم توفق في الإشارة إليه كما أشارت إليه الضمة والكسرة الطويلتين، لكن الكتابة النبطية يبدو أنها استطاعت أن تستخدم رمز الألف أول حرف الأبجدية الهمزة الصوت الصامت، للدلالة على الفتحة الطويلة في آخر الكلمات دون وسطها.
لكن بعض الباحثين ينسب هذا التطور الأخير إلى الكتابة العربية، فمن الكلمات النبطية التي لم يشر فيها إلى الألف "بناهو، حرثت، حارثة، ملوك، مالك، سل، سلام"، وفي نقش النّمارة: "التج التاج، نذر نذار، نجرًا نجران، فرس فارس"، وفي نقش حران: "شرحيل شراحيل، ظلموا ظالم، بعم بعام". وفي "نقش القاهرة": "الرحمن"، الرحمن كتبت بالألف بعد الميم، "هذا" هذا كتبت ألف بعد الهاء، "اللهم" كُتبت ألف لام لام ألف هاء ميم، "الكتب الكتاب، جمدي جمادى، ثلاثين ثلاثين بزيادة الألفان.
وبذلك استطاعت الكتابة العربية قبل الرسم العثماني أن تتبنى نظامًا منطقيًّا؛ لتمثيل الحركات الطويلة الثلاث باستخدام رموز الصوامت الثلاث "الألف الهمزة، والواو والياء"، لكن بينما استقر نظام الإشارة إلى الضمة والكسرة الطويلتين نجد أنّ الإشارة إلى الفتحة الطويلة كانت لا تزال غير كاملة.