٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
 |
ولما ذكر الله أن عيسى سيكون رسولًا لبني إسرائيل، قدم لنا نموذجًا من دعوته، وانتقل الحديث من بيان صفات عيسى، إلى ما سيقوله عيسى لبني إسرائيل، فقد بدأ دعوته بإعلان أنه رسول الله إليهم، كما ذكر الله ذلك في سورة الصف فقال: ((وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)) [الصف: ٦].
|
 |
وقد يحتاج الرسول لمعجزة تثبت لقومه أنه رسول من الله إليهم، وإنما أقول: قد يحتاج الرسول لذلك؛ لأن كثيرًا من الرسل الذين ذكرهم الله، لم يذكر أنهم أتوا بمعجزات، فقد ذكر الله آدم ونوحًا وهودًا وشعيبًا وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وداود وسليمان وأيوب ويوسف، وزكريا ويحيى وإلياس واليسع ويونس ولوطًا، ولم يذكر أن واحدًا منهم كانت له معجزة.
|
 |
والطوفان الذي أهلك الله به من أهلك لا يقال بأنه معجزة، كما أن ما كان من عطاء الله لداود وابنه سليمان لا يدخل في المعجزات، لكن ما كان من أمر بني إسرائيل حين أرسل الله إليهم عيسى، كان في حاجة إلى أن يتسلح عيسى بمعجزات، تثبت صدقه فيما يبلغ عن ربه، مما كان في بني إسرائيل من غلظة وشدة وحب للدنيا، أعماهم عن كل فضيلة، وجعلهم يتنكرون لأنبيائهم بل ويقتلونهم، كما قال تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)) [البقرة: ٦١].
|
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
|
 |
وكما قال: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ)) [البقرة: ٨٧].
|
|
 |
كما قال: ((فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا، وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا، وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)) [النساء: ١٥٥-١٥٨].
|
 |
ولهذا أجرى الله على يد عيسى الكثير من المعجزات، ومنها ما ذكره الله في آل عمران والمائدة. قال تعالى في آل عمران: ((وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)) [آل عمران: ٤٩، ٥٠].
|
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
|
 |
إنه يستثير حبهم للتيسير بعد أن كلفهم الله بالتكاليف التي تحتاج إلى العزيمة القوية؛ لما جبلوا عليه من التفلت وعدم التزام أحكام الله، فحين يأتيهم رسول معه كل هذه الدلائل والبراهين، أنه صادق فيما أخبرهم به عن ربه، وذكر لهم أنه جاء يخفف عنهم بعض الذي حرمه الله عليهم، وأنه جاء بالدليل الناصع والبرهان القاطع على صدق قوله، كان عليهم أن يستجيبوا لما ينصحهم به ويدعوهم إليه ((وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)) [آل عمران: ٥٠].
|
 |
فتأمل دقة دعوة هذا النبي الكريم، وهو يذكِّر قومه بما جاءهم به من البينات، ويخبرهم بأن ما جاء به من المعجزات آية، وأي آية!! والتنكير في قوله آية يفيد التعظيم وقد قالها مرتين، هنا وفي الآية السابقة، ولكنه هنا أضاف دليلًا آخر لا ينكرونه، وهو أن هذه الآية العظيمة منشؤها ومصدرها الله سبحانه وتعالى، وهل يماري أحد منهم في ربوبية الله.
|
 |
هل ينكر أحد منهم أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت؟ وهم لا يستطيعون أن ينسبوا شيئًا من ذلك لبشر أو لحجر؛ لأنهم يرون أن البشر أو الحجر أعجز من أن يفعل ذلك، ولهذا انتقل إلى ما يترتب على ما يسلمون به من ربوبية الله، إلى وجوب التوجه له وحده بالعبادة، وأن يطيعوا الرسول فيما دعاهم إليهم فقال: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)) [آل عمران: ٥٠].
|
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
 |
ثم أخذ بأيديهم في رفق وسلك بهم طريق النجاة، وهو يعرفهم بأن الله الذي يدعوهم إلى توحيده في ألوهيته، هو ربه وربهم، وعليهم أن يعبدوه وحده، وتوحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، هو الطريق السوي السهل المعتدل، الذي يؤدي إلى النجاة والسعادة من أقرب طريق، ولهذا قال لهم: ((هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) [آل عمران: ٥١].
فأشار باسم الإشارة هذا، وهو اسم إشارة يشار به إلى القريب، والقرب هنا قرب منزلة ومكانة، وهذا يعني أن الصراط المستقيم قريب من العقل والوجدان؛ لأنه متساوق مع الفطرة، وقد قال تعالى: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) [الروم: ٣٠] ولهذا بكت الله المجرمين يوم القيامة فقال لهم: ((أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ، وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ)) [يس: ٦٠-٦٢].
|
 |
وقد أشار عيسى -عليه السلام- إلى الصراط، فأتى به نكرة، والتنكير يفيد التعظيم، ووصف الصراط بالاستقامة، فدل على أنه مُوصِّل للهدف من أقرب طريق، ومع وضوح هذه الدعوة أحس منهم الكفر، فقال: ((مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)) [الصف: ١٤] وهي طريقة في الدعوة لابد منها، يرسمها الأنبياء لنصرة دين الله. قال أصحابه الخُلَّص وأهل مودته وإن قل عددهم، وقد سماهم عيسى وذكرهم القرآن بأنهم ...
|
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
|
...الحواريون. قالوا: ((نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)) [آل عمران: ٥٢، ٥٣].
|
 |
ونموذج آخر، سورة الصف في قول الله تعالى: ((وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)) [الصف: ٦].
فهو يبدأ دعوته بتذكيرهم، وهو يناديهم بأنهم بنو إسرائيل، وإسرائيل نبي الله يعقوب عبد الله ومصطفاه، ابن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، وبهذا النداء يستجيش فيهم عناصر النخوة والكرامة؛ ليحافظوا على ميراث النبوة، الذي جعله الله فيهم منذ عهد إبراهيم -عليه السلام- يناديهم ليخبرهم أنه رسول الله، فهو حين يبلغ إنما يبلغ عن الله، وطاعته إذًا طاعة لله، ومعصيته معصية لله، وأمر آخر هو أن الله إذ أرسله أرسله لما فيه خيرهم، ولهذا قال: ((إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)) [الصف: ٦].
وهل هناك خير أعظم من معرفة الله ربًا معبودًا وإلهًا مقصودًا، وما يأتي به الرسول من شريعة غراء، تنكشف بها الظلمات ويحيا الناس في ظلها آمنين مطمئنين، وترغيبًا لهم في اتباعه ذكر لهم أنه لم يأت مكذبًا للتوراة، هادمًا لما جاءت به، لكنه جاء مصدقًا لها فيما دعت إليه من توحيد، وما جاءت به من أحكام ثابتة، وإن كان قد أضاف إليها أو عدل في بعض أحكامها بوحي من الله، بعض ما يتناسب مع عصره، ولذلك لما ذكر في المائدة أنه أنزل التوراة فيها هدى ونور، قال في عيسى والإنجيل: ((وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا...
|
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
|
...بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)) [المائدة: ٤٦].
|
 |
ثم قال في القرآن: ((وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ)) [المائدة: ٤٨] ثم بشرهم بنبي آخر الزمان الذي سيختم الله به الرسالات فقال: ((وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)) [الصف: ٦].
فساق لهم بشارة عظيمة، وأخبرهم أن هذا الرسول المبشر به رسول عظيم، وأن اسمه أحمد، ولرسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- عدة أسماء منها أنه أحمد، أي: أحمد الحامدين، وذلك لتتناقل الأجيال من بعد عيسى هذه البشارة، حتى إذا ما أذن الله ببعثته، كان عليهم أن يؤمنوا به، وفي الإيمان به عزة ونجاة.
|
 |
وقد ذكر الله في كتابه أن كل رسول أرسله الله، أوصى أمته أن تؤمن بالنبي الخاتم وأن تنصره؛ إعلاءً للحق وتأييدًا لدين الله. قال عز وجل: ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) [آل عمران: ٨١، ٨٢].
ولهذا يجد اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل ما أوحاه الله لموسى وعيسى، مِن بيان لصفات هذا النبي، ومن دعوتهم للإيمان به ونصرته. قال تعالى: ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ...
|
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
|
...الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)) [الأعراف: ١٥٨] ومع هذه الدلائل الواضحة والدعوة الهادفة، ردوا دعوته، وظنوا أن ما أتى به من المعجزات إنما هو من باب السحر. قال تعالى: ((فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ))[الصف: ٦].
|
دعوة محمد صلى الله عليه وسلم
 |
ولعلنا لو تأملنا في كتاب الله لنأخذ بعض النماذج، التي توضح طريقة رسول الله في دعوته، لوجدنا القرآن نفسه في طريقة إنزاله، وما له من الخصائص، خير نموذج لذلك، فالمعجزات التي أجراها الله على يد الأنبياء السابقين كانت لإثبات رسالتهم، ورسالة كل نبي غير معجزته، أما معجزة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فكانت عين رسالته.
|
 |
كان القرآن الكريم هو المعجزة التي تحدى الله بها العرب الفصحاء، إذ طلب منهم متحديًا أن يأتوا بمثله فعجزوا، فطالبهم بعشر سور من مثله فعجزوا، فطالبهم أن يأتوا بمثل أقصر سورة فيه فلم يفعلوا، كما قال تعالى: ((وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)) [البقرة: ٢٣، ٢٤] فانظر إلى هذا المنهج في الدعوة وأنت تتأمل هذا التحدي بمراحله، إلى أن أفحمهم فلم يجدوا إلا اللجاج والعناد.
|
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
 |
كما أن طريقة إنزال هذا القرآن، كانت أيضًا منهجًا عظيمًا في الدعوة، إذ لم ينزل هذا القرآن كالكتب السابقة دفعة واحدة، إنما نزل منجمًا في ثلاث وعشرين سنة، يتعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به بألوان من التربية والتوجيه والتثبيت والتطمين، وقد ذكر الأئمة وجوهًا كثيرة في حكمة نزول القرآن منجمًا، ومن هذا ما ذكره صاحب (مناهل العرفان في علوم القرآن) الذي أجاد وأفاد، ومن هذا يتعلم الدعاة كيف يأخذون الناس في رفق إلى الالتزام بهذا الدين، ولا يعني هذا أن ينتقل الداعية على طريقة نزول القرآن منجمًا، فيبدأ بالقول بأن الخمر حلال ثم يحرمها وقت الصلاة، ثم يحرمها تحريمًا عامًا شاملًا كما فعل القرآن.
|
 |
إنَّما يسوق ألوانًا من الترهيب والتخويف من شربها، والمتاجرة فيها وحملها وصناعتها، ويذكر جملة مما أعد الله للمتقين من ألوان الشراب في جنته، ويرغب في العمل الصالح، ويدعو إلى التمسك والاعتصام بحبل الله، ففي ذلك النجاة.
وهكذا فإذا ما تأملنا في القرآن نفسه، لنرى ما فيه من مناهج الدعوة، فسوف نراه سلك مسلكًا نورانيًا ربانيًا إلهيًا في كل جانب دعا إليه، والقرآن كله يترجم دعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن آمن به لم يؤمن لأنه عجز عن معارضته في مقام التحدي، وإنما آمن به لما فيه من دعوة تقنع العقل والوجدان، وتأخذ بيد الإنسان إلى اطمئنان القلب وسعادة الروح، وحسن الصلة بالله والتراحم بين الناس.
|
 |
فيرى أن هذا الذي جاء القرآن يدعو إليه واحة وارفة الظلال، تهدأ فيها الإنسانية بعد أن لفحها هجير الحياة، فتجد في ظلالها أمنها واستقرارها وسعادتها وخيرها، وتفصيل ذلك لا تحيط به العبارات ولا يتسع له الوقت، ولكن حسبنا أن نعرض بعضًا من ذلك، ونرى...
|
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
|
...كيف دفع بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى القلوب فانشرحت لها واستقبلتها في شوق وحنين، ولم يبق معرضًا عنها إلا من أعمى الله قلوبهم عن الحق، فهم كما قال الله: ((صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)) [البقرة: ١٧١].
|
 |
ولنأخذ مثلًا من دعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى توحيد الألوهية، والقرآن -وبخاصة في الفترة المكية- بدأ بتقرير ثلاث قضايا، ليقيم عليها ما أراد من بناء، هذه القضايا هي: التوحيد والرسالة والبعث، ولإثبات ذلك قدم كثيرًا من الأدلة، التي حاصرت العقول، ولم تُبق حجة يحتج بها مكابر ومعاند.
ففي مقام إثبات الوحدانية تراه يلقي جملة من الأسئلة، التي يسلِّم بها المشركون، ليأخذ منها دليلًا بل أدلة قوية على أنه الجدير بأن يفرد بالألوهية، وأن تدين له الإنسانية بالطاعة والعبودية، لا تعبد إلهًا معه أو سواه.
والمشركون لا ينكرون أنَّ الله هو الرب، الذي ربى الخلائق على موائد كرمه، فهو الخالق الرازق المحيي المميت، الذي خلقهم وخلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر، وله من في السموات والأرض وهو رب العرش العظيم، بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، والآيات الدالة على ذلك لا تخفى عليكم.
|
 |
وفي منهج الدعوة تراه يستفيد من هذا الاعتراف ليقول لهم: ألا يستحق هذا الرب أن يعبد وحده، ويلفت أنظارهم إلى استحالة أن يكون مع هذا الإله المتصف بصفات الكمال إله آخر، ويتعجب من حالهم، وهو يذكر لهم ما لا يستطيعون أن ينكروه، حين يذكر لهم ما عليه...
|
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
|
...معبوداتهم من عجز وضعف، وأنّها لا تملك ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. يقول جل جلاله: ((قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ، َمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [النمل: ٥٩ – ٦٤].
|
 |
فتدبروا معي هذا الأسلوب الفذ في إثبات الألوهية لله، وهو يسوق مظاهر الطبيعة، وما يعتريهم من حالات الاضطرار والوقوع في مشكلات الأيام والزمان، وما يكون من دعائهم لربهم مخلصين له الدين، وكلما عرض شيء من ذلك أخذ يتساءل: ((أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ))، ((أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ))، ويعقب على ذلك بقوله كما رأيتم في الآيات: ((بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ))، ((بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ))، ((قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ))، ((تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ))، وأخيرًا يتحداهم أن يأتوا ببرهان واحد على صحة ما يعتقدون فيقول: ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) فما أعظم هذا البيان.
|
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
|
هذا النموذج نقرؤه في آيات من سورة يونس. يقول المولى عز وجل: ((قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ، كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)) [يونس: ٣١-٣٦].
وهذه الآيات تحتاج إلى الكثير من الوقفات، فهي منهج متكامل في طريقة الدعوة إلى الله، في ست آيات ترى قول الله لرسوله ست مرات ((قُلْ)) وهذا الأمر يعني أنه مأمور من قبل مولاه، وأن هذا القرآن ليس من عنده، إنما هو كلام من أرسله، وما هو إلا مبلغ عن ربه، كما يعني هذا الأمر قوة الدعوة التي يدعو إليها هذا الرسول، وثقته المطلقة في عدالة قضيته، وارتكازها على الأسس التي لا تميل، فهي دعوة ربانية، مصدرها قيوم السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة.
|
 |
وبعد الأمر الأول تتوالى الأسئلة التي تقررهم، فتسألهم عن من يرزقهم من السماء بالأمطار، ومن الأرض بألوان الثمار، وتسألهم عن من يملك السمع والأبصار، ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر؟ فتكون الإجابة الاعتراف بأنه كذلك،...
|
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
|
...فيأمر الله رسوله أن يؤنبهم على هذا الخلل في تفكيرهم وسلوكهم، قائلًا لهم: ((أَفَلَا تَتَّقُونَ)) ثم يأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة وهو يقول: ((فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)).
وكم في هذه الكلمات من دعوة للرجوع للحق، لتضعها على الحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها، ليقول لهم: فذلكم الرب الذي اعترفتم بأنه الرازق المهيمن، القوي القادر، الذي يدبر أمر الخلائق، هو الله الذي رباكم على موائد كرمه، وهو ربكم الحق.
ثم يسألهم مخوفًا من عاقبة إنكارهم، وأنه ليس هناك بعد الحق إلا الضلال ويقول لهم: ((فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)) إن الطرق كلها مسدودة إلا هذا الطريق، طريق الحق، فأين يذهب هؤلاء!! ويختم هذه الجولة بتهديدهم من الحرمان من شرف الإيمان، إن استمروا على عنادهم فيقول: ((كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)).
|
 |
ثم يعود ليسير بهم ومعهم جولة أخرى، حين يأمر الله رسوله أن يسألهم سؤال تقرير وتوبيخ قائلًا: ((قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)) وهم يقرون أن شركاءهم ضعاف لا يقدرون على ذلك، ويوالي القرآن أسئلته موبخًا لهم وهو يقول: ((قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)).
|
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
|
فانظر إلى قوله: ((فَمَا لَكُمْ)) وهذا السؤال: ((كَيْفَ تَحْكُمُونَ)) وما في ذلك من تجهيل لهم، وبيان لحكمهم المخالف للفكر السليم والرأي الرشيد، وهكذا يحكم الله على عقائدهم بأنها لا تقوم على دليل، وما هي إلا ظنون وأوهام، والظنون والأوهام لا تصلح في مجال المقارنة بالحق، وعليهم أن يدركوا أن الله عليم بما يفعلون، وسوف يحاسبهم على ذلك حسابًا عسيرًا، فهل يدرك ذلك الكافرون.
|
 |
وهذه آيات في إثبات البعث، ((ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ، بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ)) [ق: ١-٦] إلى أن يقول ربنا سبحانه وتعالى: ((وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ)) [ق: ١٠، ١١].
فترى أنه سبحانه وتعالى يسوق كلام المشركين وتعجبهم في موقف الإنكار، حين يقولون: ((هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ)) فظنوا أن هذا من الأمور التي لا يصدقها عقل، ولكن الله القوي القادر القاهر قال: ((قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ)) فكل ذرة من ذرات هذا الجسد، ذهبت في ذرات التراب، الله سبحانه وتعالى يعلمها، وسوف يجمعها ليعيد بناء الإنسان من جديد ليحشر وليحاسب.
ولفت أنظارهم إلى قدرة الله في هذا الوجود، هؤلاء الذين لم يتأملوا فيما فوقهم من السماء، وكيف بناها الله وكيف زينها بقدرته وما لها من فروج، ولم يتأملوا في الأرض التي يسيرون عليها، وما فيها من جبال راسيات، وما فيها من نبات، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب، وهذه...
|
٤.١٤ دعوة عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم
|
...الأمطار تنزل من السماء ماء مباركًا، فماذا يكون من آثارها، ألا ترون أن الله كما قال: ((فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا)) [ق: ٩-١١].
والذي قدر على ذلك قادر على بعث خلقه، فهل يعقل ذلك هؤلاء الكافرون الجاحدون؟! إنها مناهج في الدعوة، يتعلمها الدعاة ليصلوا إلى إقناع العقول والقلوب.
|