١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ


تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ

فمما تجدر الإشارة إليه أن القواعد الستّ السابقة هي أهم القواعد والظواهر التي يدور عليها الرسم المُصْحَفِي، وقد كانت هذه القواعد والظواهر محلَّ نظرِ المشتغلين بعلوم القرآن الكريم من العلماء، قديمًا وحديثًا؛ كي يجدوا لها تفسيرًا، ونجحت محاولات بعضهم في كشف اللِّثام عنها، بيد أنهم اختلفت وجهاتُ النظر عندهم في تفسيرها؛ فذهبوا في ذلك عدة مذاهبَ، وهاك بيانُها:

أولًا: تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ بعلل لغوية

ذهب فريقٌ من العلماء إلى تفسير بعض ظواهر الرسم العثماني بعللٍ لغويةٍ، من هؤلاء الفرّاء في كتابه: (معاني القرآن) ومن ذلك عند تفسيره لبعض مواضعِ الحذف؛ حيث يقول عند قول الله تعالى: ((وَاخْشَوْنِي)) [البقرة: ١٥٠]: أُثْبِتَت فيها الياء، ولم تثبت في غيرها، وكلُّ ذلك صواب، وإنما استجازوا حذف الياء؛ لأن كسرة النون قبلها تدل عليها، وليست تَهِيبُ العربُ حذف الياء من آخِرِ الكلام إذا كان ما قبلها مكسورًا، من ذلك: ((رَبِّي أَكْرَمَنِ)) [الفجر: ١٥] و ((أَهَانَنِ)) [الفجر: ١٦] ومن غير النون في ((الْمُنَادِ)) [ق: ٤١] و ((الدَّاعِ)) [القمر: ٥] وهو كثيرٌ، يُكْتَفَى من الياء بكسرة ما قبلها، ومن الواو بضمة ما قبلها؛ مثل قوله تعالى: ((سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ)) [العلق: ١٨] ((وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ)) [الإسراء:١١] وما أشبهه،


١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ


وقد تُسْقِطُ العربُ الواو وهي واو جماعة؛ اكتفاءً بالضّمة قبلها، فقالوا في ضَرَبُوا: قد ضرب، وقالوا في قالوا: قد قال، قال: وهي في هَوَزان وعُلْيَا قيس، وأنشدني بعضهم:
                      إِذَا مَا شَاءُوا ضَرّوا مَنْ أَرَادُوا                       وَلَا يَأْلُو لَهُم حَدٌّ ضِرَارا
ومن قبيل التعليل بعللٍ لغويّةٍ ما ذكره الخليل بن أحمدَ -رحمه الله تعالى- حين علل لكتابة كلمة: "الْحَيَاةِ" بالواو، وذلك حيث قال: لِيُعْلَمَ أن الواوَ بالياء؛ وفي هذا إشارةٌ من الخليل إلى أنها كُتِبَت بالواو؛ للدلالة على أصلها وهو الواو. وقد عبر الداني عن هذا الاتجاه بقوله: وليس شيءٌ من الرّسم ولا من النَّقْط اصطلح عليه السلف -رضوان الله تعالى عليهم- إلا وقد حاولوا به وجهًا من الصِّحّة والصّواب، وقصدوا به طريقًا من اللغة والقياس؛ لموقعهم من العلم؛ ومكانهم من الفصاحة، عَلِمَ ذلك من عَلمه، وجَهِلَه من جَهله و ((الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)) [الحديد: ٢٩]. ولكنْ بنظرةٍ فاحصةٍ يتّضِحُ لنا أن التعليل بعللٍ لغوية قد ينطبق على بعض الظواهر ولا ينطبق على بعضها الآخر؛ فهو لا ينطبق مثلًا على زيادة الألف في قول الله تعالى: ((أَوْ لَاأَذْبَحَنَّهُ)) [النمل: ٢١] لذلك لا ينبغي أن يُتّخذ هذا الاتجاه منهجًا عامًّا في تفسير هذه الظواهر.

١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ


ثانيًا: ردُّ تلك الظواهر على خطأِ الكاتب

من العجب أن نرى بعض العلماء يفسِّرون ظواهرَ الرسمِ المُصْحَفِيِّ برجوعها إلى خطأِ الكاتب، ولا يُبَالون بهذا القول حتّى ولو كان فيه تهمةٌ لأجلّاء الصحابة وخيرة الكتاب منهم، من هؤلاء العلماء الإمام الفرّاء، الذي فسّر بعض هذه الظواهر بهذا الأمر، وإن رُمَت دليلًا على صحّة ما نسبناه إليه فاقرأ -مثلًا- كلامه في قول الله تعالى: ((وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ)) [التوبة: ٤٧] حيث يقول وهو يفسّر زيادة الألف: كُتِبَت بلام ألفٍ، وألفٍ بعد ذلك، ولم يكتب في القرآن لها نظير؛ وذلك أنهم لا يكادون يستمرُّون في الكتابة على جهة واحدة؛ ألا ترى أنهم كَتَبُوا ((فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)) [القمر: ٥] بغير ياء ((وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ)) [يونس: ١٠١] بالياء، وهو سوءُ هجاءِ الأوّلين. وفي حقيقة الأمر هذا موقف غريب من مثل الفراء، وهو موقف ملفت للنظر؛ ففي حين تراه يعلِّلُ حذف الياء في قول الله تعالى: ((فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)) بسوء هجاء الأولين، تراه أيضًا يعلِّلُه -كما سبق في مواضعَ أخرى- بعللٍ لغويةٍ، ويستشهد لذلك بما ورد عن العرب.
وممن ذهب إلى هذا الاتجاه الغريب -وهو رد تلك الظواهر على خطأ الكاتب- ابن قتيبة، الذي جعل خطأَ الكاتب أحدَ احتمالين في توجيه مخالفة الرسم للخط الهجائي إلى أحد احتمالين: إما أن تكون على مذهبٍ من مذاهبِ أهل الإعراب فيها، أو تكون غلطًا من الكاتب.


١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ



ومن هذا المنطلق نراه في الاحتمال الثاني يُجوِّز الغلطَ والخطأَ على الصحابة في كتابة المصحف الشريف، سلّمنا أن الغلطَ جائزٌ على غير المعصوم -صلى الله عليه وسلم- ولكنّه بعيد أن يُخْطِئَ هؤلاء الأخيار في كتابة كلام الله -عز وجل- فلا بد أن يكون لكتابتهم المصاحفَ على هذا الرسم حِكَمٌ خَفِيَتْ عَلَيْنَا، أو خَفِي علينا بعضُها وعُلِمَ بعضُها.
وكان ابن خلدون أهمَّ من ادّعى بعد ابنِ قتيبةَ دَعْوَى وقوعِ الغلط من الصحابة حيث رَسَمُوا المصاحفَ، وهو يَبْنِي دَعْوَاهُ على أن أهلَ الحجازِ أخذوا الكتابةَ من "حِمْيَر" إلا أنهم لم يكونوا مُجِيدِينَ لها شأن الصنائعِ إذا وَقَعَتْ في البدوِ.
وهذا الدعوى وكذلك دعوى الفراء وابن قتيبة يَعُوزها البرهان، وينقصها الدليل، وعند مناقشته لا تستطيع الوقوف أمام البراهين الساطعة والحجج الدامغة على قدم وساق، ولا ينفع صاحبه والمتمسك به؛ وذلك لأن تلك الأقوال منتقضةٌ بكثير من الأدلة، التي تدل على أن كثيرًا من الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- كانوا يعرفون الكتابة معرفةً جيّدةً، وأنها -أي: الكتابة- لم تكن حديثة العهد عند تدوين القرآن الكريم، وكيف تكون الكتابة حديثة عهدٍ عندما دون القرآن الكريم، وقد ثبت أن العرب على معرفة بالكتابة منذ أواخر العصر الجاهليِّ، وبخاصة في الحواضرِ، على نطاق معقول نسبيًّا. أضف إلى ذلك أن من الأدلة التي ينتقض بها كلام القائلين برد تلك الظواهر إلى خطأ الكاتب: أننا لو نظرنا في القرآن الكريم لوجدنا أن كلمة "القراءة" ومشتقاتها قد وردت في القرآن الكريم الذي هو -بالإضافة إلى صفته القدسية- الأثر العربي الوحيد المسهب المكتوب الذي وصل إلينا كما كُتِبَ في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- قد وردت حوالي تسعين مرة،


١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ


وأن كلمة: "الكتابة" ومشتقاتها قد وردت حوالي ثلاثمائة مرة، وأن أولى الآيات القرآنية التي نزلت على صدر النبي -صلى الله عليه وسلم- نَوّهت بالقراءة والكتابة تنويهًا عظيمًا؛ فقال الله تعالى: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)) [العلق: ١].
وهناك أيضًا أحاديث شريفة نبوية تدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتحرى الدقة مع كُتّابه، وكان يطبِّق معهم مبدأً هامًّا يدل على دقة المُمْلِي والْمُسْتَمْلَى، وهو مبدأُ عَرْضِ المكتوب بعد كتابته، من هذه الأحاديث عن ابن سليمان بن زيد بن ثابت، عن أبيه، عن جَدِّه زيد بن ثابت -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- قال: ((كُنْتُ أَكْتُبُ الْوَحْيَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ أَخَذَتْهُ بُرَحَاءُ شديدةٌ وَعَرَقَ عَرَقًا شَدِيدًا مِثْلَ الْجُمَانِ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَكُنْتُ أَدْخُلُ عَلَيْهِ بِقِِطْعَةِ الْقَتَبِ فَأَكْتُبُ وَهُوَ يُمْلِي عَلَيّ، فَمَا أَبْرَحُ حَتّى تَكَادُ تُكْسَرُ رِجْلِي مِنْ ثِقَلِ الْقُرْآنِ، وحتى أقولَ: لَا أَمْشِي عَلَى رِجْلِي أَبَدًا، فَإِذَا فَرَغْتُ قال: اقْرَأْهُ. فَأَقْرَؤهُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ سَقْطٌ أَقَامَهُ، ثُمَّ أَخْرُجُ بِهِ إِلَى النَّاسِ)).
هذا وغيره من الأدلة التي تناقض دعوى القائلين بخطأِ الكتاب.
بل يصِفُ بعضُ الباحثين السُّذّجُ -وهو: عبد العزيز فهمي- كتابةَ المصحف بأنها بدائيةٌ سقيمةٌ قاصرةٌ، وحيث يصف الرسمَ أيضًا بأنه سخيفٌ.
واقرأ أيضًا مثالًا آخرَ لذلك المنهج الضال لابن الخطيب صاحب كتاب (الفرقان) والذي ترى الرجل فيه قد سوّد صفحاتِ كتابِه بكلام لا يساوي ثمنَ المِدَادِ الذي كُتِبَ به، ولا قيمة القراطيس التي سوّدَها.


١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ


وإليك جملةُ أقوالٍ من كلام الحفّاظ والأئمة في نقد هذه المرويات التي اعتمد عليها أصحاب هذا الاتجاه:
قال الحافظ السيوطي -عليه الرحمة-: وهذه الآثار مشكَلَةٌ جِدًّا، وكيف يُظَنُّ بالصحابة -أوّلًا- أنهم يَلْحَنُون في الكلام، فضلًا عن القرآن، وهم الفصحاء؟! ثم كيف يظن بهم -ثانيًا- في القرآن الذي تلقّوه من النبي -صلى الله عليه وسلم- كما أُنْزِلَ، وحفِظوه وضبطوه وأتقنوه؟! ثم كيف يُظَنّ بهم ثالثًا: اجتماعهم على الخطأِ وكتابته؟! ثم كيف يُظَنّ بعثمانَ أنه يَنْهَى عن تغييره؟! ثم كيف يُظَنُّ أن القراءاتِ استمرّت على مقتضى ذلك الخطأِ وهو مرويٌّ بالتواتر خَلَفًا عن سلفٍ؟!هذا مما يستحيل عقلًا وشرعًا وعادةً.


١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ


ثالثًا: تَفْسِيرُ بَعْضِ ظَوَاهِرِ الرَّسْمِ الْمُصْحَفِيِّ بِاحْتِمَالِ الْقِرَاءَاتِ

ذَهَبَ بعضُ الباحثينَ إلى أن المصحف العثمانيّ كُتِبَ ليشتملَ على الأحرف السبعة، أو أنه جاء شاملًا لما يَحْتَمِلُه رسمُهُ منها؛ وبِناءً على ذلك حاول بعضُ العلماء تعليلَ حَذْفِ أو زيادةِ بعض الرموز الخاصة بأصوات المدِّ؛ بأن المقصود من ذلك أن تَحْتَمِلَ الكلمةُ القراءاتِ المتنوعةَ الصحيحةَ الواردةَ فيها، بل إن بعضهم جَعَلَ من مَزَايا الرسم العثماني الدّلالةَ على القراءات المتنوعة في الكلمة الواحدة.
ومن أمثلةِ هذا الاتجاهِ تعليلُهم لقول الله تعالى: ((إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ)) [طـه: ٦٣] حيث قال بعْضُهُم: رُسِمَت في المصحف العثمانيِّ من غير نقطٍ، ولا تشديدٍ، ولا شكلٍ، ولا تخفيفٍ، ومن غير ألفٍ ولا ياءٍ بعد الذال من ((هَذَانِ)) ومجيءُ الرسم كذلك كان صالحًا عندهم لِأَن يُقْرَأَ بالأوجه الأربعة التي وَرَدَتْ كُلُّها بأسانيدَ صحيحةٍ.
وقد ضَعّفَ هذا الاحتمالَ بعضُ الباحثين، وحجَّتُهُ في ذلك: أن المصحفَ الإمامَ ما كُتِبَ إلا على قراءةٍ معيّنةٍ، وأنّ الرسم فيه ما جاء إلا ليمثِّلَ لفظًا واحدًا ونطقًا معينًا.


١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ


وأقول: إن هذا الاتجاه من صاحبه مَرْجُوحٌ؛ إذ لم يُقَدِّمْ لنا أدلةَ مرجوحاته، وما دام لم تكن عنده أدلةُ الترجيح فترجيحه بلا مُرَجِّحٍ، والترجيح بِلَا مُرَجِّحٍ لا يجوز كما هو مُقَرّرٌ لدى الأصوليين، بلِ الحقُّ أن رأيَ غيره هو الراجح وفي تفسير بعض الظواهر باحتمال القراءات. ويُمْكِنُ الإفادةُ من هذا الاتجاه في تفسير بعض الظواهر.
على أننا يجب أن ننبهك إلى أمرٍ مهم في هذا المقام، وهو: ألا ينبغي أن يقتصر على هذا الاتجاه في تفسير جميع الظواهر؛ فلعل بعض الظواهر يمكن تفسيرها من خلال ما اهتدى إليه علمُ اللغة الحديث، من خلال الدراسة الشاملة لظروف الكتابة العربية، ومعرفة الأصل الذي أُخِذَت عنه؛ فكثيرٌ من ظواهر الرسم المصحفي ما هو إلا موروثات ورثتها الكتابة العربية عن ذلك الأصل النِّبطي الذي أُخِذَت عنه هذه الكتابة، من ذلك مثلًا ظاهرةُ حذف الألف في بعض كلمات: ((اللَّهُ)) ((الرَّحْمَنِ)) ((لُقْمَان)) فالكتابة النِّبطية التي أُخِذَت عنها الكتابة العربية لم تكن تُمَثِّلُ للحركات بأيَّةِ صورةٍ، وقد تأثرت الكتابة العربية بهذا الأمر، فظلت حديثًا لا تمثل للحركات، وقد ظهر من ذلك بعض الصور في الكتابة المصحفية. والله تعالى أعلم بالصواب.


١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ


رابعًا: الرَّسْمُ مَبْنِيٌّ عَلَى حِكْمَةٍ ذَهَبَتْ بِذِهَابِ كَتَبَتِهِ:

يرى بعض العلماء أن الرسم مبنيٌّ على حكمة ذهبت بذهاب كَتَبَتِهِ، وقد ذهب فريقٌ من المعاصرين إلى أن الرسم العثماني قد بُنِيَ على حكمةٍ لا نعلمها على وجهٍ تطمئن إليه النفس، وأن ما أُتِيَ بما أَتَى به العلماء من تعليلاتٍ لا تقوى على الرد؛ فهي مجرد احتمالات وتخمينات حاول أصحابها أن يثبتوا لهذا الرسم قدسيةً خاصةً من طريقة الأدلة النظرية المستلهمة.
ومن تتبّع بعضَ الكلماتِ التي خالفت في رسمها الخطَّ الهجائيَّ وهذه التعليلات، يجد أنه ليس هناك إلا استئناس وتلميح، والفرقُ كبيرٌ بين الاستئناسِ والاستزلال؛ فالأول مبني على الظن والتخمين، فلا يعتبر حجةً قاطعةً، والثاني مبنيٌّ على النظر أو الاستقراء الموصِّلِ إلى ما يرفع الشكّ باليقين.
وقد حَمَلَ لواءَ هذا التفسير لظاهرة رسم المصحف الأستاذ الشيخ/ محمد طاهر الكردي.
وأقول: ولعلّ هذا الاتجاه الذي ذهب إليه الأستاذ الكرديُّ هو اتجاه قومٍ توقّفوا عن القول بما ليس لهم به علم، وآثروا السلامةَ على الخوض في حديث لا تدفعهم إليه حاجةٌ ملحةٌ، وقولهم هذا في نظري قولٌ صحيحٌ، بَيْدَ أنّ هذا لا يمنع من أن نفتِّش عن الحكمة بقدر طاقتنا البشرية وبالوسائل المتاحة لنا.


١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ


آرَاءُ الْعُلَمَاءِ فِي طَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ: تَوْقِيفِيٌّ أَمِ اصْطِلَاحِيٌّ؟

اختلفت آراء العلماء في طريقة معرفة رسم المصحف -هل هو توقيفي أو اصطلاحي- على رأيين:

الرأي الأول

يرى أصحابُهُ أن رسم المصحف توقيفيٌّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عَلّمَه أصحابه فكتبوا المصحف به كما تعلّموه؛ وبذا فلا مجالَ للعقل فيه، وليس لاجتهادات الصحابة أو غيرهم دَخْلٌ في رسم المصحف.
واستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي:


١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ


أولًا

ما أخرجه الإمام الطبري في الأوسط عن زيد بن ثابت، قال: ((كنت أكتب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته بُرَحَاء شديدةٌ، وعَرَقَ عَرَقًا شديدًا مثل الجُمَان ثم سُرِّيَ عنه، فكنت أدخل عليه بقطعة الكَتِف، فأكتب وهو يملي عليّ، فما أَفْرَغُ حتى تكاد رجلي تنكسر من ثِقَلِ القرآن الكريم، وحتى أقول: لا أمشي على رجلي أبدًا، فإذا فرغت قال: اقرأه علي، فأقرأه، فإذا كان فيه سقط أقامه، ثم أخرج به إلى الناس)).
وجه الدلالة:
في هذا الحديث دليل على أن القرآن الكريم كُتِبَ كلُّه بين يديِ النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان -صلوات الله وسلامه عليه- يُمْلِي على كُتّاب الوحي ما أُنْزِل إليه، ويرشدهم في كتابته، ثم يراجعهم فيما كتبوا، حتى إذا وجد خطأً أمرهم بإصلاحه. ومضى عهد النبوة الشريفة والقرآن الكريم على هذه الكَتْبَةِ لم يحدث فيه تغييرٌ ولا تبديلٌ، بل إنه -صلوات الله وسلامه عليه- كان يضع الدستور لكُتّاب الوحي في رسم القرآن الكريم وكِتابته، فمن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- لمعاوية وهو من كتبة الوحي: ((أَلْقِ الدّوَاةَ، وَحَرِّفِ الْكَلِمِ، وَأَقِمِ الباءَ، وَفَرِّقِ السِّينَ، وَلَا تُعْوِرِ الْمِيمَ وَحَسِّنِ "الله"، وَمُدّ "الرَّحْمَن"، وَجَوِّدِ "الرَّحِيم"، وَضَعْ قَلَمَكَ عَلَى أُذُنِكَ الْيُسْرَى، فَإِنّهُ أَذْكَرُ لَكَ)).


١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ


ثانيًا

ما رواه ابن داود في المصاحف، من أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يملِي الكلمة حرفًا بحرفٍ، قال: حدثنا عبد الله، حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا يحيى، قال: رأيت في نسخة كتاب خالد بن سعد -يعني ابن العاص-: وأملى النبي -صلى الله عيه وسلم- فيما يذكرون حرفًا بحرفٍ، فإذا فيه كان: كاف واو نون، وحتّى: حَتَى، مثل: ((الصَّلوة)) بواو، و ((الزَّكَوة)) بواو، و ((الْحَيَوة)) بواو.
أيضًا مما يدل على أن الرسم توقيفيٌّ إجماعُ الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- على هذا الرسم، وكانوا وقتئذٍ اثني عشر ألفًا، ولا ريبَ أن إجماع الأمة في أيِّ عصرٍ واجبُ الإتباع، خصوصًا العصر الأول.
وَمِمّنْ حَكَى إجماعَ الأمة على ما كَتَبَ عثمانُ صاحب (المقنع) يروي بإسناده إلى مصعب بن سعد قال: أدركتُ الناسَ حين شقق عثمانُ -رضي الله تعالى عنه- المصاحفَ، فأعجبهم ذلك، ولم يعبه أحد.
وكذلك يَرْوِي شارحُ العقيلةِ عن أنسِ بنِ مالكٍ -رضي الله تعالى عنه-: أن عثمانَ أرسل إلى كلّ جنديٍّ من أجنادِ الأرض مصحفًا، وأمرهم أن يَحْرِقوا كلَّ مصحف يخالف الذي أُرسل إليهم، ولم يُعْرَف أن أحدًا خالف في رسم هذه المصاحف العثمانية.
والانعقاد والإجماع على تلك المصطلحات في رسم المصحف دليل على أنه لا يجوز العدول عنها إلى غيرها.


١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ


الرأي الثاني

يرى أصحابه أن رسم المصحف اصطلاحيٌّ لا توقيفيٌّ، كتبه الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- بالطريقة التي كانوا يكتبون بها سائر كتبهم من غير نصٍّ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
وبهذا الرأي قال بعض العلماء، منهم ابن خلدون، وابن قتيبة، والباقلاني.
واستدل أصحاب هذا الرأي على قولهم هذا بخمسةِ أمورٍ:


١.٣ تَفْسِيرُ بَعْضِ ظواهرِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ، وطَرِيقِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ


أن من معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم- كونُهُ أُمِّيًّا لا يكتب ولا يقرأ كتابًا، فكيف يُمْلِي -عليه الصلاة والسلام- زيدَ بن ثابتٍ على حسب قواعد الكتابة والإملاء، من نحو الزيادة، والنقص، والوصل، والفصل...