اعلم -نفعنا الله وإياك- أن جميع ما في كتاب الله -عز وجل- من قوله ((إِنَّمَا)) فهو في المصحف الشريف موصولٌ، إلا في موضعٍ واحدٍ، وهو قوله تعالى في سورة "الأنعام": ((إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ)) [الأنعام: ١٣٤] فإنه مقطوعٌ لا غير.
واختلفوا في قوله تعالى: ((إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ)) [طـه: ٦٩] فكُتِبَ في بعض المصاحف مقطوعًا، وكُتِبَ في بعضها موصولًا، والأصل في ذلك أن يُكْتَبَ مقطوعًا إذا كانت ((مَا)) في معنى "الذي"، وإذا كانت ((إِنَّمَا)) أداة أن يُكْتَبَ موصولًا.
وجميع ما في كتاب الله -جل ذكره- من ذكر ((أَنَّمَا)) في المصحف الشريف فهو موصولٌ، إلا في موضعين لا غير:
في سورة "الحج" في قوله تعالى: ((وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ)) [الحج: ٦٢].
وفي سورة "لقمان": ((وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ)) [لقمان: ٣٠].
فهذان مقطوعان، وسائرُها موصولةٌ، وهكذا حَقُّ الكتابة فيه؛ لأن ((مَا)) هاهنا بمعنى "الذي".
وجميع ما في كتاب الله تعالى من ذكر ((عَمَّا)) [آل عمران: ٩٩] فهو موصولٌ، إلا في موضعٍ واحدٍ، وهو قوله تعالى في سورة "الأعراف": ((فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ)) [الأعراف: ١٦٦] فإنه وقع في المصحف مقطوعًا، ونظائرُهُ وقع موصولًا، وهكذا وجه الكتابة فيه؛ لأنهما كلمتان و ((مَا)) هي بمعنى "الذي".
وَجَمِيعُ مَا فِي كِتَابِ اللِه -عز وجل- مِن ذِكْرِ ((كُلَّمَا)) فهو في المصحف موصولٌ، إلا في موضعين:
 |
الموضع الأول: في قوله -عز وجل-: ((كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا)) [النساء: ٩١]. |
 |
الموضع الثاني: في قوله تعالى: ((وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ)) [إبراهيم: ٣٤]. |
فهذان وقعا في المصحف مقطوعين، والمقطوع مكتوبٌ على القياس؛ لأن "مَا" بمنزلة "الذي" والأول مخالف للقياس.
وَجَمِيعُ مَا فِي كِتَابِ اللِه -عز وجل- مِن ذِكْرِ ((بِئْسَمَا)) فهو في المصحف مقطوع، إلا ثلاثة مواضعَ:
 |
الموضع الأول: في سورة "البقرة" في قوله تعالى: ((بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ)) [البقرة: ٩٠]. |
 |
الموضع الثاني: في سورة "البقرة" أيضًا في قوله -عز وجل-: ((بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ)) [البقرة: ٩٣]. |
 |
الموضع الثالث: في سورة "الأعراف" وهو قوله -عز وجل-: ((بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي)) [الأعراف: ١٥٠]. |
هذه الثلاثة موصولةٌ في المصحف لا غير، وسائرُها مقطوعٌ، والاختيار أن تقطع ((بِئْسَ)) عن ((مَا)) لأن "مَا" التي تصحب "بِئْسَ" هي في معنى "الذي".
وجميع ما في كتاب الله -عز وجل- "يَوْمَهُمْ" فهو في المصحف موصول، إلا في موضعين:
 |
الموضع الأول: في قوله تعالى: ((يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ)) [الذاريات: ١٣]. |
 |
والموضع الثاني: ((يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ)) [غافر: ١٦] فهما في المصحف مقطوعان لا غير، والأصل في ذلك أن تكتب ما كان مضافًا موصولًا، وما كان وقفًا مقطوعًا.
|
وَجَمِيعُ مَا فِي كِتَابِ اللِه -عز وجل- مِن ذِكْرِ "كَيْلَا" فهو في المصحف موصولٌ، إلا في ثلاثة مواضع:
 |
الموضع الأول: ((لِكَي لا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا)) [الحج: ٥]. |
 |
الموضع الثاني: ((لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ)) [الأحزاب: ٣٧]. |
 |
الموضع الثالث: ((لِكَي لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ)) [الحديد: ٢٣]. |
وقد وصل بعض العلماء الحرف الذي في سورة "آل عمران": ((لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ)) وقطع الذي في سورة "الحج" والوجه في ذلك أن يكتب مقطوعًا؛ لأن "لِـ" التي للجحد فهي مقطوعةٌ عن "كي".
وَجَمِيعُ مَا فِي كِتَابِ اللِه -عز وجل- مِن ذِكْرِ "أَنْ" و"لَنْ" فهو بالنون، إلا في موضعين:
الموضع الأول: ((بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا)) [الكهف: ٤٨].
الموضع الثاني: ((أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ)) [القيامة: ٣] فهذان لا نون فيهما.
واختلفت المصاحف في سورة "المزمل" في قوله تعالى: ((عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ)) فكُتِبَ بالنون بين الألف واللام، وفي بعضها بحذف النون، والأصل في ذلك أن يكتب بالنون، ومن كَتَبَ بغير النون فإنه يذهب إلى أن النون ليست بظاهرةٍ في اللفظِ.
وَجَمِيعُ مَا فِي كِتَابِ اللِه -عز وجل- مِن ذِكْرِ ((فَإِنْ لَمْ)) وقع في المصحف بالنون إلا في سورة "هود" وهو قوله تعالى: ((فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ)) [هود: ١٤] فإنه وقع بغير نون.
وَجَمِيعُ مَا فِي كِتَابِ اللِه -عز وجل- مِن ذِكْرِ ((إِمَّا)) فهو بغير نون، إلا في سورة "الرعد" فإنه وقع في المصحف بالنون، وهو قوله تعالى: ((وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ)) [الرعد: ٤٠].
وَجَمِيعُ مَا فِي كِتَابِ اللِه -عز وجل- مِن ذِكْرِ "عَمَّنْ" فإنه موصولٌ، إلا في موضعين:
الموضع الأول: ((وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ)) [النور: ٤٣].
والموضع الثاني: ((فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا)) [النجم: ٢٩].
وكتب في المصحف: "يَا ابْنَ أُمَّ" في سورة "الأعراف" مقطوعًا على حرفين، وتكتب في سورة "طه": ((يَبْنَؤُمَّ)) [طه: ٩٤] موصول بـ"ابن" على القطع، ووجه الكتابة في ذلك؛ لأنهما كلمتان قد تُرِكَت ألفان: أحدهما ألف "أُمّ" والأخرى ألف الوصل التي تفصل بالباء عن قوله "يَا ابْنَ".
ونظائره: ((فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ)) [النساء: ٧٨] و: ((مَالِ هَذَا الْكِتَابِ)) [الكهف: ٤٩] و: ((مَالِ هَذَا الرَّسُولِ)) [الفرقان: ٧] و: ((فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ)) [المعارج: ٣٦] بالقطع.
فهذا جميع ما وقع في المصحف من الحروف المقطوعة والموصولة، ذكرتها لك، واختلاف العلماء فيها.
وقد احتج الكسائي -رحمه الله تعالى- بما وصل من الحروف أو فصل؛ فقال: كل ما فصلوه فإنما فصل على الأصل، وكل ما وصلوه فعلى الاقتصار والاستحقاق.