أن من معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- كونُهُ أُمِّيًّا لا يكتب ولا يقرأ كتابًا، فكيف يُمْلِي -عليه الصلاة والسلام- زيدَ بن ثابتٍ على حسب قواعد الكتابة والإملاء، من نحو الزيادة، والنقص، والوصل، والفصل...
لمّا اختلفَ زيد بنُ ثابت ومن معه في كلمة: ((التَّابُوت)) [البقرة: ٢٤٨] أيكتبونه بالتاء أم بالهاء؟ رفعوا الأمر إلى عثمانَ -رضي الله تعالى عنه- فأمرهم أن يكتبوها بالتاء، فلو كان الرسم توقيفيًّا بإملاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بالكيفية التي ذكرناها لقالَ لهم زيد: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرني بكتابتها بالتاء؛ ولقال عثمانُ لزيدٍ -كاتبِ الوحي-: اكتبْها بالكيفية التي أمْلَاكَ بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
لو كان الرسم توقيفيًّا لَمَا اختلف الرسم في المصاحف التي أرسلها سيدنا عثمان -رضي الله تعالى عنه- إلى المدن والأمصار.
لو كان الرسم توقيفيًّا لصرح بذلك الإمام مالك، ولَمَا جوّز كتابةَ الصحف والألواح للصغار المتعلمين بغير الرسم العثمانيّ؛ ولصرح بذلك أَيْضًا جميعُ الأئمة.
لو كان الرسم توقيفيًّا لنعتوه بالرسم التوقيفيِّ أو بالرسم النبويِّ، وما كانوا نعتوه بالرسم العثماني نسبةً لعثمانَ بنِ عفّانَ -رضي الله تعالى عنه.
بعد هذين القولين السابقين نرى أن لكل فريقٍ وجهتُه وأدلتُه، ولكن نقول: إن كانت كتابةُ القرآن الكريم باصطلاحٍ من الصحابة فلا شك أنهم عدولٌ، ولا يجرؤُ أحدٌ منهم أن يغيّر أو يبدّل في كتاب الله الخالد بزيادة أو نقصان حسب ما تشتهيه نفسُه، كيف ذلك وقد كانوا أكثرَ علمًا وأصدقَ قلبًا ولسانًا وأعظم أمانةً منا؛ بل وكانوا الغاية القصوى في الحَذَقِ والهجاء؟!
فلا ينبغي أن نظنّ بأنفسنا استدراكًا عليهم؛ وهم الذين اتخذ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- منهم كُتّابًّا لوحي الله؛ فكتبوا القرآن الكريم بين يديه -صلى الله عليه وسلم.
أضف إلى ذلك أن هذا الرسم قد أجمع على صحته الصحابة جميعًا، وإجماعهم حجَّةٌ.