٣.٨ من قول الناظم:"أَسْمَائِهِ رُهْبَانَهُمْ" إلى: مَعَ مَسَاكِنٍ تَزَّاوَرُ


شرح قول الناظم
أَسْمَائِهِ رُهْبَانَهُمْ مَوَازِين وَمُنصِفٌ بِصَاحِبٍ يُضَاهُون
وَلمْ تَجِئْ فِي سُوَرِ التَّنْزِيلِ إِلَّا بِلامِ الجَرَّ فِي التَّنْزِيلِ

أخبر الناظم في الشطر الأول عن أبي داود بحذف ألف "أَسْمَائِهِ" و"رُهْبَانَهُمْ" و"مَوَازِين".
أما لفظ "أَسْمَائِهِ" ففي قوله -جل وعلا-: ((وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ)) [الأعراف: ١٨٠] وقيده بالمجاور وهو الضمير احترازًا عن الخالي عنه نحو: ((مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا)) [يوسف: ٣٩] ونحو قوله -جل وعلا-: ((لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)) [الحشر: ٢٤].
وأما لفظ "رُهْبَانَهُمْ" ففي قوله تعالى: ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)) [التوبة: ٣١] وقيده بالإضافة احترازًا من الخالي عنها نحو قول الله تعالى: ((إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ)) [التوبة: ٣٤] فإن ألفه ثابتة, وأما المنَكَّر فلم يقع إلا خارج الترجمة, وذلك في قوله تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً)) [المائدة: ٨٢] فإن ألفه ثابتة.

٣.٨ من قول الناظم:"أَسْمَائِهِ رُهْبَانَهُمْ" إلى: مَعَ مَسَاكِنٍ تَزَّاوَرُ


وأما "مَوَازِين" تحذف ألفه حيث وقع وكيف جاء نحو قوله تعالى: ((وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ)) [الأعراف: ٨-٩] وأيضًا جاء هذا اللفظ في "سورة المؤمنون" وفي "سورة الأنبياء". والعمل على ما لأبي داود من الحذف في الألفاظ الثلاثة المذكورة.
ثم أخبر الناظم عن صاحب (المنصف) بحذف الألف في كلمة "صَاحِب" فقال: "وَمُنصِفٌ بِصَاحِبٍ يُضَاهُون".
وأيضًا كلمة "يُضَاهُون" ثم أخبر بأن صاحب (المنصف) لم يجيء بالحذف في كتاب أبي داود المسمى بالتنزيل إلا مقترنًا بلام الجر حال كونه في سور التنزيل -أي القرآن الكريم- ففَاعِل "يجيء" ضمير عائد على "صاحب" لا على "يضاهون" وإن كان أقرب منه؛ لأن الذي ورد مقترنًا بلام الجر هو "صاحب" لا "يضاهون".
أما "صَاحِب" فتحذف ألفه حيث وقع وكيف جاء نحو ((إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ)) [التوبة: ٤٠] وفي قوله تعالى: ((فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ)) [الكهف: ٣٤] وفي قوله جل وعلا: ((قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ)) [الكهف: ٣٧] وفي قوله تعالى: ((وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ))
[النساء: ٣٦].

٣.٨ من قول الناظم:"أَسْمَائِهِ رُهْبَانَهُمْ" إلى: مَعَ مَسَاكِنٍ تَزَّاوَرُ


وأما "يُضَاهُونَ" ففي قوله تعالى: ((وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)) [التوبة: ٣٠] وهذا الموضع لا ثاني له في القرآن الكريم.
وأما "صَاحِب" المقترن بلام الجر المحذوف لأبي داود و(المنصف) ففي موضعين: أحدهما: ((إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ)) والآخر: ((فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ)).
والعمل على الحذف في "يُضَاهُونَ" وفي لفظ "صَاحِب" حيث وقعا في القرآن الكريم سواء كان مجرورًا باللام أم لا.
وأما "وَصَاحِبْهُمَا" من قوله تعالى: ((وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً)) [لقمان: ١٥] فلا تشمله عبارة الناظم، لماذا؟ لأن الناظم نطق بـ"صَاحِب" محركًا منونًا وأما لفظ "وَصَاحِبْهُمَا" ليس محركًا ولا منونًا, والعمل فيه على الإثبات.
وأما "وَصَاحِبْهُمَا" من قوله تعالى: ((وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً)) [لقمان: ١٥] فلا تشمله عبارة الناظم، لماذا؟ لأن الناظم نطق بـ"صَاحِب" محركًا منونًا وأما لفظ "وَصَاحِبْهُمَا" ليس محركًا ولا منونًا, والعمل فيه على الإثبات.


٣.٨ من قول الناظم:"أَسْمَائِهِ رُهْبَانَهُمْ" إلى: مَعَ مَسَاكِنٍ تَزَّاوَرُ


شرح قول الناظم
وَفِيهِ أَيْضًا جَاءَ لَفْظُ كَاذِبْ مِيقَاتُ مَعْ مَشَارِقٍ مَغَارِبْ
كُلًّا وَقَدْ جَاءَ كَذَاكَ فِيهِمَا لَدَى المَعَارِجِ وَلَكِنْ عَنْهُمَا

أخبر الناظم -رحمه الله تعالى- عن أبي داود بحذف ألف لفظ "كَاذِبْ" و"مِيقَاتُ" و"مَشَارِق" و"مَغَارِبْ" وعن أبي عمرو بحذف الألف في "مَشَارِق" و"مَغَارِبْ" بـ"سورة المعارج" كما يحذفهما أبو داود.
أخبر الناظم -رحمه الله تعالى- عن أبي داود بحذف ألف لفظ "كَاذِبْ" و"مِيقَاتُ" و"مَشَارِق" و"مَغَارِبْ" وعن أبي عمرو بحذف الألف في "مَشَارِق" و"مَغَارِبْ" بـ"سورة المعارج" كما يحذفهما أبو داود.
وأما "مِيقَاتُ" ففي قوله جل وعلا: ((فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً))، ((وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا)) [الأعراف: ١٤٢-١٤٣] بهذا نعلم أن كلمة "مِيقَاتُ" جاءت في في "سورة الأعراف" محذوفة الألف عند أبي داود, وهذا اللفظ متعدد ومنوع, وقد نص في (المقنع) على إثبات ألف هذا الوزن, ويندرج في إطلاق الناظم ((مِيقَاتاً)) من قوله تعالى: ((إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً)) [النبأ:١٧] أيضًا هذه اللفظة مندرجة في إطلاق الناظم لكلمة "مِيقَاتُ".


٣.٨ من قول الناظم:"أَسْمَائِهِ رُهْبَانَهُمْ" إلى: مَعَ مَسَاكِنٍ تَزَّاوَرُ


وأما "مَشَارِقَ" و"مَغَارِبَ" ففي قوله جل وعلا: ((وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)) [الأعراف: ١٣٧] وفي قوله جل وعلا: ((رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ)) [الصافات: ٥].
وأما "مَشَارِقَ" و"مَغَارِبَ" المحذوفان للشيخين ففي قوله تعالى: ((فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ)) [المعارج: ٤٠].
والعمل على ما لأبي داود من الحذف في الألفاظ الأربعة المذكورة حيث وقعت.
والضمير في قول الناظم "وفيه" من قوله: "وَفِيهِ أَيْضًا جَاءَ لَفْظُ كَاذِبْ" يعود على "التنزيل" الأخير وقوله: "كُلًّا" من قول الناظم: "كُلًّا وَقَدْ جَاءَ كَذَاكَ فِيهِمَا" حال من "مشارق ومغارب" وفاعل "جاء" الثاني ضمير الحذف و"لدى" من قول الناظم -رحمه الله تعالى: "لدى المعارج ولكن عنهما" بمعنى "في" أي كأنه يريد أن يقول: كلا وقد جاء كذاك فيهما في المعارج ولكن عنهما.

شرح قول الناظم
وَكَاذِبُ فِي زُمَرٍ والْكَافِرُ فَي الرَّعْدِ مَعَ مَسَاكِنٍ تَزَّاوَرُ


٣.٨ من قول الناظم:"أَسْمَائِهِ رُهْبَانَهُمْ" إلى: مَعَ مَسَاكِنٍ تَزَّاوَرُ


أقول: أخبر الناظم -رحمه الله تعالى- عن الشيخين بحذف ألف "كَاذِبْ" الواقع في "سورة الزمر" وألف "الْكَافِر" الواقع في "سورة الرعد" وألف "مَسَاكِنُ"و"تَزَّاوَرُ".
أما "كَاذِبْ" ففي: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)) [الزمر: ٣] هذه الألف الواقعة في لفظ "كَاذِبٌ" محذوفة عند الشيخين, وقد تقدم حذف "كَاذِبٌ" لأبي داود, وأعاده هنا لموافقة أبي عمرو له على حذفه في خصوص "سورة الزمر" فتنبه.
وأما لفظ "الكَافِر" ففي: ((وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)) [الرعد: ٤٢] وقد قُرئ في السبع بضم الكاف وفتح الفاء مشددةً وألف بعدها على الجمع, ((وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)) وعلى كلتا القراءتين فألف هذه الكلمة محذوفة, وهي في قراءة نافع وغيره بعد الكاف, وفي قراءة أبي عامر ومن معه بعد الفاء, والقراءتان هما: ((وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ)) "وَسَيَعْلَمُ الكَافِرُِ".
واحترز الناظم بقيد السورة عن الواقع في غيرها نحو: ((إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا)) [النبأ: ٤٠] فإن ألفه ثابتة.


٣.٨ من قول الناظم:"أَسْمَائِهِ رُهْبَانَهُمْ" إلى: مَعَ مَسَاكِنٍ تَزَّاوَرُ


وأما "مَسَاكِنَ" فحيث وقع وكيف جاء نحو ((وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا)) [التوبة: ٢٤]، ((وَمَسَاكِنَ طَيِّبَة)) [التوبة: ٧٢]، ((لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ)) [الأنبياء: ١٣]، ((لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)) [سبأ: ١٥] وهو متعدد ومتنوع, وهذا المذكور هنا جمع "مسكن" بفتح أوله وثالثه بمعنى منزل, وليس بين الكاف والنون ياء لا في مفرده ولا في جمعه, والمتقدم في ترجمة البقرة جمع "مسكين" بكسر الميم بمعنى فقير وبين الكاف والنون من جمعه ومفرده ياء.
وقد قرأ حفص وحمزة "فِي مَساكِنِهِمْ " الواقع في "سورة سبأ" بإسكان السين وفتح الكاف من غير ألف بينهما على الإفراد ((مَسْكَنِهِمْ)) وقرأه الكسائي مثلهما إلا أنه كسر الكاف "مَسْكِنِهِمْ" وأما الباقون قرءوا "مَساكنِهِمْ" على الجمع.
وأما "تََزَاوَر" ففي قوله تعالى: ((تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ)) [الكهف: ١٧] ومما أريد أن أنبهك إليه أن الإمام الشامي قرأ ((تَزَاوَر)) بإسكان الزاي وتشديد الراء من غير ألف بينهما؛ فوجه الحذف احتمال القراءتين.
وقد قدمنا أن العمل في "كَاذِب" على حذف ألفه مطلقًا في "سورة الزمر" وفي غيرها.
قوله: "كاذب" وقوله" "والكافر" معطوفان على ضمير المثنى المجرور بفي في البيت قبل, ولكنهما مرفوعان على الكفاية.
وبذا نكون قد انتهينا من بيان "كَاذِبْ" الواقع في "سورة الزمر" و"الْكَافِر" الواقع في "سورة الرعد" و"مَسَاكِنُ" و"تَزَاوَر".