١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


إن سياق القرآن لقصص أنبيائه ورسله، لم يذكر نَسَب أحد منهم أو تاريخ رسالته، إنما يسمي الأنبياء بأسمائهم، ولم يذكر إلّا يحيى وذكر أباه زكريا، على أن ذلك آية من آيات الله؛ إذ رزق بيحيى على الكبر بعد أن وهن منه العظم واشتعل الرأس شيبًا، ووصلت امرأته إلى سنِّ اليأس،
وإبراهيم ذكَر القرآن أن أباه آزر، وأيضًا ذكر إسماعيل وأن أباه إبراهيم -عليهما السلام، فذكر نسب الأنبياء ليس من أغراض القرآن، إنما المقصود هو موطن العبرة في دعوته، وماذا فيها من معالم الهداية، وماذا كان من أمر هذا الرسول وأمر قومه.
فقد ذكر المؤرخون ومن يكتبون في قصص الأنبياء نسب هؤلاء الأنبياء وأين كانت دعوتهم، فذكر ابن كثير في قصص الأنبياء أنّ نوحًا هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ -وهو إدريس- بن يرد بن مهلاييل بن قنين بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر -عليه السلام، وقد أرسله لقومه بعد أن تغيّرت معالم الحق، وضلّ الناس طريق العبادة، وهذا شأن الله مع خلقه، لا يتركهم يتخبطون في دياجير الباطل، إنما يرسل إليهم رسل، وينزل إليهم الكتب، وكلما ذهب رسول وانحرف الناس بعده في فترة تطول أو تقصر، أرسل الله رسولًا آخر، إما على ما أنزل الله على الرسول السابق من كتاب، فيظهر حقائقه ويبين معالمه ويدعو أمته إلى العودة والالتزام بهذا الكتاب، أو ينزل الله على هذا الرسول كتابًا آخر، إلى أن ختمت الرسالات والنبوات بمحمد -صلى الله عليه وسلم، وختمت الكتب المنزلة بالقرآن الكريم.

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


ذكر ابن جرير الطبري أنّ مولد نوح كان بعد وفاة آدم بمائة وستة وعشرين عامًا، وأنه بعِثَ وهو ابن ثلاثمائة وخمسين، وقيل غير ذلك، وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين، وقيل: إن مدة عمره ألف سنة إلّا خمسين عامًا قبل البعثة وبعدها وبعد الغرق، يقول ابن كثير: فالله أعلم.
وهذه المدة التي ذكرها ابن جرير قد يكون الأصح منها ما رواه ابن حبان وصححه، من حديث أبي أمامة أن رجلًا قال: أنبي كان آدم؟ قال: ((نعم)) وفي رواية: ((نعم نبي مكلّم)) أي أن الله كان يكلمه، قال: فكم بينه وبين نوح؟ قال: ((عشرة قرون)).
وأقرب ما قيل في مدة وعمر نوح ما رُوي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "بعث نوح وهو لأربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان ستين عامًا حتى كثروا وفشوا، والمدة المحققة التي لا شك فيها، هي مدة بعثته والتي وردت في قول الله تعالى: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ، فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ)) [العنكبوت:١٤، ١٥].
وموطن العبرة هو الذي يقصده القرآن، وذلك يتحقّق بذكر مدة بعثته، وأنها هذه القرون المتطاولة، ومع ما بذل نوح في دعوته من جهود، إلّا أن عدد المؤمنين به لم يتجاوز عدّ الأصابع، قال تعالى: ((وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ)) [هود: ٤٠] وكم في ذلك من تسلية وتسرية وتطمين لقلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، الذي آمن به مع قلة عدد السنوات التي أمضاها في مكة، إلى أن نزلت عليه سورة العنكبوت،...

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


...التي منها هذه الآية، بل إن منها من آمن برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سنوات معدودات، يصل إلى أضعاف من آمن بنوح -عليه السلام.
وقد ذكر اسم نوح في القرآن ثلاثًا وأربعين مرة، وبجمع الآيات التي ورد فيها الاسم نستطيع أن نعرض الكثير من نماذج دعوته، فنرى ما دعا إليه وكيف دعا قومه لذلك، فلنتابع الآيات، أو بعض هذه الآيات، كما جاءت في القرآن الكريم، بدءًا من أول ذكر لنوح إلى آخر مرة ذكر فيها، في سورة سميت باسمه وهي سورة نوح، وقد ورد أول ذكر لنوح في القرآن ثناءً عليه في جملة من أثنى عليهم ربنا؛ حيث قال: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) [آل عمران:٣٣، ٣٤].
وهذا الاصطفاء اختيار من الله لمن ذكرهم -جلّ وعلا- لحكم يعلمها سبحانه، ومن اصطفاهم واستخلصهم من خلقه، أحاطهم برعايته وعنايته، حتى جعلهم أهلًا لحمل رسالته، فكان من أوائلهم بعد آدم نوح -عليه السلام، بل إنه أول رسول أرسله الله لأهل الأرض.
وفي سورة النساء يذكر الله نوحًا في جملة من أوحى إليهم بوحيه فيقول: ((إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا)) [النساء: ١٦٣].

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


والمقصود من الآية: إثبات صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما بلّغ عن ربه، وأنه ليس بدعًا من الرسل، وأول حديث عن دعوة نوح نقرؤه في سورة الأعراف، وفي ست آيات يلخّص الله ما كان من أمر نوح، وما آل إليه حال قومه.
وتأتي قصته في السورة أوّل قصة لتتوالى بعدها قصص هود وصالح ولوط وشعيب وموسى -عليهم السلام، على اعتبار أنه أوّل الرسل، وقبل هؤلاء جميعًا، ولكنك تلحظ أنّ الحديث عن القصة يأتي مفصولًا عن الآيات السابقة فصلًا بيانيًّا، فيقول ربنا: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا)) [الأعراف: ٥٩] أما بعد ذلك فترى واو العطف ((وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا)) [الأعراف: ٦٥] ((وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا)) [الأعراف: ٧٣] ((وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ)) [الأعراف: ٨٠] ((وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا)) [الأعراف: ٨٥] ((ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى)) [الأعراف: ١٠٣]، وكأنه بعد أن ذكر قصة آدم في أول السورة، ونادى أبناء آدم أربع مرات، وبَيّن أحوال أهل الجنة وأهل النار، وذكر قدرته في إرسال الرياح بشرًا بين يدي رحمته، وأن الأرض وهي تستقبل ماء المطر قد تكون أرضًا طيبة يخرج نباتها طيبًا زاكيًا بإذن ربها، وقد تكون أرض سبخة لا يخرج نباتها إلّا ضعيفًا هزيلًا، وهكذا البشر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيثًا أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)) متفق عليه.

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


بعد أن ذكر هذا كأن سائلًا سأل فقال: هل من أمثلة من الأمم التي أرسل الله لها الأنبياء، فاستجاب لهم من استجاب وكفر بهم من كفر، فقال تعالى: ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ)) [هود: ٢٥] فذكر قصته وما بعدها من هذا القصص العظيم، وفي الآيات التي ذكرت ما كان من أمر نوح على وجازتها، تلمح معالم دعوته وإلى ما دعا وكيف دعا، فأنت ترى في التعبير القرآني ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا)) [المؤمنون: ٢٣] أنّ هذا التعبير يذكَر في عدة مواضع هنا في الأعراف، وفي هود، وفي المؤمنون، وفي العنكبوت، وفي الحديد، وأخيرًا في مطلع سورة نوح، وفي هذا التعبير ترى اللام الموطئة للقسم، وقد، وذلك لتحقيق وقوع ذلك، وفيه أيضًا إسناد الإرسال إلى ضمير المعظم لنفسه: أرسلنا، مما يدل على عظمة المرسِل وهو الله، المتصف بصفات الجلال والكمال.
وهذا أول معلم في معالم الدعوة، ألا وهي الاستناد إلى قوة القوي العزيز، الذي اختار رسله وأرسلهم إلى أممهم، وهذا المعلم يجب أن يكون نورًا هاديًا للدعاة والمرسلين، حين يستعلون بالحق الذي معهم، والسند الذي يركنون إليه، فلا يهون الواحد منهم، ولا يذل، ولا يشعر بالانكسار والدونية، إنما يشعر بالعزة المستمدة من عزة الله، كما قال تعالى: ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)) [فاطر: ١٠] وكما قال: ((وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)) [المنافقون: ٨] وقد ذكرت هذا كما تعلمون في صفات الداعية ومسلكه في دعوته.

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


والآيات هنا وفي كثير من المواضع، تذكر أن نوحًا أرسله الله إلى قومه فقال: ((يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) [الأعراف: ٥٩] والقوم مَن تستعين بهم من الأهل والعشيرة، ومن يكونون عونًا لك على الزمان وتقلبات الأيام، وفي هذا عدة دروس، منها: طريقة نوح، بل وطريقة الأنبياء في الدعوة إلى الله، بالتودد لهم، واستجاشة مشاعرهم، وتذكيرهم بحق القرابة، وما تفرضه من تناصر، وفي خذلان من يدعوهم إلى الخير ويرشدهم إلى ما فيه سعادتهم غصة وألم، كما قال الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد غضاضة
على النفس من وقع الحسام المهند
ولذلك جأر رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى ربه، يشكو له هجر قومه للقرآن فقال ما ذكره الله تعالى: ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَب إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)) [الفرقان: ٣٠].
ومن هذه الدروس: أن كل نبي كان يرسل إلى قومه خاصة، وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس عامة، وقد قدم نوح كغيره من الأنبياء هذه الدعوة مشفوعة بدليلها، ودليلها في قوله لهم: ((مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ))؛ لأن غيره لا يصلح أن يكون إلهًا، فالإله كلمة مأخوذة من وَلِهَ إذا تحير، والوله استيلاء الحب على قلب المحب وعقله وفؤاده، أو الإله من أله إلى فلان، أي: سكن إليه واطمأن، أو من أله إليه إذا فزع من أمر نزل به، وآلههم غيرهم إذا أجارهم، فهل تستطيع ذلك أصنامهم التي يعبدونها من دون الله، وهي أحجار نحتوها...

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


...بأيديهم وناصبوها واعتقدوا أنها وسائط تقربهم إلى الله زلفى، فلو تأملوا أدنى تأمل لعلموا أن الخالق الرازق، المحيي المميت، من بيده ملكوت السماوات والأرض، هو الإله المستحق للعبادة دون غيره، وهو الإله الذي يجدر أن تتعلق به القلوب، وأن تسكن إليه وتطمئن، ومن يجيب المضطر إذا دعاه.
ومن العجيب أنهم يعلمون ذلك ولا ينكرون ربوبيته، فهو ربهم، ولكنهم يرفضون ألوهيته فلا يتألهون له، إنما يتجهون بعبادتهم وحياتهم إلى غير الإله الحق، وهذا الذي بدأ به نوح دعوته هو الأساس الذي يشاد عليه البناء، وهو البداية التي تؤدي إلى حياة كريمة في الدنيا والآخرة، ولذلك أتى كل نبي ورسول يرُدّ أمته إلى هذا الطريق، ويدعوهم إلى عبادة الله وحده، كما قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)) [الأنبياء: ٢٥] فهو اعتقاد يترتب عليه عمل، اعتقاد في الله ربًا وإلهًا، وعمل يتمثل في العبودية لله.
يقول ابن القيم: "فاعلم أن سرَّ العبادة وغايتها وحكمتها إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب -عز وجل- ولم يعطلها، وعرف معنى الإلهية وحقيقتها، ومعنى كونه إلهًا، بل هو الإله الحق، وكل إله سواه فباطل، بل أبطلُ الباطل، وأن حقيقة الإلهية لا تنبغي إلا له، وأن العبادة موجب ألوهيته وأثرها ومقتضاها، وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات بالصفات، وكارتباط المعلوم بالعلم، والمقدور بالقدرة، والأصوات بالسمع، والإحسان بالرحمة، والعطاء بالجود.

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


فتأمل طريقة الأنبياء في الدعوة إلى الله، وكيف يبدءون بالأهم، بل بما لا فائدة لقول أو عمل إلا به، وأن طريقتهم في دعوتهم تقوم على الدليل، الذي يحاصر العقل فلا يجد له مناصًا إلّا أن يسلّم به ويستسلم، ولا يرفض ذلك إلّا من لا عقل له، ولذلك ترى القرآن حين يعرض أدلته، ويذكر إعراض المشركين عنها يقول: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ)) [الحشر: ١٤] أو يقول: ((صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)) [البقرة: ١٧١] أو يقول: ((لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)) [الأعراف: ١٧٩]، ويقول: ((إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ)) [الأنفال: ٢٢] ويقول: ((أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)) [الفرقان: ٤٣، ٤٤].
والأمر الثاني الذي دعا إليه نوح -عليه السلام- هو الإيمان باليوم الآخر، وله في الدعوة إلى ذلك طريقة فذة، هي طريقة أنبياء الله ورسله في إيقاظ العقل والقلب والمشاعر؛ لتؤمن بالبعث بعد الموت، وما يسبق البعث من لحظات الانتقال من الدنيا، والانتقال للقبر وما يكون فيه، ثم ما يكون في البعث من حشر للمخلوقات، وميزان وسؤال وصراط وجنة ونار، ترون طريقة نوح في ذلك في قوله لقومه: ((إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) [الشعراء: ١٣٥] فدعاهم إلى العبودية لله وألا يتخذوا من دونه آلهة، وخوفهم من عذاب الله يوم القيامة بما أعده الله للمشركين، فأثبت بذلك الإيمان بيوم البعث والحساب، وساق ذلك في أسلوب الحريص عليهم، الذي يخاف على قومه من...

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


...سوء الحساب.
وإذا كان الإنسان إذا ما نزل ظلم بأحبابه من الأهل والعشيرة يحزن لذلك ويتألم، ويبذل قصارى جهده في دفع هذا الضر، مع أنه ضرر في أمر من أمور الدنيا من صحة أو مال أو ولد، وهذه قد تمر بالصبر عليها ولا يترتب عليها كبير ضرر، حتى لو كان الضرر كبيرًا فهو إلى نهاية، أما أن يعبر الإنسان قنطرة الحياة، ويرد على الكبير المتعال مشركًا به، لا يؤمن بهذا اللقاء، فإن خسارته لا عوض عنها، قال تعالى: ((قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)) [الأنعام: ٣١]، وقال: ((وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)) [يونس: ٤٥].
وقال تعالى في سورة السجدة: ((وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ، قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ، وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ، وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)) [السجدة: ١٠: ١٤].

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


والآيات في ذلك كثيرة، وفي مقام تخويفهم يذكر نوح أنّ عذاب هذا اليوم عظيم، وكلمة اليوم في هذا السياق تعني الزمن المتطاول، الذي يكون فيه إحياء الناس من قبورهم، وما يحدث بعد ذلك حتى يستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ولكنه مع طوله يوم وأيّ يوم، وقد خوفهم نوح بعِظَم هذا اليوم، ولو تأملت لرأيت أن هذا العظم إنما هو للعذاب، لا لليوم الذي فيه العذاب، فهذا من باب المبالغة، وكأنّ العذاب قد انتقلت شدته وعظم ما فيه من الأهوال إلى اليوم نفسه، فإذا أضفت إلى هذا ما تعنيه حروف العين والظاء والميم، من بلوغ الأمر إلى منتهاه، وأضفت إليه وضع هذه الحروف في صيغة المبالغة -عظيم؛ لاستطعت أن تتخيل مدى قوة هذا العذاب وهوله.
فماذا كان من ردِّ قومه عليه؟ وكيف استقبلوا هذه الدعوة الكريمة؟
يتابع القرآن عرض ذلك فيقول: ((قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [الأعراف: ٦٠]، والملأ كما يقول الراغب في المفردات: جماعة يجتمعون على رأي، فيملأون العيون رواء ومنظرًا، والنفوس بهاء وجلالًا، فالملأ عظماء القوم وسادتهم، وهؤلاء عقبة الإصلاح في كل زمان ومكان، ترتعد فرائسهم إذا ما استمعوا إلى دعاة الحق، وتوهموا أنهم سيسلبونهم مكانتهم ومنزلتهم وما فرضوه على الناس من عبودية وتسخير، ولهذا كانت المواجهة عنيفة عبر التاريخ بين هؤلاء المستكبرين الطغاة، ومن أرسلهم الله لخلقه يدعونهم إلى عبادة الله والإيمان باليوم الآخر.

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


وفيما ذكر الله من قصص أنبيائه تقرأ هذه العبارات: ((قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ)) [المؤمنون: ٣٣]، ((قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ)) [الأعراف: ٦٦]، ((قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا)) [الأعراف: ٧٥]، ((قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ)) [الأعراف: ١٠٩]، وهكذا، إنهم أصحاب السلطان والجاه والأموال والمناصب، ليسو على استعداد ليستمعوا مجرَّد استماع إلى هؤلاء الرسل، فضلًا عن أن يدخلوا معهم في دينهم، ليكونوا تبعًا لهؤلاء المرسلين، إنهم القادة والسادة، فكيف يكونون عبادًا لرب العالمين يقتدون بأنبياء الله ورسله، ولهذا قالوا له مؤكدين قولهم: ((إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [الأعراف: ٦٠].
والضلال ضياع وانصراف عن جادة الصواب، وهذا الضلال الذي ذكروه موصوف بأنه مبين، أي: واضح ظاهر لا يحتاج إلى دليل، وحرف الجر في قولهم: ((فِي ضَلَالٍ)) يفيد أنّ الضلال محيط به في نظرهم من كل جانب، بل هو منغمس فيه إلى أذقانه، وإذا كانوا وهم سادة القوم وأهل الرأي فيهم، يرون نبيهم في ضلال مبين كما قالوا: ((إِنَّا لَنَرَاكَ)) فهذا يعني رفض دعوته بقوة، وأنه لا مجال للنقاش معهم في هذا الأمر، فانظر إلى أسلوب نوح في دعوته، وما يمتلك من القدرة على الإقناع لو كانوا يعقلون، لقد أجابهم بقوله: ((قَالَ يَا قَوْم لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)) [الأعراف: ٦١، ٦٢] إلى آخر ما قاله.

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


فناداهم للمرة الثانية مذكرًا لهم بأنّهم قومه، وهل يفرّط عاقل في حق قومه، وهل يقصِّر في إرشادهم إلى طريق السداد والرشاد، كيف وهو جزء منهم! يسعده ما يسعدهم ويشقيه ما يشقيهم، ناداهم بهذه الصفة ليفتح طريقًا إلى قلوبهم وعقولهم، وبَيّن لهم بأنه ليس به ضلالة، وكل ما في الأمر أنه رسول من رب العالمين إليهم، فذكرهم بهذه العبارة بمن رباهم على موائد كرمه، في جملة تربيته للعالمين، وهل ينكر عاقل أنّ الله هو الخالق الرازق، الذي يملك السمع والأبصار، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، وأنه هو الذي يدبّر أمر خلقه، إنهم لا ينكرون ذلك، ولا يستطيع واحد منهم أن يدّعي بأنّ هذا الحجر الذي صوّره بيده وأقامه معبودًا له، يستطيع أن يصنع شيئًا من ذلك، ولذلك قال تعالى: ((وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ، فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)) [النحل: ٧٣، ٧٤].
وانظروا إلى حكمة نوح في دعوته؛ إذ لما قالوا له: ((إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [الأعراف: ٦٠]، فنفى هذا الضلال بأبلغ وجه وأعظمه فقال: ((لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ)) [الأعراف: ٦١]، أي: أدنى ضلالة في أي جانب من الجوانب، فإن ضلالة اسم مرة، أراد أن يثبت رسالته فقال: ((وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ))؛ إذ ربما فهموا أنه حين نفى عن نفسه ما رموه به من الضلال فأجابهم بنفي ذلك فيه، أنه لن يتحدث عن رسالته، فانتهز هذه الفرصة، وأضاف لهم دعوة في أسلوب شيق رائع، ذكر فيه دليلًا من أعظم الأدلة على أنه مرسل إليهم، فذكرهم بالرب الذي رباهم كما ربّى كل الخلائق، ومن عظيم تربيته أنه حين خلقهم لم يتركهم يتخبّطون في هذه الدنيا فيهلكون، إنما أرسل لهم الرسل...

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


...وأنزل لهم الكتب، فإذا ما قال لهم بأنه رسول مرسَل من هذا الرب الكريم، الحليم العظيم، فردوا رسالته، فقد ردوا على الله كرامته لهم ورعايته، ولم يصدقوه سبحانه فيما أرسل إليهم رسوله، وأضاف نوح ما يفيد حرصه عليهم مما يستوجب تصديقه والإيمان برسالته فقال: ((أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)) [الأعراف: ٦٢] فبيّن لهم أمورًا ثلاثة، كل أمر منها يكفي لتصديقه، فما بالك وقد اجتمعت.
أولها: ((أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي)) [الأعراف: ٦٨] وهو لا يخترع كلامًا يزيّنه لهم ويريد أن يحملهم عليه، إنما يبلغ رسالات ربه، والتبليغ بيان في إيضاح، يبذل فيه المبلِّغ كل جهده في توصيل رسالته، وهي هنا ليست رسالة واحدة، إنما هي رسالات، فكل أمر بلغه وكل نهي ذكره وكل نصيحة أسداها هذه رسالة من ربه، كما أنه أيضًا يحمل ما جاء به أبوه آدم، والأنبياء من بعده؛ كإدريس -عليه السلام، وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وشيث -عليه السلام، وقد أنزل عليه خمسون صحيفة، ومع أنه قال: ((وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الأعراف: ٦١] وكان مقتضى السياق أن يقول: أبلغكم رسالاته، إلّا أنه أظهر في موضع الإضمار وأضاف الربوبية له؛ ليقول لهم بأن إحساسه بربوبية الله له توجب عليه أن يجتهد في طاعته، وأن يقوم بتبليغ رسالاته إليهم.
وفي هذه النصائح الثلاثة يعبّر بالفعل المضارع: أبلغكم، أنصح لكم، أعلم من الله؛ ليدل على تجدد هذه الأفعال ودوامها، فهو -عليه السلام- لا يتوانى ولا يتوقف عن تبليغهم ونصحهم وبيان ما أعطاه الله من علم به مما لا يعلمون.

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


وثاني الأمور جاء في قوله: ((وَأَنْصَحُ لَكُمْ)) [الأعراف: ٦٢] أي أبحث عن كل ما فيه مصلحتكم وسعادتكم، فأبينه لكم وأرشدكم إليه، يقول الألوسي: "أصل النصح في اللغة الخلوص، يقال نصحت العسل إذا خلصته من الشمع"، ويقال: هو مأخوذ من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، شبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له، بفعل الخياط فيما يسُدّ من خلل الثوب، وقد يستعمل لخلوص المحبة للمنصوح له، والتحري فيما يستدعيه حقه، وقد قال: وأنصح لكم، دون وأنصحكم؛ ليقول لهم بأن فائدة هذا النصح عائدة عليهم لا على غيرهم، ونصيحته لهم هم الذين ينتفعون بها لا هو، فعليهم أن يقبلوها، فهل يرفض أحد نصيحة من أخلص له في نصيحته،
وأخلص له في محبته، وأخذ يسُدّ خلله ونقصه، حتى يلبس ثوب الحياة قشيبًا سعيدًا، هل يرفض عاقل ذلك؟
أما الأمر الثالث: فهو ما جاء في قوله: ((وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)) [يوسف: ٨٦] فما الذي يعلمه نوح وهم لا يعلمونه،
إنه يعلم عن طريق الوحي من أمر الله وسنته في خلقه، وما يتبع هذه الدنيا من أحوال الآخرة ما لا يعلمون، ويعلم أنّ الله
ذو القوة المتين، وأنه يبطش بالمكذبين المعاندين، وقوم نوح لا يعلمون ذلك لأنهم أول أمة عذبها الله بكفرها، فأزالها من على وجه الأرض، ولم يبق إلّا من آمن مع نوح، وما آمن معه إلا قليل.

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


ويواصل نوح -عليه السلام- تبليغ رسالة ربه، فيسألهم سؤال إنكار وتعجب ليردهم إلى رحاب دين الله فيقول: ((أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) [الأعراف: ٦٣]، فهذه دعوة منه إلى العودة إلى الله، يعرضها في هذا الأسلوب الرائع وبهذا المنهج القويم؛ إذ بعد أن بيّن لهم أنه رسول من رب العالمين، يبلغهم رسالات ربه، وينصح لهم، ويعلم من الله ما لا يعلمون، فهو خائف عليهم لما يعلمه من شدة أخذ الله للظالمين، ومن رحمته بالمؤمنين، بعد ذلك أخذ يعاتبهم متعجبًا من حالهم، ومنكرًا عليهم رفض هذا الخير، الذي جاءهم سهلًا ميسورًا من فيض عطاء الله وفضله، وهذا ما دل عليه قوله: جاءكم، والذي جاءهم ذكر من ربهم، فهي الربوبية إذن بما فيها من الرفق بالعباد، وعدم تركهم هملًا لا يعرفون لهم ربًّا وإلهًا، فتتخطفهم الشياطين، فتضلهم عن السبيل.
ووصف ما أوحاه إليه بأنه ذكر؛ ليقول بأن ما أوحاه الله إليه جاء تذكيرًا وموعظة بليغة ترشدهم إلى الطريق الأقوم والحياة الأكرم، وهل جاء الرسل إلّا ليذكروا الناس بربهم، فإن الفطرة الإنسانية تعرف خالقها، كما جاء في الحديث: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجِّسانه)) الحديث، وفي الحديث القدسي: ((إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم)) أي: حوّلتهم بقوة إلى طريق الكفر بالله.
وهذه الهدية الغالية، وهي وحي الله، صادرة من ربهم على رجل منهم، يعرفونه ويعرفون نسبه وشرفه فيهم، وما له من أخلاق فاضلة وصفات عليه، وهذا الرجل جاء لهم بإذن من الله ينذرهم، والإنذار قول مصحوب بالتخويف والتهديد والوعيد، وقد اكتفى به نوح، فلم يذكر أنه...

١.١٤ دعوة نوح عليه السلام


...جاء لينذرهم وليبشرهم؛ لأن المقام مقام زجر وتخويف.
وأمر آخر يترتب على مجيء نوح إليهم، هو أنه يضعهم على طريق التقوى، والتقوى فعل المأمورات وترك المنهيات، مع الحذر من التقصير في ذلك، والخوف العظيم من عدم قبول العمل، أو هي كما ورد على لسان علي بن أبي طالب –رضي الله عنه، "التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل"، ومن عرف باب التقوى فولجه فاز بالنعيم المقيم في جنات النعيم.
أما الأمر الرابع: فهو رحمة الله التي تعمهم، فيبارك الله لهم فيما أعطاهم، وتجري عليهم أرزاقهم دارة كثيرة، ويحيون في سعادة وأمن وأمان، وينالون رحمة الله الواسعة في الآخرة كما نالوها في الدنيا، فمن الذي يرفض هذا العطاء كله، ومع كل الذي قاله ونصحهم به كذبوه، وكان تكذيبهم دون روية ونظر، كما يفهم من الفاء في قوله: فكذبوه، وكانت النجاة لنوح والذين معه بعد أن: ((أُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ))، وأوحى الله إليه أن يصنع سفينة فصنعها، ولما جاء أمر الله فتح بقدرته السماء بماء منهمر، وفجر الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمر قد قدر، وحمل الله نوحًا ومن معه في سفينة، ذات ألواح ودسر، وأنجى الله هذا النبي ومن آمن معه، وأغرق القوي القادر الذين كذبوا بآيات الله واستحقوا هذا لأنهم كانوا كما قال ربنا: ((قَوْمًا عَمِينَ)) أعمى الله قلوبهم عن معرفته وتوحيده والإيمان بنبيه، فكانوا هالكين.