أن ما أورد أصحاب هذا القول من نصوصِ علماء الإسلام ظاهرٌ في وجوب التزام الرسم العثمانيّ في كتابة المصحف:
من ذلك ما رَوَاهُ الإمام السّخَاوِيُّ: أن مالك بنَ أنس -إمام دار الهجرة- سُئِلَ: أرأيتَ من استكتب مصحفًا، أرأيت أن يكتب على ما استحدثه الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك؛ ولكنْ يُكْتَبُ على الكَتْبَة الأولى.
وقال أبو عمرو الداني: لا مخالف لمالكٍ من علماء الأمة.
وقال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: تَحْرُمُ مخالفةُ خطِّ مصحف عثمانَ في الواو أو الياء أو الألف، أو غير ذلك.
ونَقَلَ الإمام الْجَعْبَرِيُّ وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتّباع رسم المصحف العثماني.
أن الحِفَاظ على رسم المصحف الذي توارثته الأمّة منذ عهد عثمان -رضي الله تعالى عنه- يعد ضمانًا قويًّا لصيانة القرآن الكريم من التبديل والتغيير في حروفه، فلو كُتِبَ القرآن الكريم بهذه القواعد الإملائية الحديثة فربما يُعَرّض النصُّ القرآنيُّ للتبديل والتغيير؛ إذ إن قواعد الإملاء الحديثة تَختلف فيها وجهاتُ النظر في العصر الواحد، وتتفاوت في بعض الكلمات من بلدٍ لآخر، وحَيطتنا للكتاب العزيز وتقديسنا له يضطرنا أن نجعله بمنأى من هذه التغييرات في رسمه وكتابته.
أن تغييرَ الرسم العثمانيّ ربما يكون مدعاةً -من قريبٍ أو من بعيدٍ- إلى التغيير في جوهر الألفاظ والكلمات القرآنية، وفي ذلك ما فيه من الفتنة الكبرى والشّرِّ المُستطير، وسدِّ الذرائع -مهما كانت بعيدة- أصلٌ من أصول الشريعة الإسلامية التي عليها الأحكام، وما كان موقف الأئمة من الرسم العثمانيّ إلا بدافع هذا الأصل العظيم؛ مبالغةً في حفظ القرآن الكريم، وصيانةً له من عبث العابثين، وهل تُنسى دعوة هؤلاء الذين يريدون تغيير الأحرف العربية وكتابة اللفظ بالأحرف اللاتينية، ما دام النطق هو النطق واللفظ هو اللفظ، ولا زالت الدعوة قائمةً إلى الآن لكتابة أحرف القرآن الكريم بالأحرف اللاتينية.
ضياعُ كثيرٍ من اللغات الفصحى؛ إذ لو ضاع الرسمُ العثمانيّ لا يمكن الاستدلال عليها بالقرآن الكريم الذي هو أصدق الحديث.
انقطاع السّنَد الذي هو أحد أركان القرآن الكريم؛ وفي ذلك أيضًا ضياع للقرآن الكريم وإهمال لأمره؛ إذ رسمه الخاص هو الحصن المانع لقراءته بغير السُّنّة والرِّوَايَة.
أن للرسم العثمانيّ مزايا وخصائص وفوائدَ كثيرةً، لا تتحقق إلا بالالتزام به والمحافظة عليه.
وأما ما يتعلل به أصحاب الرأيين -الثاني والثالث- من أن كتابة المصاحف على الرسم العثمانيّ قد توقع بعض الناس في حيرة ومشقة.. فمردود؛ لأن تعليم القرآن الكريم لا يَعتمد على القراءة في المصحف فحسب، وإنما يكون عن طريق المشافهة على يدِ شيخ حافظٍ متقنٍ للتلاوة، وهذا هو الأصل في حفظ القرآن الكريم وقراءاته.
قال الله تعالى مخاطبًا رسوله الكريم: ((لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)) [القيامة: ١٦: ١٨] أي: اتبع قراءته.