ملخص الدرس


دعوة نوح عليه السلام: إن أقرب ما قيل في مدة وعمر نوح ما رُوي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "بعث نوح وهو لأربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان ستين عامًا حتى كثروا وفشوا، وموطن العبرة هو الذي يقصده القرآن، وذلك يتحقّق بذكر مدة بعثته، وأنها هذه القرون المتطاولة، ومع ما بذل نوح في دعوته من جهود، إلّا أن عدد المؤمنين به لم يتجاوز عدّ الأصابع، قال تعالى: ((وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ)) [هود: ٤٠] وكم في ذلك من تسلية وتسرية وتطمين لقلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم،
دعوة أبو الأنبياء وخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام: ففي مدرسة سيدنا إبراهيم في الدعوة إلى الله، ما نراه في دعوته لعباد الأصنام وعباد الكواكب، وعباد الأصنام كانوا في العراق في بابل، ومِن عظم البلية أن يكون آزر -والد إبراهيم- هو الذي يصنع الأصنام لقومه، فالمسألة ليست في أبيه الذي يعبد الأصنام، إنما في أبيه الذي يصنع الأصنام، إنه بدأ الدعوة لقومه بأبيه، فوجه إليه الدعوة في أدب ولطف، ومن هذا الدرس يتعلم الدعاة أدب الدعوة إلى الله، وأنها تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن الدعوة تبدأ بالأهل والأقارب.
ولقد أقام عليهم الحجة بطريق عملي لا سبيل لرده، فثارت ثائرتهم وأطفئ عندهم سراج العقل، ولم يبق إلا الكبر والإصرار على الباطل، ولم يجدوا لهم سبيلًا إلا أن يتخلصوا من إبراهيم، ولكن الله القوي القادر القاهر أمر النار أن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم،فماذا كان من أمر إبراهيم في بلاد الشام؟ لقد وجد في مدينة حران، وهي من مدن بلاد الشام، قومًا يعبدون الكواكب فأقام عليهم الحجة، وأظهر لهم أن هذه الكواكب مربوبة لله رب العالمين.

ملخص الدرس


ولم يقل لهم من البداية: إن هذه الكواكب لا تضر ولا تنفع، ولم يقتنع قومه بهذا الدليل الساطع والبرهان القاطع، فأخذوا يجادلونه ويحاجونه قال: ((أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)) [الأنعام: ٨٠-٨٢] وقد عقب الله على ذلك فقال: ((وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)).
دعوة موسى عليه السلام: ولِما في تكرار الحديث عن موسى من بيان لما كان عليه قومه من سوء الطبع وانطماس الفطرة، وانحرافهم عن منهج الله، لقد تولى ملك مصر أحد الفراعنة، وخشي على ملكه منهم، فسامهم سوء العذاب، وولد موسى في هذه المحنة، فأوحى الله لأمه أن تضعه في تابوت -أي في صندوق من الخشب- وأن تلقيه في النيل، وألقى في روعها أن الله سيرده إليها، ويجعله من المرسلين، ودفعته المياه إلى قصر فرعون ((فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)) [القصص: ٨].
وألقى الله محبته في قلب من رآه، وشب موسى في قصر فرعون، فاطلع على كثير من الأحوال وألوان الظلم والجبروت، وبينما هو يسير في المدينة ((فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ)) [القصص: ١٥] فكان هذا سببًا لخروجه خوفًا على نفسه من القتل، وسار إلى مدين، وهناك التقى بشعيب بعد أن سقى لابنتيه...

ملخص الدرس


...ماشيتهما، وتزوج بواحدة من الابنتين، على أن يرعى الماشية لشعيب ثمانية حجج، فإن أتم عشرًا فهذا فضل منه.
وأتم موسى السنوات العشر واصطحب أهله لزيارة أهله وعشيرته وقومه في مصر، وليبلغ موسى رسالته لبني إسرائيل، لابد من استخلاصهم من قبضة فرعون، فلتتجه الدعوة أولًا لفرعون، وليطلب منه موسى أن يترك له بني إسرائيل، ونقرأ ((وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ)) [الأعراف: ١٣٤] أي: العذاب الوارد في الآية السابقة من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ((قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)) [الأعراف: ١٣٤] فموسى إنما جاء لبني إسرائيل، وآمن به مِن آل فرعون بعض مَن يكتم إيمانه، كما آمنت به آسية امرأة فرعون، وهذا موسى ومعه أخاه هارون، يصلان إلى فرعون لتبليغ رسالة ربهما، وموسى ينتقل به من دليل إلى دليل، حتى جاء بالآية الكبرى التي أذهلت فرعون وملأه، حين ألقى موسى عصاه، وأتبع موسى هذه المعجزة بمعجزة أخرى، إذ أخرج يده والتي هي يد ككل الأيدي، يحركها صاحبها حيث شاء، فما إن نزعها من جيبه حتى أضاءت المكان كله، لكن فرعون استكبر عن الحق وادعى أن ما رآه سحر، وأشاروا عليه أن يجمع السحرة ليبطلوا ما رأوه من موسى، وإنما أراد موسى ذلك ليكون خزي فرعون على ملأ من الناس، وتوعدهم فرعون بالعذاب الشديد، فأوحى الله لموسى أن يخرج ببني إسرائيل، فأتبعهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا، فأغرقه الله ونجا موسى ومن معه أجمعين. قال تعالى فيما حل بفرعون وجنوده: ((فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)) [الأعراف: ١٣٦].

ملخص الدرس


دعوة عيسى عليه السلام: ولما ذكر الله أن عيسى سيكون رسولًا لبني إسرائيل، قدم لنا نموذجًا من دعوته، وانتقل الحديث من بيان صفات عيسى، إلى ما سيقوله عيسى لبني إسرائيل، فقد بدأ دعوته بإعلان أنه رسول الله إليهم، كما ذكر الله ذلك في سورة الصف فقال: ((وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)) [الصف: ٦].
وقد يحتاج الرسول لمعجزة تثبت لقومه أنه رسول من الله إليهم، لكن ما كان من أمر بني إسرائيل حين أرسل الله إليهم عيسى، كان في حاجة إلى أن يتسلح عيسى بمعجزات، تثبت صدقه فيما يبلغ عن ربه؛ ولهذا أجرى الله على يد عيسى الكثير من المعجزات؛ كما قال الله: ((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)) [المائدة: ١١٠].
ومع هذه الآيات البينات عاندوه وكذبوه وطاردوه، ودبروا لقتله، ولكن الله حفظ رسوله ونجاه منهم، وألقى شبهه على من دل القوم عليه فقتلوه، واعتقدوا أنهم قتلوا عيسى -عليه السلام- وما علموا أن الله رفعه إليه وكان الله عزيزًا حكيمًا.

ملخص الدرس


دعوة محمد صلى الله عليه وسلم: كان القرآن الكريم هو المعجزة التي تحدى الله بها العرب الفصحاء، إذ طلب منهم متحديًا أن يأتوا بمثله فعجزوا، فانظر إلى هذا المنهج في الدعوة وأنت تتأمل هذا التحدي بمراحله، إلى أن أفحمهم فلم يجدوا إلا اللجاج والعناد.
كما أن طريقة إنزال هذا القرآن، كانت أيضًا منهجًا عظيمًا في الدعوة، ومن هذا ما ذكره صاحب (مناهل العرفان في علوم القرآن) الذي أجاد وأفاد، ومن هذا يتعلم الدعاة كيف يأخذون الناس في رفق إلى الالتزام بهذا الدين، ولا يعني هذا أن ينتقل الداعية على طريقة نزول القرآن منجمًا، فيبدأ بالقول بأن الخمر حلال ثم يحرمها وقت الصلاة، ثم يحرمها تحريمًا عامًا شاملًا كما فعل القرآن.