٢.٢ قاعدة الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ


حَقِيقَتَا الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ

الْقَطْعُ

هو فصلُ كلِّ كلمةٍ عمّا بعدها في رسم المصاحف العثمانية، والْوَصْلُ هو وصلُ الكلمةِ بما بعدها رسمًا في تلك المصاحف.
والْقَطْعُ هو الأصل، والْوَصْلُ فرعٌ عنه؛ لأن الشأن في كل كلمة أن تُرْسَمَ مفصولةً عن غيرها، والكلماتُ الموصولةُ ليست كذلك؛ لاتصالها رسمًا وانفصالها لغةً في بعض الأحوال.
والْقَطْعُ والْوَصْلُ -أخي الدارس الكريم- من خصائصِ الرسمِ العثمانيِّ، الذي أوجب علماء الأداء على القارئ معرفته واتِّبَاعه؛ ليقف على كل كلمةٍ من كلمات القرآن الكريم حسب رسمها في المصاحف العثمانية، إلا ما اسْتُثْنِيَ من هذه القاعدة؛ فإن كانت الكلمةُ مفصولةً عن غيرها جَازَ الوقفُ عليها، ولكن في مقامِ التعليم والاختبار أو في حالة الاضطرار، وإذا كانت الكلمة موصولةً بما بعدها لم يَجُزْ الوقفُ عليها، بل على الثانية منهما، وإن كان مختلفٌ في قطعها ووصلها جَازَ الوقفُ على الأولى منهما؛ نظرًا إلى قطعهما، ولم يجز إلا على الثانية نظرًا إلى وصلهما.
وعلى هذا فَلْيُعْلَم أنه لا يجوز تَعَمُّدُ الوقف على شيءٍ من الكلمات المفصولة؛ لِقُبْحِهِ؛ ولأنها ليست محلّ وقفٍ في العادة، وإنما جواز الوقف يكون مرتبطًا بمقام التعليم، أو الاختبار، أو في حالة الاضطرار.


٢.٢ قاعدة الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ


هذا؛ والمراد مما سنذكره من قولنا: "هَذَا مَقْطُوعٌ وَهَذَا مَوْصُولٌ" أن المقطوعَ لابد فيه من ثبوت الحرف الأخير رسمًا في الكلمة المقطوعة؛ وذلك إن كان مُدْغَمًا فيما بعده، مثل ((أَنْ)) المفتوحة الهمزة المخففة النون مع ((لَا)) في قوله تعالى: ((أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا)) [الحج: ٢٦] فهي وإن كانت النون مدغمةً في اللام لفظًا فهي مفصولةٌ خطّا.
والمراد بالموصول هو حذف الحرف الأخير من الكلمة الموصولة رسمًا؛ إن كان مدغمًا فيما بعده، مثل "إِنْ" المكسورة الهمزة المخففة النون مع "لَا" في مثل قوله تعالى: ((إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)) [التوبة: ٤٠] فقد رُسِمَت من غير نونٍ، وهكذا الشأنُ في كلِّ ما شَابَهَ ذلك.

أَنْوَاعُ الْمَقْطُوعِ وَالْمَوْصُولِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

والكلام على المقطوع والموصول يشتمل على أنواع ثلاثة:
الأول: الكلمات التي اتّفَقَت المصاحفُ العثمانيةُ على قطعها في كل موضع.
الثاني: الكلمات التي اتفقت المصاحف العثمانية على وصلها أيضًا في كل موضعٍ.
الثالث: الكلمات التي وقع فيها الاختلاف.
وفيما يلي الكلام بالتفصيل عن كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة:


٢.٢ قاعدة الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ


ما اتّفَقَت المصاحفُ العثمانيةُ على قطعه

النوع الأول: وهو خاصٌّ بالكلمات التي اتّفَقَتِ المصاحف على قَطْعِهَا في كل موضعٍ، وهي تنحصر في ستٍ كلماتٍ، بَيَانُهَا فيما يلي:
الكلمة الأولى: ((أَنْ)) مع ((لَمْ)) فهي مقطوعةٌ باتفاق المصاحف حيث وَقَعَتْ في القرآن الكريم؛ نحو قول الله تعالى: ((ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ)) [الأنعام: ١٣١].
الكلمة الثانية ((عَنْ)) مع ((مَنْ)) الموصولة.
الكلمة الثالثة: ((حَيْثُ)) مع ((مَا)).
الكلمة الرابعة: ((أَيًّا)) مع ((مَا)) وهي مقطوعةٌ باتفاقِ المصاحف، ولا تُوجَدُ إلا في موضعٍ واحدٍ، وهو: ((أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)) [الإسراء: ١١٠].
الكلمة الخامسة: ((ابْنَ)) مع ((أُمَّ)) فقد أجمعت المصاحف على قطع كلمة: ((ابْنَ)) عن ((أُمَّ)) من قوله تعالى: ((قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي)).
الكلمة السادسة والأخيرة: ((إِلْ)) مع ((يَاسِينَ)) من قوله تعالى: ((سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ)) [الصافات: ١٣٠].


٢.٢ قاعدة الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ


ما اتّفَقَت المصاحفُ العثمانيةُ على وصله

وتنحصر في ثِنْتَيْنِ وعشرين كلمة، بيانها كالآتي:
الكلمة الأولى: "إِنْ" الشرطية مع "لَا" النافية؛ نحو قوله تعالى: ((إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ)).
الكلمة الثانية: "أَمْ" مع "مَا"؛ نحو قول الله -عز وجل-: ((أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ)).
وليس منها ((أَمَّا)) الشرطية في نحو قوله تعالى: ((فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ)) [الضحى: ٩ - ١٠]
فهي موصولةٌ أيضًا باتفاق المصاحف، ولكنها ليست من هذا النوع.
الكلمة الثالثة: "نِعم" مع "مَا" في قوله تعالى: ((إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ)).
الكلمة الرابعة: "كَأَنّ" المشددة مع "مَا"؛ نحو قول الله تعالى: ((كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)).
الكلمة الخامسة: "أَيْ" مع "مَا" في قوله تعالى: ((أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ)).
الكلمة السادسة: ((مَهْمَا)) في قوله تعالى: ((وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ)).
الكلمة السابعة: "رُبَّ" مع "مَا" في قوله تعالى: ((رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا)).
الكلمة الثامنة: "مِنْ" الجارة مع "مَنْ" الموصولة؛ نحو قول الله تعالى: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)).



٢.٢ قاعدة الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ


الكلمة التاسعة: "مِنْ" الجارة مع "مَا" الاستفهامية المحذوفة الألف؛ في قوله تعالى: ((فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ)).
الكلمة العاشرة: "فِي" مع "مَا" الاستفهامية المحذوفة الألف؛ نحو قول الله -عز وجل-: ((قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ)).
الكلمة الحادية عشرة: "عَنْ" مع "مَا" الاستفهامية المحذوفة الألف؛ في قول الله -عز وجل-: ((عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)).
الكلمة الثانية عشرة: "وَيْ" مع "كَأَنّ" في قوله تعالى: ((وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ)).
الكلمة الثالثة عشرة: "وَيْ" مع "كَأَنّهُ" بزيادة الهاء عن الكلمة السابقة، من قول الله تعالى: ((وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)).
الكلمة الرابعة عشرة: ((إِلْيَاسَ)) نحو قوله تعالى: ((وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)).
الكلمة الخامسة عشرة: ((يَبْنَؤُمَّ)) من قوله تعالى: ((قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي)).
الكلمة السادسة عشرة: "يَوْمَ" مع "إِذْ" نحو قوله تعالى: ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)).
الكلمة السابعة عشرة: "حِينَ" مع "إِذْ" في قوله تعالى: ((وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ)).
الكلمة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة: ((كَالُوهُمْ)) و ((وَزَنُوهُمْ)) بسورة "المطففين".
الكلمة العشرون: "أَل" التعريفية مطلقًا؛ نحو قول الله تعالى: ((الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)) [الرحمن: ٥] والأمثلة على ذلك كثير. الكلمة الحادية والعشرون: ((هَا)) التي تعرف بهاء التنبيه، في قوله تعالى: ((هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ)).
الكلمة الثانية والعشرون: ((يَا)) التي للنداء، وهي كثيرة في القرآن الكريم؛ نحو: ((يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ)) [التحريم: ٨].


٢.٢ قاعدة الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ


ما وقع فيه الاختلاف

وقد جاء هذا النوع على ضربين: أحدهما غير متعدد المواضع، والآخر متعدد المواضع، وإليك بيانهما:

الضرب الأول: وهو غير متعدد المواضع

وقد جاء في كلمة واحدة، في موضع واحد ليس له ثان في القرآن الكريم، وهي: ((لَاتَ)) مع ((حِينَ)) في قوله تعالى: ((وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ)) [ص: ٣] فقد اختلفت فيها المصاحف؛ فرسمت في بعضها بقطع التاء عن كلمة: ((حِينَ)) ورسمت في البعض الآخر بالوصل، والصحيح قطعها عنها.

الضرب الثاني: وهو متعدد المواضع

وينحصر في سبع عشرة كلمة، هي:


٢.٢ قاعدة الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ


اعلم -نفعنا الله وإياك- أن جميع ما في كتاب الله -عز وجل- من قوله ((إِنَّمَا)) فهو في المصحف الشريف موصولٌ، إلا في موضعٍ واحدٍ، وهو قوله تعالى في سورة "الأنعام": ((إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ)) [الأنعام: ١٣٤] فإنه مقطوعٌ لا غير.
واختلفوا في قوله تعالى: ((إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ)) [طـه: ٦٩] فكُتِبَ في بعض المصاحف مقطوعًا، وكُتِبَ في بعضها موصولًا، والأصل في ذلك أن يُكْتَبَ مقطوعًا إذا كانت ((مَا)) في معنى "الذي"، وإذا كانت ((إِنَّمَا)) أداة أن يُكْتَبَ موصولًا.