٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
 |
أن يكون سليم الجسد مكتمل الأعضاء، نرى هذا فيما كان من أمر طالوت، الذي بعثه الله ملكًا لبني إسرائيل، يقول لهم: ((وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) [البقرة: ٢٤٧] فكانت لطالوت القيادة الناجحة، والنصر المؤزّر.
|
 |
وهذا موسى -عليه السلام، يذكر الله ما كان منه من قوة جعلته يضرب أحد أعدائه ضربة قضت عليه، يقول ربنا: ((وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ، قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) [القصص: ١٤ - ١٦].
|
 |
وبهذه القوة تمكن من الحصول على الماء الذي سقى به أنعام ابنتي شعيب، كما جاء في قوله تعالى: ((وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا، فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ...
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
|
... الْأَمِينُ))، [القصص: ٢٣- ٢٦].
|
 |
وهذا داود -عليه السلام- يعمل حدادًا، ونوح من قبله كان نجّارًا ماهرًا، يصنع الفلك التي ركبها هو ومن آمن معه، وحمل فيها من كل زوجين اثنين، ولما كان الطوفان كانت تجري بهم في موج كالجبال، وهناك من الأنبياء كنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- مَن كان يعمل في رعي الغنم، وهي أعمال تحتاج إلى بنية قوية وجسد سليم، وما حدث لأيوب -عليه السلام- من بلاء، إنما كان لفترة ثم عادت إليه صحته وماله وولده، كما قال تعالى: ((وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ))، [الأنبياء: ٨٣، ٨٤].
|
 |
وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان بهي الطلعة جميل المنظر، يقول الإمام الغزالي: "كان -صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس وجهًا وأنورهم، لم يصفه واصف إلّا شبهه بالقمر ليلة البدر، وكان يُرى رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته، وكان يقولون هو كما وصفه صاحبه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه؛ حيث يقول:
|
|
أمين مصطفى للخير يدعو |
كضوء البدر زايله الظلام |
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
 |
ومن هذه الصفات في الداعية أيضًا: طلاقة اللسان ورجاحة العقل وسعة الأفق، وقد قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)) [إبراهيم: ٤]، ولما اختار الله موسى رسولًا وقال له: ((اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)) [طه:٢٤-٣٢]، وقال تعالى: ((وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ، قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي، فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ، وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ، قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ))، [الشعراء: ١٠-١٥].
|
 |
وكان رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- أفصح العرب، وقد أوتي جوامع الكلم، مع أنه لم يجلس لمعلم، إنّما علمه ربه، كما قال -جلّ وعلا: ((وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)) [النساء: ١١٣]، ومن يقرأ في كتاب الله جدال الأنبياء للمعاندين لهم والمكذبين برسالتهم، يرى كيف كان هؤلاء الأنبياء أعلى الناس قدرًا في قوة حجتهم وحسن منطقهم، وسعة مداركهم، فعلى سبيل المثال ما كان من حوار وجدال بين إبراهيم -عليه السلام- والنمروذ، وما صار إليه أمر هذا المعاند المكابر، وأنه لم يستطع أن يحير جوابًا، كما قال تعالى: ((فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) [البقرة: ٢٥٨]، كما نقرأ ما ذكره الله من أدلة ساقها إبراهيم لعبدة الكواكب، إلى أن ختمت الآيات بقوله تعالى: ((وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)) [الأنعام: ٨٣] .
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
 |
وقد بلغ رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلم- في ذلك القمة العالية، يستمع إلى خصومه في أدبٍ، ويرد عليهم بما يقنعهم، ويلقي بدعوته إلى الناس نورًا يضيء لهم الطريق، في عبارات سهلة وأدلة باهرة وحجج واضحة، وابتدأ ذلك من أول دعوته إلى آخرها، في خطبه العامة، ومجالسه الخاصة، وحديثه إلى أصحابه وإلى غيرهم، فأقنع العقول وروى الأرواح والأفئدة، وهذا مثال لحكمته وسعة أفقه في دعوته، نذكره من قصة عتبة بن ربيعة.
|
 |
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: حدِّثت أن عتبة بن ربيعة -وكان سيدًا، قال يومًا وهو جالس في ناد قريش، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد وحده، يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلّمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا، وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السبطة في العشيرة -أي من المكانة والمنزلة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها.
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
 |
قال: فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((قل يا أبا الوليد أسمع)) قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذه الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا -أي جعلناك سيدًا علينا- حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رأيًّا -أي من الجن- تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع -أي من الجن- على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستمع منه، قال: ((أقد فرغت يا أبا الوليد)) قال: نعم، قال: ((فاسمع مني)) قال: أفعل. فقال: ((بسم الله الرحمن الرحيم ((حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ)) [فصلت: ١: ٥].
|
 |
ثم مضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليها يسمع منه، ثم انتهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: ((قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك)) فماذا كان من أمر عتبة؟
|
 |
قام عتبة -كما يقول ابن إسحاق- إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد، ورائي أني قد سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة،...
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
|
...يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كوفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم.
|
 |
ولو تتبعنا مسيرة دعوته -صلى الله عليه وسلم؛ لرأينا داعية إلى الحق من طراز فريد؛ لما أوتي من محاسن الأخلاق وقوة البيان وصدق الحديث وسعة الصدر، ولذلك لم يرفض دعوته إلّا مكابر وحاقد حاسد، يقول الإمام الغزالي -بعد أن ذكر جملة من أخلاقه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فأعظم بغباوة من ينظروا في أحواله، ثم في أقواله، ثم في أفعاله، ثم في أخلاقه، ثم في معجزاته، ثم في استمرار شرعه إلى الآن، ثم في انتشاره في أقطار العالم، ثم في إذعان ملوك الأرض له في عصره وبعد عصره، مع ضعفه ويتمه، ثم يتمارى بعد ذلك في صدقه، وما أعظم توفيق من آمن به وصدّقه، واتبعه في كل ما ورد وصدر، فنسأل الله تعالى للاقتداء به في الأخلاق والأفعال والأحوال والأقوال بمنه وسعة جوده".
|
 |
ومن صفات الداعية: الإيمان بما يدعو إليه، وكلما توثّقت عرى الإيمان في قلبه ومشاعره، كلما كان أقدر على تبليغ دعوته، ولذلك قال تعالى: ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)) [البقرة: ٢٨٥] وقال: ((وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)) [الزمر: ٣٣].
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
 |
فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أول المسلمين وأول العابدين، والمؤمنون على طريق رسولهم، الإيمان الكامل والفاعل شعار لهم ودثار، ومنهج وسلوك ((كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ)) [البقرة: ٢٨٥] يعلنون في وضوح أنّ إيمانهم برسل الله إيمانٌ جامع ((لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ))، ويخبر الله عنهم شهادة لهم، وإعلاء لقدرهم فيقول: ((وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)) [البقرة: ٢٨٥]، وهكذا كل الرسل، وهكذا أتباع الرسل عبر مراحل التاريخ، وما نجح الرسل في دعوتهم، وما بذل أتباعهم ما بذلوا، إلّا لأنّهم آمنوا هذا الإيمان بالحق الذي معهم، فهم أصحاب قضية يدعون إليها ويدافعون عنها.
|
 |
وآفة كثير ممن يتعرّضون للدعوة، أنهم لم يشعروا بأنهم أصحاب قضية وأنهم مكلفون بالدفاع عنها، إنما هي هذه مهنة ووظيفة يتقاضون عليها راتبًا، فإذا وقف الخطيب يتحدث للناس، لا يدري ماذا يقول لهم، فاختار موضوعًا لا يعالج مشكلة ولا يثير اهتمامًا، وحين عرضه لم يحسن أداءه لا في نطقه، فكثرت أخطاؤه، ولا في استشهاده بكتاب الله وسنة رسوله، وربما لا يعرف موقع الآية مما يقول، بل ربما لا ينطقها ولا يتلوها تلاوة صحيحة، وإذا ذكر حديثًا من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يضبط نطقه، ولا يدري درجته من الصحة، فربما جاء بحديث ضعيف أو موضوع أو قصة من نسج الخيال، ينسبها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو لا يدري، وما ذلك إلّا لأنه خارج الحلبة، يفقد عنصر الإيمان بما يقول.
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
|
...في القرآن مئات المرات، مما يحتاج إلى إفرادها ببحث في التفسير الموضوعي وليكن عنوانه: العلم في القرآن الكريم.
|
 |
وإذا كان الله قد قال: ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)) [البقرة: ٢٥٦] وقال: ((وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)) [الكهف: ٢٩]، فإن الله يعلم أن الدين لا يأتي بالإكراه، والمكره على اعتقاد شيء قد يتظاهر بالإيمان به، لكنه من داخله غير مقتنع به، فإن وجد فرصة للانقضاض على من أكرهه لم يضيعها، ولهذا لم يذكر التاريخ أن الإسلام حين فتح بلدًا في أرض الله أكره أبناءها على الدخول فيه، إنما وجه دعوته وانطلق المسلمون في أدب وعلم ووقار وحب ورحمة وعدل، يدعون الناس إلى دينهم، فدخلت شعوب الأرض في دين الحق طواعية واختيارًا، بل وحملت بعد إسلامها رايته، وجاهدت لإعلاء كلمته واستنارت بنوره.
|
 |
كما أن الداعية يلزمه أن يكون قويّ الثقة بربه، وهذه الصفة وثيقة الصلة بالإيمان، وكلما ربا الإيمان في القلب كلما ازداد الداعية ثقة بربه، فلا يرجو من أحد دنيا يصيبها، ولا يخاف نقص رزق أو نقص أجل، وإذا كان من شأن المؤمن أنه يؤمن بأن الرزق والأجل مردّهما إلى الله، فإن الداعية أحوج ما يكون إلى تفعيل ذلك في نفسه ووجدانه، فهو خير من يعلم ويؤمن بقول الله تعالى: ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) [الزمر: ٤٢]، وبقوله: ((وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)) [المنافقون: ١١] وبقوله: ((أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)) [النساء: ٧٨].
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
 |
ويثق كل الثقة في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والذي فيه ((أن الجنين إذا ما أتم أربعة أشهر أرسل الله له الملك، وأمره أن ينفخ فيه الروح، وأن يكتب أربع كلمات: رزقه وأجله وعمله وشقيًّا أو سعيدًا))، والناس من خلال قدر الله تعمل، وكل ميسر لما خلق له، وقال -صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده، لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب))، وإحساس الداعية بذلك يكسبه ثقة عظيمة في ربه، فيكتسب بذلك صفة أخرى وهي العزة، والله يقول في الرد على المنافقين: ((بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)) [النساء:١٣٨، ١٣٩] ويقول ربنا: ((وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)) [المنافقون: ٨]، وقال في سورة فاطر ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)) [فاطر: ١٠].
|
 |
والمؤمنون أرادوا هذه العزة، فطلبوها من العزيز الحكيم فمنحهم إياها، فعزتهم مستمدة من عزة الله وعزة رسوله، والدعاة في قمة من أراد ذلك، فلم يذلوا أمام مال أو جاه، ولم يبيعوا دينهم بعرض من أعراض الدنيا، ولم ينافقوا صاحب سلطان، ولم يتوانوا في تبليغ رسالة ربهم، ولم يستطع متجبّر أو متكبر أن يحول بينهم وبين الناس بترغيبهم أو بترهيبهم، وليست عزتهم كبرًا وتعاليًا على الآخرين، إنما عزتهم كرامة وترفُّع عن الدنايا، وإحساس بما أنعم الله به عليهم من نعمة الإيمان والقرآن، وأنهم ورثة الأنبياء ودعاة الحق، وعزتهم شجاعة في ثبات في المواقف، وكم للدعاة والعلماء من مواقف تكتب بمداد من نور أمام الولاة والحكام والملوك والرؤساء.
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
 |
وهذه العزة والشجاعة يزينها صفة أخرى وهي صفة التواضع وصفة الرحمة، وبهذه الصفات يقترب الداعية من قلوب الناس، فيحظى بمحبتهم، فيوجههم إلى ما يدعو إليه من الخير، وقدوته في ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد قال الله له: ((وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ)) [الشعراء:٢١٤: ٢١٦].
|
 |
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجلس بين أصحابه، فلا يكاد يعرف من بينهم، ودخل عليه رجل فأرعد من هيبته فقال له: ((هوّن عليك، فلست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد))، وكان لا يدعوه أحد من أصحابه وغيرهم إلّا قال: لبيك، وكان يجلس مع الناس، إن تكلموا في معنى الآخرة تكلم معهم، وإن تحدثوا في طعام أو شراب تحدث معهم، وإن تكلموا في الدنيا تحدث معهم رفقًا بهم وتواضعًا لهم.
|
 |
ومن توجيهات القرآن ما تقرؤه في نهاية قصة قارون: ((تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) [القصص: ٨٣] والمتكبرون مصروفون عن تدبر آيات الله وفهمها، قال تعالى: ((سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)) [الأعراف: ١٤٦].
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
 |
والدعوة إلى الله في حاجة إلى هذا الخُلق؛ ليحظى الداعية بالمحبة والرضا، فيحتل من الناس قلوبهم، فيحظى وتحظى دعوته بالقبول، والرحمة عنوان التواضع، إنها إحساس المؤمن بحاجة إخوانه، فيعاملهم بالرفق، يزور مريضهم، ويحنو على صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويأخذ بيد الضعيف منهم، ويتودد إليهم ويساعد محتاجهم، ويدخل السرور عليهم، ويحوطهم برعايته وعطفه وبره، وقد قال تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح: ٢٩] وقال في صفات من يختارهم لنصرة دينه: ((فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ)) [المائدة: ٥٤].
|
 |
وكم تحظى الدعوة بالنجاح إذا ما اتصف الدعاة بهذه الصفة، بل إنّ هذه الصفة كانت الباب الواسع الذي دخل منه الإسلام إلى القلوب، سنّها رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فكان أعظم الناس رحمة بالناس، فتعلقت به القلوب، وسار عليه أصحابه وسلف الأمة الصالح، فانشرحت لمرآهم الصدور، وانتشر دينهم في كل مكان.
|
 |
ومن صفات الداعية المواكبة لتواضعه ورحمته الحلم وحسن الخلق، والحلم صفة من صفات الله، فقد وصف الله نفسه بأنه غفور حليم، وغني حليم، وعليم حليم، وشكور حليم، ووصف الله بها إبراهيم فقال: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)) [التوبة: ١١٤] وقال: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ)) [هود: ٧٥] ووصف بها إسماعيل فقال: ((فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ)) [الصافات: ١٠١] وقال قوم شعيب له: ((إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)) [هود: ٨٧] وهكذا أنبياء الله جميعًا.
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
 |
وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم، كان أعظم الناس حلمًا، في كثير من المواقف التي تغضب الحليم تراه لا يثور ولا يغضب، ولا يقابل السيئة بالسيئة، إنما يعفو ويصفح، وما أمر حاطب بن أبي بلتعة، وهو ممن شهد بدرًا عنكم ببعيد؛ إذ لمّا علِم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعد العدة سرًّا ليفاجئ أهل مكة ليفتحها دون أن يريق الدماء، أرسل حاطب إليهم يخبرهم بذلك، فأوحى الله لرسوله بهذا، فأرسل ثلاثة من أصحابه ليلحقوا بالمرأة التي حملت الرسالة، وجاءوا بها -أي بهذه الرسالة، فلما سأله قائلًا: ((يا حاطب، ما هذا؟)) قال: يا رسول الله، لا تعجل عليّ، إني كنت امرءًا ملصقًا في قومي، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهلهم، فأحببت إن فاتني ذلك من النسب منهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أفعل ذلك كفرًا ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، ولا ارتدادًا عن ديني، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((إنه صدقكم)) فقال عمر -رضي الله عنه: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((إنه شهد بدرًا، وما يدريك لعلّ الله -عز وجل- قد اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))، وبعد أن أتمَّ الله على رسوله فتح مكة وقف خطيبًا وسأل أهلها: ((ما تظنون أني فاعل بكم)) قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)).
|
 |
وهذا عفوه عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحره، وهذا عفوه عن الأعرابي الذي أراد أن يقتله، وعفوه عن الأعرابي الذي قال له: يا محمد، والله لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك تعدل، إلى غير ذلك مما يدل على عظيم عفوه وحسن خلقه.
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
 |
والدعاة أولى الناس بالاتصاف بهذه الأخلاق العالية، وبها يستلّون سخائم القلوب، ويجمعون الناس حولهم، لا يثورون ولا يغضبون إلّا إذا انتهكت حرمات الله، وقد قال تعالى في صفات عباد الرحمن: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)) [الفرقان: ٦٣].
|
 |
وهذا الخلق الكريم للدعاة يجعلهم في حاجة إلى التخلُّق بخلق مهمّ، ألا وهو الصبر، الصبر في معناه الواسع؛ صبر على الطاعات، وصبر عن المعاصي، وصبر في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصبر في مقام الدعوة إلى الله، وصبر على ما ينزل بهم من بلاء، وصبر على مشقات الجهاد في سبيل الله، فالصبر للدعاة عُدّة وزاد وذخيرة، يعينهم على مشقات الطريق ووعورته، ولذلك أكثر الله من الأمر به لرسله والمؤمنين، والآيات في ذلك كثيرة، تقرأ منها قول الله تعالى: ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)) [الأحقاف: ٣٥] ((وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)) [هود: ١١٥]، ((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)) [طه: ١٣٠]، ((فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ)) [الروم: ٦٠] ((وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا)) [المزمل: ١٠]، ((فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ)) [مريم: ٦٥]، ((وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا))[طه: ١٣٢]، وفي توجيه المؤمنين إلى الصبر نقرأ: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [آل عمران: ٢٠٠]، ((وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)) [البقرة: ٤٥].
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
 |
وهذا أمرٌ لبني إسرائيل الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهو نفس الأمر لأهل الإسلام: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)) [البقرة: ١٥٣] وجزاء الصابرين عظيم ((إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)) [الزمر: ١٠]، ((وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)) [الرعد: ٢٣، ٢٤]، ((وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)) [البقرة:١٥٦، ١٥٧]، ((وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [النحل: ٩٦]، ((إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ))[المؤمنون: ١١١]، ((إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)) [يوسف: ٩٠] إلى غير ذلك من الآيات.
|
 |
فكم في الطريق من عقبات وابتلاءات تحتاج إلى رباطة الجأش وقوة اليقين وتحمل الأذى، والصبر لله ومن أجله، ومن صبر ظفر وفاز في الدنيا والآخرة.
|
 |
ومن أبرز صفات الداعية: الصدق والأمانة، فهو مبلّغ عن الله ورسوله، ولو كذب أو خان فعُرِفَ ذلك منه، لم يثق أحد في حديثه، ولم يستطع أداء رسالته، بل ربما كان وبالًا على ما يدعو إليه، فالصدق في الداعية، هو الأساس الذي يشاد عليه البناء، وهو المدخل لإقناع الآخرين بما يقول، ولذلك ترَوَن أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أُمِر بتبليغ الدعوة وقف على الصفا ونادى بطون مكة، فلما اجتمعوا إليه لم يقل لهم من البداية إنّ الله اختاره رسولًا للعالمين، وأن هذه الرسالة قائمة على وحي الله، وفيه كذا وكذا، إنما سألهم...
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
|
...قائلًا: ((أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بهذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟)) قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط، حينذاك قال: ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)).
|
 |
فأثبت أولًا وقرر أنه صادق، فكيف يكذب الآن؟ وهذا هو الذي استدل به هرقل عظيم الروم على أن محمدًا هو رسول الله، حين جاءه كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعوه إلى الإسلام، طلب بعض من في الشام من العرب، فكان أبو سفيان قبل إسلامه مع بعض العرب هناك في تجارة، فجيء بهم ووقفوا بين يديه، وأبو سفيان واقف أمامهم، وأخذ هرقل يسأله، فكان فيما سأله: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال أبو سفيان: لا. وبعد أن انتهى من أسئلته قال فيما قال: أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وهذا هو الذي جعل رسولٍ يدعو أمته يذكر لها أنه رسول أمين، اقرءوا ما ذكره الله في الشعراء على لسان نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وكلٌّ منهم يقول لقومه: ((أَلَا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)) [الشعراء: ١٠٦: ١١٠].
|
 |
وموسى قبل أن يختاره الله رسولًا، حين سقى لابنتي شعيب رأوا أمانته ورجولته، ولذلك قالت إحدى الابنتين لأبيها: ((يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)) [القصص: ٢٦] وبعد الرسالة يذكر الله ما قال لفرعون وقومه فيقول: ((وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ، أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)) [الدخان:١٧: ١٩]...
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
|
...وهكذا كل الرسل، وهكذا يجب أن يكون أتباعهم ومن على طريقهم، ولهذا اعتنى القرآن والسنة بالدعوة إلى الصدق والأمانة، ورهَّبا من الكذب والخيانة في آيات وأحاديث كثيرة لا تخفى عليكم.
|
 |
ومما يجب أن يتصف به الدعاة: الإخلاص، والإخلاص يعني التجرد لله، وهو قسمان: اعتقادي وعملي، الاعتقاديّ معناه: تنقية القلب مما سوى الله، فلا يتأله العبد لغير الإله الحق، ولا يعبد إلا هو، ولا يدين بالطاعة والولاء والحب إلا لرب العالمين، والإخلاص العملي: هو ألّا يقصد العبد بعمله وقوله وفعله إلّا الله، ويقابل الأول الشرك، ويقابل الثاني الرياء، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، ومن الواضح أن من يعبد غير الله لا شأن له بالدعوة إلى الله، بل هو ممن توَجّه له الدعوة لإنقاذه من براثن الشرك وضياعه، ومن يقصد بعمله الرياء والسمعة لا يصلح في مقام الدعوة، فالإخلاص هو الأساس الذي تقام عليه دعائم الدعوة إلى الله.
|
 |
لكن هذا الداعية الذي اجتمعت فيه هذه الصفات، كيف ينجح في دعوته؟ وكيف يؤدي رسالته؟ عليه أن يسلك الطريق الذي يضمن له النجاح، وهذا الطريق طرق ووسائل كثيرة متعددة، وهي تتطور بتطور الزمن، وفق ما يستجد من وسائل الاتصال وانتقاد الأفراد والجماعات، وما يتبع ذلك من تغير في العادات والتقاليد، فالله خلق الخلق لحكمة وغاية، وجميع المخلوقات عدا الإنس والجن منقادة لله عابدة له، أما الإنس والجن فلهما حرية الاختيار بين الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، مع أنهما لم يخلقا أيضًا إلّا لعبادة الله، كما قال تعالى: ((وَمَا...
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
|
... خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات: ٥٦]، وعبادته سبحانه إنما تكون وفق ما شرع، بل إن العبادة في مفهومها الواسع تشمل حركات الإنسان وسكناته ((قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)) [الأنعام:١٦٢، ١٦٣].
|
 |
ولذلك لم يترك الله الإنسان سدى، إنما أرسل له الرسل وأنزل له الكتب، بدأ ذلك من آدم -عليه السلام، إلى أن ختمت سلسلة النبوات بمحمد -صلى الله عليه وسلم، ووقف كل رسول يبلغ رسالة ربه، وعلى منهج هذا الرسول سار أتباعه ومن بعدهم، يدعون الناس إلى دين الله، فتنوّعت وسائل دعوتهم، فكان منها الاتصال المباشر بالأفراد فردًا فردًا، أو بعدة أفراد، وهي وسيلة ناجحة بها دخل في الإسلام الرعيل الأول كأبي بكر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة وأبي عبيدة، وغيرهم من السابقين للإسلام، وهذه الوسيلة في الدعوة قد تحتاج إلى معرفة سابقة بمن تدعوهم، فهم أصدقاء توثّقت بينهم وبين الداعية عرى الصداقة.
|
 |
وقد بدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعوته في بيته، فآمنت به زوجه خديجة، ومولاه زيد بن حارثة، وابن عمه علي بن أبي طالب، وبدأ الدعوة سرًّا مع أصحابه وأصدقائه، ثم أمره الله أن يجهر بدعوته فقال له: ((فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)) [الحجر: ٩٤] وقال له: ((وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)) [الشعراء: ٢١٤] وبدأ يجهر بدعوته، فلم يقف خطيبًا يلقي العبارات، إنما وقف كما قلنا فأثبت أنه صادق، فلما أقروا له بذلك قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
 |
وإذا كان الله قد وجه رسوله إلى أن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة فقال: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)) [النحل: ١٢٥]، فإن هذا التوجيه القرآني يجمع كل أساليب الدعوة، فقد تقتضي الحكمة الاتصال بالأفراد كلّ على حدة، أو بمجموعة منهم كما كان من عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسه على قبائل العرب، أو أن يقف خطيبًا يوجه الناس كما كان من مواقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر أو في موسم الحج في حجة الوداع، وقد يكون هذا من خلال موعظة يلقيها، أو درس يشرح فيه بعض أمور الدين، ولكل واحد من هذه بواعثه ودواعيه، ولا غنى لواحد منها عن الآخر.
|
 |
ومن وسائل الدعوة: الاقتراب من المدعوين بالسؤال عنهم وزيارتهم وعيادتهم إذا كانوا مرضى، وبمساعدتهم إذا احتاجوا، فهكذا كان يفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا الهدي النبوي يقوم الدعاة بإنشاء المؤسسات الخيرية، بما فيها من رعاية الفقراء و اليتامى، وبما فيها من إنشاء المساجد والمدارس ومساعدة طلاب العلم، ومن الوسائل الحديثة الكلمة المقروءة والمسموعة والمرئية في الصحافة والمجلات والكتب والكتيبات والنشرات، مما يستدعي تضافر الجهود ليمتلك الدعاة الوسائل التي تعينهم على ذلك، من المطابع عالية الجودة، والمتخصصين المهرة في الإعداد والإخراج، وللإعلام المسموع عبر الإذاعات والمواقع الإسلامية على شبكة المعلومات -الإنترنت- أثر كبير في توصيل رسالة الإسلام.
|
٢.١٣ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته
 |
أما الإعلام المرئي في التلفزيون، وفي عهد السماوات المفتوحة، فيما يعرف بالفضائيات، فيجب أن يحتل فيه الدعاة مكانًا مرموقًا، بنقل الخطب والدروس والندوات حيّة على الهواء، وعليهم أن يدرسوا كيفية الإعداد الجيد لما يلقى على الناس عبر هذه الوسائل، فليست المسألة مجرد معلومات تلقى، إنما هناك الاختيارات الجيدة، التي تتناسب مع ما عند الناس من قصور في فهم أو شطط في فكر، أو مشكلة تحتاج إلى الحل، وهناك الصوت وطريقة الإلقاء ومظهر الداعية في الإعلام المرئي، ومن خلال ذلك كله يتفنّن الداعية في تبليغ رسالته، من خلال ما يسوق من ترغيب وترهيب، وما يذكر من قصص يساق في أسلوب قشيب، وألوان من طريقة القرآن في جداله مع المخالفين له، ومن خلال عرض أساليب القرآن وطريقته في إقناع الآخرين.
|
 |
وقد يحتاج الداعية إلى تبليغ رسالته لغير الناطقين بالعربية، فليكن هناك مجموعات تتخصّص، كل مجموعة في إجادة لغة من لغات أهل الأرض؛ لحمل رسالة الإسلام للعالمين، وليحققوا حكمة الله من اختيار رسوله -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين.
|