١.٨ الرسم القرآني ضابط من ضوابط القراءة الصحيحة


الرسم القرآني ضابط من ضوابط القراءة الصحيحة

وفي شرح ضابط موافقة الرسم هو المعني بهذا العنصر يقول الإمام ابن الجزري: ونعني بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتًا في بعضها دون بعض، فقراءة ابن عامر: ((وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)) [البقرة: ١١٦] بغير واو، وأيضًا: ((بِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِير)) [فاطر: ٢٥] بزيادة الباء في الاسمين، ونحو ذلك، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي.
وكقراءة ابن كثير: "جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار" في الموضع الأخير من سورة "براءة" بزيادة "من" فإنّ ذلك ثابت في المصحف المكي، إلى غير ذلك من مواضع كثيرة في القرآن الكريم، اختلفت المصاحف فيها؛ فوردت القراءة عن أئمة تلك الأمصار على مُوافقة مصاحفهم؛ فلو لم يكن ذلك كذلك في شيء من المصاحف العثمانية لكانت القراءة بذلك شاذة لمخالفتها الرسم المجمع عليه.
واشتراط ابن الجزري موافقة أحد المصاحف العثمانية الأئمة؛ مبني على كون عثمان -رضي الله عنه- حين كَتب المصاحف، وبَعَثَ بها إلى الأمصار لم يجعلها مطابقة تمامًا؛ فهي وإن اتحدت من جهة خلوها من النقط والشكل فقد اختلفت من ناحية الحذف والإثبات.
وليس ها هنا توجِيهُ هَذا الاختلاف، ويأتي فيما بعد. ولذلك تحظى القراءة بالصحة، وهي أن تُوافِقَ مَجموع تلك المصاحف لا جميعها، ما دام أنّ الأمر لم يخرج عن جمع سيدنا عثمان الذي أجمع الصحابة عليه.


١.٨ الرسم القرآني ضابط من ضوابط القراءة الصحيحة


ثم شرع -رحمه الله تعالى أي: الإمام بن الجزري- يُبين مسألة موافقة الرّسم التّحْقِيقي والتّقديري وكيفية احتمال المصاحف العثمانية للاختلافات المتعددة في القراءات، فقال: "وقولنا بعد ذلك ولو احتمالًا نعني به ما يوافق الرسم ولو تقديرًا؛ إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقيًّا وهو الموافقة الصريحة، وقد تكون تقديريًّا وهو الموافقة احتمالًا، وقد توافق بَعضُ القِراءات الرسم تحقيقًا ويُوافقه بَعْضُها تقديرًا نحو قول الله تعالى: ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّين)) [الفاتحة: ٤] فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف،
فقراءة الحذف تحتمله تحقيقًا "مَلِكِ يَوْمِ الدِّين" كما كتبت ((مَلِكِ النَّاس)) [الناس: ٢]. وقراءة الألف محتملة تقديرًا كما كتب: ((مَالِكَ الْمُلْك)) [آل عمران: ٢٦].
وقد توافق اختلافات القراءات الرّسم تحقيقًا نحو: ((يَغْفِرْ لَكُمْ))، و ((يَعْمَلُون))، و ((هَيْتَ لَك)) ونحو ذلك؛ مما يدل تجَرّده عن النقط والشّكل وحَذْفُه وإثْبَاتُه على فضل عظيم للصحابة -رضوان الله عليهم.
ويُلاحَظ أنّ هَذه المُوافَقة لا تَخْرُج عن أن تكون صريحة أن بناء الكلمة وهيكلها وشكلها التركيبي واحد في جميع تلك القراءات، ولا يختلف الرّسم عن الكلمة إلا في الهيكلة الإعرابية مما هو من عوارض الكلمة، وذلك ناجم عن طبيعة الرسم العثماني، ومراد سيدنا عثمان منه.


١.٨ الرسم القرآني ضابط من ضوابط القراءة الصحيحة


ولهذا الأمْر رأينَا كيفَ أنّ ابن الجزري قد أدخل الوفاق التقديري في الاحتمال، وجعل الاحتمال داخلًا في نطاق الوفاق التحقيقي، وبذلك تكون القسمة عنده ثنائية؛ وذلك ما نص عليه الإمام النويري بقوله: "وكان للرَّسم احتمالًا يحتمل أن يكون جعله مقابلًا للتحقيق؛ فتكون القِسْمَة عنده ثنائية، وهو التحقيقي الاحتمالي. ويكون قد أدخل التقديري في الاحتمالي وهو الذي فعله في نشره، ويحتمل أن يكون قد ثلث القسمة، ويكون حكم الأولين -أي: التحقيقي والاحتمالي- بالمعنى الذي قسمت به أنواع الموافقة ثابتًا بالأولوية".
وقد بين الإمام الجعبري كيفية موافقة الرسم القرآني لاختلاف القراءات؛ على نحو أكثر عمقًا وتَفَهّمًا واستيعابًا؛ حيثُ قال: "وهذه الموافقة تكون تحقيقًا وتقديرًا؛ لأنّ الاختلاف يكون اختلاف تغاير، وهو في حكم الموافق، أي: لا يلزم من صحة أحدهما بطلان الآخر، ولا يكون اختلاف تضاد أو تناقض؛ أي: يَلْزَمُ مِن صِحّة أحدهما بطلان الآخر.
والواقع هو الأول اختلاف التغاير، وتحقيقه: أنّ الخط تارة يحصل جهة اللفظ فمخالفه مناقض، وتارة لا يحصلها بل يُرسم على أحد التقادير، فاللفظ به موافق تحقيقًا ومغايره موافق تقديرًا؛ لتعدد الجهة والبدل في حكم المبدل، وما زيد في حكم العدم، وما حذف في حكم الثابت، وما وصل في حكم الفصل، وما فصل في حكم الوصل.


١.٨ الرسم القرآني ضابط من ضوابط القراءة الصحيحة


وحاصله أن الحرف يُبدل في الرّسم ويُلفظ به اتفاقًا كقوله: اصطبر. ويرسم ولا يلفظ كما في قوله: "الصلوة" ويرسم ويختلف في اللفظ به كـ"الغُدوة" و"الغِدوة". ويزاد ويلفظ به اتفاقًا كما في قوله: ((حِسَابِيَهْ)) ويزاد ولا يلفظ به كما في قوله: ((أُوْلَئِك)) و ((مِائَة))، ويُزاد ويختلف في النطق به كما في قوله: ((سُلْطَانِيَهْ)).
ويُحذف كذلك نحو: "بسم الله"، وكذا "الرحمن"، ويُوصل ويتبعه اللفظ حتمًا كما في قوله: ((مَنَاسِكَكُم)) و ((عَلَيْكُم)) ويخالفه نحو: ((كهيعص))، و ((يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ))، ويختلف فيه نحو: و ((وَكَأَيِّنْ))، ويوصل ويوافق نحو: ((حم * عسق))، ولا يوافق كـ ((إِسْرَائِيل)).
وبهذا البيان التّام والتفسير الظاهر ينضم مفهوم هذا الضابط، ويَهون اعتراض المُعترض حين قال لا أفهم معناه، فمِنْ أين يحصل العلم بموافقة مِثل هذه القراءات المختلفة في أحد المصاحف العثمانية، وخصوصًا أنّ هذه الأخيرة كانت هيئتها الإعرابية النقط والشكل متحدة، فكيف نُمَيّز بين ما وافقها، وما كان منها على النقيض، وذلك أنّ الموافقة المَشروطة كما هي في الحذف والإثبات، وما شاكل ذلك، أما ما يتعلق باتحاد الشكل في الكلمات في الرسم القرآني؛ فقد عادت كل قراءة يحتملها رسم المُصحف من اختلاف النّقط مقبولة، ويَحْصُل العِلْمُ بذلك مع الشرطين المذكورين، وهما: "صِحّةُ السَّند، وموافقة العربية".


١.٨ الرسم القرآني ضابط من ضوابط القراءة الصحيحة


والأمر كما قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "وهم إذا اتفقوا على اتباع القرآن المكتوب في المصحف الإمام، وقد قرأ بعضهم بالياء وبعضه بالتاء، لم يكن واحد منهم خارجًا عن المصحف".
وبذلك التفصيل الذي أسلفته في بيان هذا الضابط، أمكن دخول كثير من القراءات في المصحف العثماني، وهي من القراءات التي أراد عثمان والصحابة إثبات مَشْرُوعِيّة التعبد بها، ويكون هذا الضابط إنّما أريد به إلغاء ما يرجع إلى زيادة الكلم ونقصانها من القراءات التي لم تحظَ بإجماع الصحابة؛ مثل قراءة ابن مسعود، وقراءة أبي بن كعب -رضي الله عنهما. على أن اتساع هذا الضابط بقبول أقصى عدد ممكن من القراءات وإن كان تَحَمّله لها يمكن تبيينه وملامسة آثارِه في قول ابن الجزري، على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم، أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك، لا يعد مُخالفًا إذا ثبتت القراءة به ووردت مشهورة مستفاضة.


١.٨ الرسم القرآني ضابط من ضوابط القراءة الصحيحة


الضوابط التي وضعها علماء القراءات في تمييز ما ثبت من القراءة وما لم يثبت

من المعلوم أن علماء القراءات وضعوا ضابطًا دقيقًا لقبول القراءات، وتمييز ما ثَبت به القرآني مما لم تثبت به، وذلك بعد تفرق القراء في الأمصار، وكثرة الرواة؛ وشيوع أوجه لا تكاد تُحصى؛ فَكان الاتّفاق على ضابط تغربل به هذه القراءات أمرًا لازمًا. وقد مَرّ هذا الضابط بمراحل وحصل حوله بعض خلاف عبر أطوار التاريخ؛ حتى استقر الأمر أخيرًا على أركان ثلاثة، اتُّفق على اثنين منها واختلف في الثالث، وهي:
أولًا: موافقة رسم أحد المصاحف العثمانية.
ثانيًا: موافقة اللغة العربية.
ثالثًا: النقل الموثوق عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا هو الذي اختلف فيه؛ فمنهم من اشترط في ذلك التواتر من أول السند إلى منتهاه، وهم الجمهور، ومنهم من اكتفى بصحة السند مع الاستفاضة والشهرة، وهو ابن الجزري ومن حذا حذوه.

١.٨ الرسم القرآني ضابط من ضوابط القراءة الصحيحة


وقد عَبّر الإمام ابن الجزري عن هذه الأركان بقوله:
فَكُلُّ ما وافق وَجْهَ نحوِ
وكان للرسم احتمالًا يحوِي
وصحَّ إسنادًا هو القرآنُ
وبقوله: "كل قراءة وافقت العربية، ولو بِوَجْهٍ فوافقت أحد المَصَاحف العُثمانية ولو احتمالًا وصح سَنَدُها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز رَدّها، ولا يَحِلُّ إنْكَارَها؛ بَلْ هي من الأحرف السبعة التي نَزَل بها القرآن الكريم، ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف ومن الخلف".
أقول: وعبارته: "وافقت أحد المصاحف العثمانية" أدَقّ وأصوب من عبارة غيره: "وافقت رسم مصحف الإمام"، وعبارته: "سواء أكانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشر، أم عن غيرهم" فيها تقرير للأصل، أما بعد عصره؛ فلم يبق في واقع الناس قراءة ينطبق عليها هذا الضابط خارج القراءات العشر.

١.٨ الرسم القرآني ضابط من ضوابط القراءة الصحيحة


والرُّكن الذي نُرِيدُ أنْ نُبَيّنه، هو موافقة رسم أحد المصاحف العثمانية:
وهذا أمر أجمع عليه سلف الأمة وخلفها، ولم يخالف فيه إلا شواذ لا ينخرم الإجماع بمخالفتهم، وبه حفظ الله تعالى هذه الأمة من الفُرقة والاختلاف وهداهم بحسن توفيقه لسيدنا عثمان، ومن معه إلى سواء السبيل حين اختاروا كَتْب المصحف الإمام بما يوافق العرضة الأخيرة، وبرسم يحتمل ما أراده الله أن يبقى من أحرفه وقراءاته، وأحرقوا ما عدا ذلك من مصاحف خاصة قد تكون سببًا لما فيها من اختلاف؛ لرجوع التنازع والشقاق في القرآن الكريم؛ فتهلك الأمة كما هلك من قبلها باختلافهم فيما أنزل الله تعالى إليهم، والحمد لله الذي عصم هذه الأمة مما ابتُلي به غيرُها من الأمم السالفة.
والمتأمل في هذا الشرط وهو: مُوافقة رسم أحد المصاحف العُثمانية يُدْرِكُ أنّه ضَمانة أُحِيطَتْ بها القِرَاءة المَرْوية لتَسْلَم من الشذوذ الحاصل من مخالفة ما أجمع عليه الصحابة الكرام ومن بعدهم.
فالقارئ بما خالف المصحف، ولو صح نقله إليه عن طريق الثقات آخذ بالآحاد مخالف للإجماع، وصنيعه كصنيع المُصِرّ على العمل بالحديث الشاذ، الذي يرويه ثقة مخالفًا لما هو أوثق منه بمزيد ضبط أو كثرة عدد؛ مُعْرِضًا عن المحفوظ، ولا رَيْبَ أنّ هَذَا مُخالف للجادّة المُستقيمة وسالك غير سبيل المؤمنين، فكذلك حال من شبه به.


١.٨ الرسم القرآني ضابط من ضوابط القراءة الصحيحة


ويدخل تحت هذا الشرط بعض التفصيل وهو:

مخالفة بعض القراءات لرسم بعض المصاحف العثمانية مع موافقة بعضها الآخر لا تعد هدمًا لهذا الركن، لماذا؛ لأن الشرط هو موافقة أحد هذه المصاحف لا كُلّها، كما سبق بيانه، ومن أمثلة ذلك قراءة ابن عامر ((قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)) دون واو قبل "قالوا" قراءة مقبولة لموافقتها المصحف الشامي.