... ٢.٣ حكمُ الِالْتِزَامِ بِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، واشتمالُ المصاحفِ العُثْمَانِيَّةِ


اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي حُكْمِ الِالْتِزَامِ بِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ

اخْتَلَفَتْ آرَاءُ الْعُلَمَاءِ في ذلك على ثلاثةِ أقوالٍ، أَذْكُرُها لك فيما يلي:

أنه يَجِبُ التزامُ الرسمِ العثمانيّ في كتابة المصاحف، وإلى هذا القول ذَهَبَ جمهورُ العلماء من السّلَف والخَلَف.

وبناءً على ما تقدم يجب على كاتب المصحف وناشره أن يتحرّى كتابته على قواعد الرسم العثماني، ولا يخلّ بشيء منها بزيادةٍ أو نقصٍ، أو إثباتٍ أو حذفٍ، أو فصلٍ أو وصلٍ؛ صيانةً للقرآن الكريم من عبث العابثين، وأيضًا اقتداءً بالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وأعلام الإسلام في سائر الأعصار والأمصار، لا فرق في ذلك بين المصاحف الكاملة والصُّحُف الصغيرة الأجزاء التي يتعلم فيها الصِّغار ومن في حكمهم من الكبار؛ ليتمرنوا على قواعد هذا الرسم المبارك منذ نُعُومة أظافرهم.
وعلى معلِّمي القرآن الكريم حيثما كانوا ألا يدّخروا وسعًا في تعليم أبنائهم تلك القواعد في الصِّغَرِ؛ حتى يشبوا وقد وقفوا عليها، وأحاطوا بها خبرًا، وأصبحت القراءة في المصحف سَجِيّة لهم وميسورة عليهم.

... ٢.٣ حكمُ الِالْتِزَامِ بِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، واشتمالُ المصاحفِ العُثْمَانِيَّةِ


الرَّأْيُ الْمُخْتَارُ

بعد أن انتهينا وبينّا الأقوال الثلاثة السابقة نذكر الرأي المختار، فنقول -وبالله التوفيق-:
فالذي نرجّحُه ونَميل إليه هو القول الأول؛ وذلك لأمور:

أن ما أورد أصحاب هذا القول من نصوصِ علماء الإسلام ظاهرٌ في وجوب التزام الرسم العثمانيّ في كتابة المصحف:
من ذلك ما رَوَاهُ الإمام السّخَاوِيُّ: أن مالك بنَ أنس -إمام دار الهجرة- سُئِلَ: أرأيتَ من استكتب مصحفًا، أرأيت أن يكتب على ما استحدثه الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك؛ ولكنْ يُكْتَبُ على الكَتْبَة الأولى.
وقال أبو عمرو الداني: لا مخالف لمالكٍ من علماء الأمة.
وقال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: تَحْرُمُ مخالفةُ خطِّ مصحف عثمانَ في الواو أو الياء أو الألف، أو غير ذلك.
ونَقَلَ الإمام الْجَعْبَرِيُّ وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتّباع رسم المصحف العثماني.



... ٢.٣ حكمُ الِالْتِزَامِ بِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، واشتمالُ المصاحفِ العُثْمَانِيَّةِ


فَوَائِدُ الرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ

ننتقل الآن إلى فوائد الرسم العثماني، لاتِّباع رسم المصحف العثمانيّ فوائدُ، منها:

اتصال السند بالقرآن الكريم، فالذي يعلم العربية والهجاء، ولكنه لا يتلقى عن غيره كيفية القراءة والأداء، قد يقرؤها على غير وجهها الصحيح؛ إذ النطق بها صحيحةً يتوقف على التلقي والسماع من قُرّاء القرآن الكريم وحُفّاظه المشتغلين به.


... ٢.٣ حكمُ الِالْتِزَامِ بِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، واشتمالُ المصاحفِ العُثْمَانِيَّةِ


اشتمال المصاحف العثمانية على الأحرف السبعة

اختلفت آراء العلماء حول اشتمال المصاحف العثمانية على الأحرف السبعة، وذلك على ثلاثة أقوال:

يرى أصحابه أن المصاحف العثمانية كُتِبَتْ على حرفٍ واحدٍ فقط، وهو الحرف الموافق للعرضة الأخيرة دون غيرها، وإلى هذا القول ذهب شيخ المفسرين الإمام الطبري، وتلميذه أبو طاهر عبد الواحد بن أبي هاشم، وكذا الإمام الطحاوي، والقاضي أحمد بن عمر الحموي.


... ٢.٣ حكمُ الِالْتِزَامِ بِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، واشتمالُ المصاحفِ العُثْمَانِيَّةِ


وجنح إلى هذا المذهب أيضًا مكي بن أبي طالب قائلًا: فالمصحف كُتِبَ على حرفٍ واحدٍ خطه محتمل لأكثر من حرف، إذ لم يكن منقوطًا ولا مضبوطًا، فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة الأحرف الباقية.
واستدل أصحاب أصحاب هذا القول على أن الباقي من الأحرف السبعة ما يحتمله رسم المصحف العثماني مما ثبت في العرضة الأخيرة دون ما لا يحتمله، بما يلي:

أن سيدنا عثمان -رضي الله تعالى عنه- لم يرد أنه أمر لجنة الرسم والكتابة بإلغاء ستة أحرف وإبقاء حرف واحد، وإنما الوارد عنه -رضي الله تعالى عنه- أنه أمرهم برسم للمصحف يحتمل أكثر من قراءة، بمعنى أن يكون الكلمات التي اشتملت على أكثر من قراءة تُجِعل خالية من أي علامات ضابطة تحدد طريقةً واحدةً للنطق بها؛ لتكون محتملة لما اشتملت عليه من القراءات وتُكتب برسم واحد في جميع المصاحف، مثل قول الله تعالى: ((فَتَبَيَّنُوا)) التي رويت أيضًا "فتثبتوا".


... ٢.٣ حكمُ الِالْتِزَامِ بِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، واشتمالُ المصاحفِ العُثْمَانِيَّةِ


مظاهر اختلاف اللهجات

ومعلوم لدينا أن مظاهر اختلاف اللهجات عشرة:
أولها: الإبدال.
الثاني: التصحيح والإعلال.
الثالث: الاختلاف في الإعراب.
الرابع: الترديد بين الإعراب والبناء.
الخامس: الزيادة والنقصان.
السادس: الفك والإدغام.
السابع: هيئة النطق، وهي تشمل: الإمالة والتفخيم والترقيق، والإخفاء والإظهار.
الثامن: تقديم بعض حروف الكلمة على بعض، وهو القلب المكاني.

... ٢.٣ حكمُ الِالْتِزَامِ بِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، واشتمالُ المصاحفِ العُثْمَانِيَّةِ


التاسع: دلالة اللفظ على معنيين فأكثر، وهو المشترك والمتضاد، وهذا لا يدخل في رسم المصحف إذ هو متعلق بالمعنى لا بالخط.
العاشر: دلالة عدة ألفاظ من لغات على معنى واحد وهو المترادف.

وحتى أُقفك -أخي الدارس- على الحقيقة التي تدل دلالة حسية على أن المصاحف العثمانية تشتمل على الأحرف السبعة. سأذكر لك فيما يلي أمثلة توضح مظاهر اختلاف اللهجات الماثلة في الرسم العثماني:

مثال الإبدال: كلمة: ((أُقِّتَتْ)) في قول الله تعالى: ((وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ)) [المرسلات: ١١] بالهمز بدلًا من الواو، وقريش لا تهمز.


... ٢.٣ حكمُ الِالْتِزَامِ بِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، واشتمالُ المصاحفِ العُثْمَانِيَّةِ


العلاقة بين الرسم الإملائي ورسم المصحف الشريف

تعريف الرسم: الرسم الإملائي هو تصوير اللفظ بحروف هجائه بتقدير الابتداء به والوقف عليه.
وموضوع هذا الرسم ينحصر في أربعة أمور هي:
الأمر الأول: الحروف التي تُبِدَل.
الأمر الثاني: الحروف التي تُحِذَف.
الأمر الثالث: الحروف التي تُزاد.
الأمر الرابع: الكلمات التي تُوصل والتي تُفِصَل.
أما واضعه واستمداده: فإن علماء اللغة والنحو من البصريين والكوفيين هم الذين وضعوا قواعده مستمدين ذلك من المصحف العثماني، ومن علمي النحو والصرف.


... ٢.٣ حكمُ الِالْتِزَامِ بِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، واشتمالُ المصاحفِ العُثْمَانِيَّةِ


أصول هذا الرسم

الأول منها: تعيين نفس حروف الهجاء دون أعراضها.
الثاني: عدم النقصان منها.
الثالث: عدم الزيادة عليها.
الرابع: فصل اللفظ مما قبله مع مراعاة الملفوظ به في الابتداء.
الرابع: فصل اللفظ مما قبله مع مراعاة الملفوظ به في الابتداء.
وقد اتبع هذا كله وروعي في الرسمين العثماني والإملائي.
وبإمعان النظر في تعريف الرسم الإملائي وموضوعه واستمداده، فقد أدركنا أنه منقول من رسم المصحف ومتأثر به، ومع ذلك فإن كلًّا من الرسمين قد خالف قواعد نفسه أحيانًا، وذلك لفوائد وحكم.
فالرسم العثماني قد خالف قواعد نفسه لفوائد وحكم وأسرار، وكذلك خالف الرسم الإملائي قواعد نفسه أحيانًا لفوائد، وعليه فالعلاقة بين الرسمين -أي: رسم المصحف والرسم الإملائي- علاقة وثيقة، وفيما يلي نوضح ذلك تفصيلًا، فنقول:


... ٢.٣ حكمُ الِالْتِزَامِ بِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، واشتمالُ المصاحفِ العُثْمَانِيَّةِ


إن علم الإملاء قد اقتُبس من رسم المصحف، وإنه أيضًا خالف أصول نفسه أحيانًا لفائدة، ففي كُتُبِ علم الإملاء تجد أن كلمة "أقوانوس" رُسِمَت بزيادة واوين بعد الهمزة والنون دلالة على الضم، والأصل عدم التعرض في الرسم للأعراض، وقد أصبح لها عِلم آخر وهو المسمى بعِلم الضبط، وزيادة واوين في "الأقيانوس" منصوص عليها في (المطالع النصرية) وإن كان المعجم الوجيز لم يُزدها وقال: إن الأقيانوس هو البحر المحيط بالقارات، وزاد بعضهم واوًا في "أُخَي" للدلالة على كيفية نطقه وأنه مصغر فرقًا بينه وبين "أَخِي" بغير تصغير. وذلك كله يذكرنا بزيادة الواو في المصحف الشريف في لفظ: ((سَأُوْرِيكُمْ)) بعد الهمزة ووظيفة الواو في ذلك هي وظيفة الضمة، كما رسمت كلمات بزيادة، ولا يجوز النطق بأي زائد في الرسمين كالواو في "أولئك"، و"عمرو"، لا ليكون دورها دور الضمة، بل فرقًا بين أولئك وإليك، وبين عمرو وعمر، ورُسِمَت كلمات بالحذف مع وجوب الإثبات في النطق عكس ما سبق، كحذف ألف بسم في "بسم الله" وألف لفظ الجلالة، وألف "الرَّحْمَنِ" وألف "أُوْلَئِكَ" كما في علم الإملاء.
وفصل اللفظ عمّا قبله مع مراعاة ما يُلفظ به عند الابتداء خولف أيضًا في كتابة "ابن" بدون ألف، ففي بعض الأحوال يبدأ بها بألف ولا بد، ولم يراعَ ذلك إذ حذفت إملائيًّا، ويُذكرنا هذا بلفظ: ((الأَيْكَةِ)) فقد رُسِمَ في المصحف بدون ألف الوصل في أوله مع وجوب الإتيان به في الابتداء بالكلمة.
وفصل اللفظ عمّا بعده مع مراعاة ما يُلفظ به في الوقف عليه خولف أيضًا، فلم يراع الوقف ولا غيره في نحو قوله تعالى: ((لَدَى الْحَنَاجِرِ)) [غافر: ١٨] فألف ((لَدَى)) محذوف في الوصل لالتقاء الساكنين ثابتة في الوقف،


... ٢.٣ حكمُ الِالْتِزَامِ بِرَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ، واشتمالُ المصاحفِ العُثْمَانِيَّةِ


ولم يراع ذلك حيث رُسِمَت بالياء في الرسمين، ولو روعيت القاعدة لرسمت بالألف كالنطق، وخولف هذا الأصل أيضًا في كتابة القوافي، فرغم أننا نكتب في معلقة امرئ القيس مثلًا "تتجلى" بالياء نكتب "فحومل" بدون ياء مع وجوب النطق بها، فلم يراع الوقف عليها، ولو روعي لكتب بالياء لكن لا يجوز إملائيًا.
وقاعدة الفصل أن لكل لفظ معنى مستقلًا فينبغي أن يُرسم كذلك مستقلًا مفصولًا، أو يقال قاعدة الفصل والوصل: أن ما صح الابتداء به والوقف عليه فُصل، وما لا يصح فلا يُفصل بل يوصل، ومع ذلك نجدهم اتفقوا على مخالفة ذلك في الرسمين الإملائي والمصحفي، فكتبوا: ((حِينَئِذٍ)) حين موصولة بـ"إذ" المنونة، وكذا اتصل في الرسم الإملائي "سيّ" بـ"ما" حين نكتب: لا سيما. والخلاصة: إن الرسم الإملائي استفاد كثيرًا من الرسم العثماني. بقي لنا أن نقول: مما فُضل به الرسم العثماني على الرسم الإملائي في ضوء قواعد علم الإملاء نفسه، واستحسن بعض المتأخرين أن يطبق في علم الإملاء ليجيء على الأصح، وعلى وجه مفيد فائدة زائدة أن يكتب نحو: ((الْمُنشَآتُ)) [الرحمن: ٢٤] بلا صورة للهمزة اتباعًا لقاعدة الرسمين كراهية اجتماع صورتين هما: صورة الهمزة وصورة مدها، فتوضع الهمزة على الامتداد الذي بين الشين وألف الجمع، عِلمًا بأن الهمزة تعني العين الصغيرة رأس الهمزة من علم الضبط لا الرسم، وكذا علامة المد إذا وضعت على ألف ((الْمُنشَآتُ)) كما توضع على ((آمَنَ))، واستحسن أيضًا أن تكتب نحو: كلمة ((أَتَاكَ)) و ((مَثْوَاهُ)) بالياء على نحو ما يُكتب بها ((أَتَى)) و ((مَثْوَى)) إشارة إلى الأصل.
وقد كان كل هذا متبعًا في علم الإملاء القديم كما يعلم من نحو (تسهيل الفوائد) لابن مالك، و (الشافية) لابن الحاجب، وغيرهما، فأكرم وأعظم بالرسم العثماني الذي علم أئمة البصرة والكوفة وفاق على ما عندهم من علم، وثبت ذلك لكل ذي علم وتذوق وتحقق.