٤.٧ من قول الناظم: "كَذَا تَعَالَى عَاقَدَتْ" إلى: قُلْ والبُهْتَان


شرح قوله الناظم: "كَذَا تَعَالَى عَاقَدَتْ وَالْخُلْفُ..." البيت
قال الناظم -رحمه الله تعالى-:
كَذَا تَعَالَى عَاقَدَتْ وَالْخُلْفُ كَذَا تَعَالَى عَاقَدَتْ وَالْخُلْفُ

أخبر الناظم -رحمه الله تعالى- عن شيوخ النقل كلهم حسبما اقتضاه التشبيه بحذف الألف الأولى من لفظ ((تَعَالَى)) أي الواقعة بعد العين حيث وقعت نحو: ((سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ)) [الأنعام: ١٠٠] ((سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [يونس: ١٨] ولا يندرج فيه ((تَعَالَوا)) و((تَعَالَين)) فإن ألفهما ثابتة.
وألف "عَاقَدَتْ" في قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)) [النساء: ٣٣] وهذه الكلمة وهي: ((عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)) قد قرأها الكوفيون بحذف ألف "عَقَدَتْ"، وقرأ الباقون: "عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ"، ولعل هذا الحذف لاحتمال القراءتين.
واتفقوا على نقل خلاف المصاحف في حذف وإثبات ألف ((أَرَأَيْتَ)) و((أَرَأَيْتُمْ)) المسبوقين بهمزة استفهام حيث وقعا وكيف جاءا نحو: ((أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى)) [العلق: ٩، ١٠] ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ)) [الأنعام: ٤٦].

٤.٧ من قول الناظم: "كَذَا تَعَالَى عَاقَدَتْ" إلى: قُلْ والبُهْتَان


واندمج في ((أَرَأَيْتَ)): ((أَفَرَأَيْتَ)) و((أَرَأَيْتَكَ)) و((أَرَأَيْتَكُمْ)) كما اندرج في ((أَفَرَأَيْتُمْ)) ولا يدخل نحو: ((وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ))
[الإنسان: ٢٠] لماذا؟ لأنه مما خلا من همزة الاستفهام؛ إذن الخالي عن همزة الاستفهام لا يدخل تحت هذه القاعدة أو تحت هذا الحذف.
نافعًا قرأ ((أَرَأَيْتَ)) [العلق: ١٣] و((أَرَأَيْتُمْ)) [الأنعام: ٤٦] وما اندرج فيهما بتسهيل الهمزة المتوسطة بين بين أي: يقرؤها هكذا: "أَرَأَيْتُمْ"، "أَرَهَيْتُمْ"، "أَرَأَيْتَ" وهكذا، ورُوي عن ورش أيضًا إبدالها ألفًا يقرؤها هكذا: "أَرَايْتَ"، وقرأ الكسائي بحذفها -أي: بحذف هذه الهمزة- يقرؤها: "أَرَيْتَ"، وأما الباقون من السبعة فيقرءون بتحقيقها.
وكلام الناظم على حذف الألف في "أَرَأَيْتَ" و"أَرَأَيْتُمْ" إنما هو باعتبار قراءتهما بألف بين الراء والياء، وهي إحدى الروايتين المتقدمتين عن ورشٍ أي: أن ورشًا يقرأ مرة بالتسهيل ومرة بالإبدال، ويلزم من حذف الألف في هذه الرواية عنه حذف صورة الهمزة في الروايات الأخرى عنه، وفي رواية من همز وجهًا واحدًا كقالون ضرورةً أن الألف عند من قرأ بها مُبدَلة من الهمزة فيلزم من حذف الألف لمن أبدل حذف صورة الهمزة لغيره.
والعمل عندنا على حذف ألف "أَرَأَيْتَ" و"أَرَأَيْتُمْ" وما اندرج فيهما في جميع القرآن الكريم.
واسم الإشارة في قول الناظم: "كَذَا تَعَالَى" يعود على "هُمْ عَلَى أثَارِهِمْ" في البيت الواقع قبل هذا البيت، وهو المشبه به.

٤.٧ من قول الناظم: "كَذَا تَعَالَى عَاقَدَتْ" إلى: قُلْ والبُهْتَان


وقوله: "لَدَى" بمعنى في، وأتى بـ"أرَيْتَ" و"أرَيتُمْ" من غير ألف بين الراء والياء على قراءة الكسائي؛ لعدم اجتماع الساكنين في حشو الرجز، وقوله: "عُرِفْ" بضم العين مصدر بمعنى معروف خبر عن"الْخُلْفُ".

شرح قول الناظم
وَجَاعِلُ اللَّيْلِ وَأُولِي فَالِقْ وَحَذْفُ حَسْبَانًا وَلَفْظِ خَالِقْ

بِمُنْصِفٍ..........

أخبر الناظم عن اتفاق الشيوخ على نقل خلاف المصاحف في حذف وإثبات ألف "جَاعِل" المجاور للفظ ((اللّيْل)) في قوله: ((وَجَاعِلُ اللَّيْلَ سَكَناً)) [الأنعام: ٩٦] وقد قرأه الكوفيون بفتح العين واللام من غير ألف وبنصب اللام من الليل هكذا: ((وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً)) أما الباقون فيقرءونه على وزن (فَاعِل) مع كسر "الليل" فيقرءون هكذا: "فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَناً".
وخرج: ((وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ)) [آل عمران: ٥٥] و((جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً)) [فاطر: ١] ممّا لم يجاور لفظ "اللّيْل" لثبوت ألفهما من غير خلاف. أما قول الله تعالى: ((إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)) [البقرة: ٣٠] فلا يدخل في هذه الترجمة؛ لتقدم ترجمته عليها وهو ثابت الألف.

٤.٧ من قول الناظم: "كَذَا تَعَالَى عَاقَدَتْ" إلى: قُلْ والبُهْتَان


فاحترز "بجَاعِل" المجاور لـ"الليْل" عمّا جاء غير مقترن بـ"الليْل".
واتفق الشيوخ على نقل خلاف المصاحف في حذف وإثبات ألف ((فَالِقُ)) الأولى في قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى)) [الأنعام: ٩٥] واحترز في الأولى عن الثانية فيها وهي: ((فَالِقُ الإِصْبَاحِ)) [الأنعام: ٩٦] والخلاف فيها خاص بأبي داود في قوله الآتي:

وَجَاءَ خُلْفُ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَحَذْفُ حسْبَانًا وَلَفْظِ خَالِقْ

واستحب أبو داود حذف الألف في "جَاعِلُ اللَّيْلِ" وبالحذف فيه وفي ((فَالِقُ الْحَبِّ)) جرى عليه العمل.

ثم أخبر الناظم بوقوع حذف ألف ((حُسْبَاناً)) المنصوب المنون، وحذف ألف لفظ ((خَالِقْ)) في كتاب (المنصف):
أما ((حُسْبَاناً)) ففي قوله -سبحانه وتعالى-: ((وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً)) [الأنعام: ٩٦] وأيضًا: ((وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنْ السَّمَاءِ)) [الكهف: ٤٠] وخرج بـ((حُسْبَاناً)) المنصوب المنون ما وقع في قول الله تعالى: ((الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ)) [الرحمن: ٥] فإن ألفه ثابتة؛ لأنه لم يأت منصوبًا ولا منونًا.

٤.٧ من قول الناظم: "كَذَا تَعَالَى عَاقَدَتْ" إلى: قُلْ والبُهْتَان


وأيضًا ألف ((خَالِقُ)) حيث وقع وكيف جاء نحو: ((لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)) [الأنعام: ١٠٢] ((هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)) [فاطر: ٣] ((الْخَالِقُ الْبَارِئُ)) [الحشر: ٢٤] وترك الناظم لأبي داود حذف ألف ((خَالِقُ)) بـ"الحشر" مع نصه في (التّنْزِيل) عليه، ووزن "حُسْبَان" و"خَالِق" (فُعْلان) و(فَاعِل) وألفهما ثابت عند أبي عمرو كما سيأتي ذلك.
والعمل عندنا على الحذف في "حُسْبَانًا" المنصوب المنون وفي لفظ "خَالِق" حيث وقعا.
وقوله: "جَاعِلُ اللّيْلِ" عُطِفَ على "أَرَأَيْتَ" و"أُولِي" عُطِفَ على "جَاعِلُ اللّيْلِ"، ولفظ "خَالِق" بالخفض عُطِفَ على "حُسْبَانًا"، والباء في قوله: "بِمُنْصِفٍ" بمعنى في أي: في مُنْصِفٍ.

شرح قوله الناظم
........ وعَامِلٌ والإِنسَانُ قَدْ ضُمِنّا التّنْزِيلَ قُلْ والبُهْتَان


٤.٧ من قول الناظم: "كَذَا تَعَالَى عَاقَدَتْ" إلى: قُلْ والبُهْتَان


أخبر الناظم -رحمه الله تعالى- عن أبي داود بحذف ألف "عَامِل"، وحذف ألف "الإِنسَانُ"، وحذف ألف "البُهْتَان".
أما "عَامِل" ففي قوله تعالى: ((أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ)) [آل عمران: ١٩٥] ((إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ)) [هود: ٩٣] وظاهر إطلاق الناظم يفيد حذف ألف "عَامِل" عند أبي داود حيث وقع، وليس كذلك، لماذا؟ لأنه قد نص في (التّنْزِيل) على إثبات الألف في قوله تعالى: ((إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ)) [الأنعام: ١٣٥].
وأما لفظ "الإِنسَان" فقد جاء أيضًا محذوف حيث وقع وكيف جاء نحو: ((وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)) [النساء: ٢٨] ((وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)) [الإسراء: ١٣].
وكذلك "بُهْتَان" حيث وقع وكيف جاء، يعني: سواء جاء مرفوعًا أم منصوبًا أم مجرورًا محذوف الألف عند أبي داود نحو: قول الله تعالى: ((أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً)) [النساء: ٢٠] ((وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ)) [الممتحنة: ١٢].

وقول الناظم: "ضُمِنّا" فعل ماض مبني للنائب متعدٍ إلى مفعولين: أولهما: ألف الاثنين المتصلة به العائدة على لفظ "عَامِل" و"الإِنسَان" وهي نائب فاعلٍ، وثانيهما: قوله: "التّنْزِيلَ"، ومعنى "ضُمِنّا" أودع.