١.١٣ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله
 |
بدأت قصة الحياة على وجه الأرض بآدم وحواء وإبليس، في قصة صراع بين الخير والشر، والحق والباطل، وقانونها: ((فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى، وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى)) [طه: ١٢٣- ١٢٧].
|
 |
ومع مرور الزمن يخبو ضوء الرسالة التي أرسل الله بها رسوله، وتنحرف القافلة عن الطريق، وينسى الناس ربهم، ويعبدون غير خالقهم ورازقهم، فيرسل الله إليهم رسولًا آخر يردهم إلى الله ويذكرهم به، ويحمل هذا الرسول معه كتابًا فيه منهج حياة، يتناسب مع ظروفهم وأحوالهم، وهكذا تواصلت الرسالات، كلما ذهب رسول أرسل الله رسولًا، ولذلك قال تعالى في سورة المؤمنون، بعد أن ذكر نوحًا وهودًا، قال: ((ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ)) [المؤمنون: ٤٤]، ثم ذكر موسى وعيسى -عليهما السلام.
|
 |
وقد ذكر الله في القرآن من هؤلاء الرسل خمسًا وعشرين رسولًا، مع أنَّ المرسلين أكثر من ذلك، ولهذا قال تعالى: ((إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ...
|
١.١٣ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله
|
... لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)) [النساء: ١٦٣- ١٦٥]، وقال: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ)) [غافر: ٧٨].
|
 |
وكان كل رسول قبل محمد -صلى الله عليه وسلم- يرسَلُ إلى قومه خاصة، ولهذا أرسل الله أكثر من رسول في زمن واحد، كما ترى ذلك في إرسال إبراهيم ولوط -عليهما السلام، وفي إرسال يعقوب ويوسف وهو ابن يعقوب، وكلاهما نبي مرسَل، وزكريا ويحيى وعيسى -عليهم السلام، كما أن كل رسول يرسَل كان يرسل لفترة من الزمان، فتبقى رسالته من بعده إلى أن يعتريها التبديل والتحريف؛ حينذاك يرسل الله رسولًا آخر؛ لأن الله برحمته لا يترك الناس حيارى يتخبطون في متاهات الباطل، فلما وصلت الإنسانية إلى مرحلة كانت بحاجة إلى رسالة جامعة باقية، اختار الله من خلقه رجلًا رباه وصنعه صناعة إلهية، ذلكم الرجل هو محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم.
|
 |
وجميع الأنبياء جاءوا يدعون إلى توحيد الله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، كما اتفقوا في الدعوة إلى مكارم الأخلاق، من الصدق والوفاء وحب الخير والعمل الصالح، وما إلى ذلك من الأخلاق الكريمة، وفي جانب التشريعات أتى كل نبي بما يتناسب مع حال قومه، وفي جانب العبادات اتفقوا في أصولها من الصلاة والصيام والزكاة، وإنِ اختلفت كيفياتها، مما يؤدي إلى أدائها في يسر حسب قدرات كل أمة، وبالإيمان الصادق بالله، وما يقوم على هذا الإيمان من بناء أخلاقي وعبادات تربط العبد بربه، ومن معاملات قائمة على هدي الله، يحيا الإنسان في طريق مرسوم مضيء بنور الوحي، يعرف المؤمن علاقته بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بمجتمعه، وفق منهج لا يضل ولا...
|
١.١٣ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله
|
...تخالطه الأهواء؛ لأنه منهج الإله الذي خلق الخلق، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.
|
 |
فكيف سلك الأنبياء الطريق حتى بلّغوا رسالة ربهم، ووصلوا إلى قلوب وعقول الحائرين في متاهات الباطل، فدلوهم على طريق السعادة في الدنيا والآخرة، بيان هذا الطريق والحديث عن هذا المنهج يحتاج أن نقف على كل ما أتى به الأنبياء في دعوتهم للناس؛ لنرى كيف استطاعوا إقناع أممهم بالانتقال من الكفر إلى الإيمان، ومن سوء الأخلاق إلى محاسنها، وكيف رغّبوهم في عبادة ربهم بالصلاة والصيام والزكاة وألوان الأذكار، وكيف جعلوهم يأخذون بشريعة الله في حياتهم، وهذا يعني الإشارة إلى ما جاء في كتاب الله في ذلك كله، وهذا أمر يصعب تحقيقه، لما يحتاج إليه من الوقت، ونحن نريد أن نقف على كيف نجح الرسل في تبليغ رسالة ربهم، فيكفينا في ذلك أن نشير إلى الأدلة أو إلى بعضها، ولا نفصّل في ذلك إلّا بما يقتضيه المقام.
|
 |
وبداية الطريق أنَّ العقائد وما يترتّب عليها من أعمال لا تأتي بالإكراه، ولهذا قال تعالى: ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)) [البقرة: ٢٥٦] وأنَّ الإقناع ينبع من قوة الحجة ونصاعة البرهان، يحمل ذلك إلى الناس رجلٌ له من المؤهلات ما يجعله مَحَلّ القبول، وقد كان الرسل -عليهم السلام- على أعظم ما يكون الإنسان خلقًا وخلقًا، فهم من أشراف قومهم، ليس بواحد منهم عيب منفر ولا خلق سيئ، إنما هم أكمل الناس أدبًا وأمانة وصدقًا وإخلاصًا، ولذلك جاء كل رسول يقول لقومه: ((إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ)) [الشعراء: ١٠٧]، ذكر الله بعض من قال ذلك في سورة الشعراء، وفي الأعراف، وفي الدخان، ولذلك كان أهل مكة يلقِّبون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-...
|
١.١٣ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله
|
...قبل البعثة بالصادق الأمين.
|
 |
فلنتأمّل كيف تمَّ غرس شجرة التوحيد في وجدان وقلب من لا يدينون بدين وهم الملحدون، ومن يعبدون الأصنام والأوثان والكواكب والمخلوقات الأخرى، في تاريخ الدنيا نبت نبات خبيث هو الإلحاد، ومعناه: إنكار وجود إله خالق لهذا الوجود، قال تعالى: ((وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)) [الجاثية: ٢٤] كما كان هناك فريق آخر اعترف بالله خالقًا رازقًا يحيي ويميت، ولكن هذا الفريق صرف عبادته وطاعته لأصنام أو أوثان أو أحجار أو ما إلى ذلك، وادّعى أن هذه المعبودات وسائط تقربه إلى الله زلفى، فمع أنه وحَّد الله في ربوبيته، إلا أنه أشرك به في ألوهيته وفي أسمائه وصفاته.
|
كيف اقتلع الأنبياء بذرة هذا الإلحاد وذلك الشرك؟
 |
حين ذكر الله هؤلاء الذين قالوا كما حكى القرآن: ((وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ))[الجاثية: ٢٤]، قال ردًّا عليهم: ((وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)) [الجاثية: ٢٤] فبيّن أنّهم جهلة لا يدركون حقائق الأشياء، ولا ما يقتضيه النظر الصحيح، من أنه لا بد للخلق من خالق، وللسبب من مسبِّب، وللوجود من موجِد، وأن هذا الكون بما فيه من إحكام وإتقان، بل كل ذرة فيه تحمل من عجائب الخلق ما لا تحيط به العبارات، وكل ذلك يدل على إله متّصف بصفات الكمال والجلال، والمقام لا يتسع لذكر...
|
١.١٣ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله
|
...ما قال العلماء في الرد على من قال بأنّ هذا الكون قد وُجِد بالصدفة، فنكتفي ببعض ما ذكره (نيوتن)، أعظم علماء الطبيعيات، يقول: "لا تشكوا في الخالق؛ لأنه مما لا يعقل أن تكون الضرورة وحدها هي قائدة الوجود؛ لأن ضرورة عمياء متجانسة في كل مكان وزمان، لا يتصور أن يصدر منها هذا التنوع في الكائنات، ولا هذا الوجود كله بما فيه من ترتيب أجزائه وتناسبها مع تغيرات الأزمنة والأمكنة، بل إن هذا كله لا يعقل أن يصدر إلّا من كائن أزلي له حكمة وإرادة".
|
 |
ويقول: "إن من المحقق أن الحركات الحالية للكواكب لا يمكن أن تنشأ من فعل الجاذبية العامة؛ لأنَّ هذه القوى تدفع الكواكب نحو الشمس، فيجب لكي تدور هذه الكواكب حول الشمس أن توجَد يد إلهية تدفعها على الخط المماس لمداراتها"، ويقول: "يجب وجود سبب عرف هذه المواد، وقارن بين كميات المادة الموجودة في الأجرام السماوية المختلفة، وأدرك ما يجب أن يصدر منها من القوة الخارقة، وقدّر المسافات المختلفة، وأدرك ما يجب أن يصدر منها من القوة الخارقة، وقدّر المسافات المختلفة بين الكواكب والشمس، وبين توابعها، وقدّر السرعة التي يمكن أن تدور بها هذه الكواكب وتوابعها حول أجسام تصلح أن تكون مركزًا لها".
|
 |
ويقول: "كيف تكونت أجسام الحيوانات بهذه الصناعة البديعة، ولأيّ المقاصد وضعت أجزاؤها المختلفة، وهل يعقل أن تصنع العين الباصرة بدون علم بأصول الإبصار ونواميسه، والأذن بدون إلمامٍ بقوانين الصوت، كيف يحدث أن حركات الحيوانات تتجدّد بإرادتها، ومن أين جاء هذا الإلهام الفطري في نفوس الحيوانات، فهذه الكائنات كلها في قيامها على أبدع الأشكال وأكملها، ألَا تدل على وجود إله...
|
١.١٣ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله
|
...منزَّه عن الجسمانية، حيّ حكيم، موجود في كل مكان، يرى حقيقة كل شيء في ذاته، ويدرك أكمل إدراك".
|
 |
هذا بعض ما قاله هؤلاء العلماء، وآيات القرآن وهي تعرض عجيب صنع الله في خلقه، إنّما ترشد هؤلاء الحيارى الذين يعيشون في الأوهام، إلى أنّ من صنع ذلك لا بد أن يكون إلهًا موجودًا، فكيف تنكره العقول، ومن هذه الآيات الكثيرة ما تقرؤه في سورة الأنعام، من قول الله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)) [الأنعام:٩٥: ٩٧]، إلى أن يقول: ((ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)) [الأنعام:١٠٢ - ١٠٣].
|
 |
وإذا كان الإلحاد قد انحصر في أفراد قلائل في البيئة العربية التي نزل فيها القرآن، فإن الشرك بالله كان عقيدة سائدة في العرب وفي غير العرب، على اختلاف المعبودات التي كانت تعبد في أنحاء الأرض، وقد سلك الرسل كل الطرق لنزع هذه الجرثومة من الفطرة الإنسانية، ولردِّ الناس إلى طريق الرشاد، وخلاصة هذا المنهج الذي سلكوه: الانتقال من توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية وتوحيد الإله في أسمائه وصفاته، وفي بيان ما عليه معبوداتهم من الضعف والعجز، مما لا يمكن إنكاره، وقد أتى كل رسول يأمر قومه بعبادة الله وحده، قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)) [الأنبياء: ٢٥].
|
١.١٣ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله
 |
وأنت تقرأ في الأعراف كلمة يذكرها نوح وهود وصالح وشعيب، هي قول كل منهم: ((يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) [المؤمنون: ٢٣] وهي كلمة قالها كل نبي لقومه، وجاء بها محمد -صلى الله عليه وسلم، وذكر الله له فيما أوحاه إليه أدلة إثباتها، بعد أن ذكَّر بأن محمدًا في هذا يكمل مسيرة المرسَلين من قبله، في دعوة الإنسانية إلى عبادة الله الواحد الأحد.
|
 |
وفي ذلك تقرأ الآيات التي تأخذ من المشركين اعترافهم بالله خالقًا ورازقًا، تسبّح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وبيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، لتعيب على هؤلاء المشركين انصرافهم عن عبادة هذا الإله إلى غيره من آلهة لا تضر ولا تنفع، اقرءوا في ذلك ما ذكره الله في سورة يونس، من قول الله تعالى: ((قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)) [يونس: ٣١، ٣٢] وما بعدها من آيات.
|
 |
واقرءوا في سورة المؤمنون بعد أن بيّن ربنا وذكر بما لا خلاف عليه من أنه هو الذي أنشأ لهم السمع والأبصار والأفئدة، وأنه هو الذي أوجدهم في هذه الأرض، وأنه هو الذي يحيي ويميت، وله اختلاف الليل والنهار، وفي كلِّ أمر من هذه الأمور يعقِّب بما يدعوهم إلى شكره والخوف منه، والتدبر في آياته، يقول لهم: ((قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ...
|
١.١٣ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله
|
... تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ، بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)) [المؤمنون:٨٤: ٩٠].
|
 |
ثم يثبت وحدانيته بأجلى برهان فيقول: ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [المؤمنون:٩١، ٩٢].
|
 |
واقرءوا في سورة النمل قول الله تعالى: ((قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ، أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ، أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) [النمل: ٥٩: ٦٤].
|
 |
فانظروا في هذه الآيات لتروا كيف ينتقل الحق بهم في أسلوب لا يحتمل الجدال، من تسليمهم بما ذكر في كل آية ليسألهم سؤال تقرير وإنكار: أإله مع الله، أإله مع الله، ولو كانوا يريدون البحث عن الحق لما توقفوا ولقالوا: لا إله إلا الله، كما قالوا: لا رب إلا الله، إلى غير ذلك من الآيات التي تأخذ بأيديهم من توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية، والتي تستتبع توحيد هذا الإله في أسمائه وصفاته.
|
١.١٣ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله
 |
وهذا الإله الواحد الأحد المتّصف بصفات الجلال والكمال، لم يخلق الناس عبثًا، إنما خلقهم لعبادته، ويترتب على ذلك رجوعهم إليه ليحاسبهم ((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ))[الزلزلة:٧، ٨]، وقد استبعد الكفار من الملحدين والمشركين ذلك، وقال الملحدون كما حكى عنهم القرآن: ((وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ))، بل إن المشركين قالوا ذلك أيضًا، وقالوا: هذا شيء عجيب: ((أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ)) [ق: ٣]، ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)) [النمل: ٦٧، ٦٨] فوقفوا بهذا الاعتقاد على عتبة الحياة الدنيا، وظنوا أن الحياة تنتهي بالموت، وأنهم إذا ماتوا فلا شيء وراء ذلك، فكيف استطاع رسل الله أن يقتلعوا هذه العقيدة الفاسدة من قلوب وعقول هؤلاء الضالين.
|
 |
في القرآن ترى أنّ الله يبين أنه لم يخلق خلقه عبثًا: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)) [المؤمنون: ١١٥] وليس من الحكمة أن يخلق الله الخلق، وبمجرد أن تنتهي حياتهم في هذه الدنيا ويموتون، ينتهي كل شيء، فلا حساب ولا جزاء؛ إذ كيف يكون الموت نهاية قصة الإنسان على هذه الأرض، وهناك الظالم والمظلوم، والكافر والمؤمن، والطائع والعاصي، وهناك التفاوت في حظوظ هذه الدنيا وفي عطاءات الله لخلقه، هناك من يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، تستقبله نعم الله وأفضاله فيحيى منعّمًا، وآخر وُلِد على فراش الجوع والمسغبة، بل ربما ولد لا يعرف له أبًا ولا أمًا، وهناك من رزقه الله الصحة والعافية والأبناء الأصحاء، وآخر حُرِم من ذلك،...
|
١.١٣ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله
|
...والكل يموت، فهل في عدل الله أن يترك هؤلاء جميعًا لا يحاسبهم بعد أن يغادروا هذه الحياة الدنيا.
|
 |
لقد بدأ علاج هذا الاعتقاد الخاطئ بسؤال الكافرين عمّن خلقهم، وعمّن خلق السماوات والأرض، وهم لا ينكرون بأن الله هو الخالق وهو الرازق، يقول تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)) [العنكبوت: ٦١] ويقول: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)) [العنكبوت: ٦٣]، وقال في لقمان والزمر: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)) [لقمان: ٢٥]، وقال في الزخرف: ((لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)) [الزخرف: ٩]، وفيها: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ))، [الزخرف: ٨٧]، ويعقب على هذه الآيات بقوله: ((فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)) [العنكبوت: ٦١]، أو ((قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)) [العنكبوت: ٦٣]، أو ((بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)) [لقمان: ٢٥].
|
 |
وما داموا قد سلموا بأن الله هو الذي خلقهم، وهو الذي خلق السماوات والأرض، فلا بد أن يسلموا بأنه إنما خلقهم لغاية، هي أن يؤدّوا حق استخلافهم في أرضه وفق ما أوحى لأنبيائه، وبعد انقضاء مدة بقائهم في الدنيا ينتقلون للآخرة للحساب والجزاء، وهذا هو ما يعبَّر عنه في القرآن بالرجوع إلى الله وبلقاء الله، وإذا كان العقل يسلِّم بهذه الحقيقة، ويقول بأنه لا بد من البعث والحساب، فإنَّ القرآن أفاض في بيان ذلك حتى لم يبق حجة لأحد، ولا عذرًا لمعتذر، وما ذكره الله في سورة الروم من قوله: ((اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) [الروم: ١١]، وما بعدها من بيان حال المجرمين والكافرين والمكذبين بآيات الله ولقائه، وحال المؤمنين الذين عملوا الصالحات،...
|
١.١٣ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله
|
...وتأمّلوا في إثبات ذلك قوله في السورة: ((يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) [الروم:١٩: ٢١] إلى أن يقول: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)) [الروم: ٢٥] إلى أن يقول: ((وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)) [الروم: ٢٧]، وليس هناك بالنسبة لقدرة الله هيّن وأهون، فأمره بين الكاف والنون: ((إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) [يس: ٨٢ ولذلك قال: ((وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) [الروم: ٢٧].
|
 |
وتتواصل أدلة القرآن في السورة سورة الروم، فترى منها قوله: ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ))[الروم: ٤٠]، وإذا كان المشركون لا يمارون في الثلاثة الأولى: الخلق والرزق والإماتة، فلا بد لهم أن يسلّموا بالأمر الرابع وهو إحياؤهم بعد الموت للحساب والجزاء، كما تلمح في قوله في السورة: ((فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [الروم: ٥٠] فقد أخذ من هذه الصورة التي يرونها بين أيديهم، في أرض خالية من النبات، سماها بالأرض الميتة، وضعت فيها البذور ونزلت عليها أمطار السماء، أو سقيت بماء الأنهار أو العيون، وهو في أصله ماء السماء، فإذا بهذه الأرض ترفّ خضرة وبهجة ورواءً، ثم حان موعد حصادها فحصدت، فمن الذي...
|
١.١٣ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله
|
...أحياها بعد موتها ((أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ)) [الواقعة: ٦٤]، فمن فعل ذلك هو الإله القادر على أن يحيي الموتى، ويهدّد رب العزة والجلال المنكرين لهذه الحقيقة فيقول: ((وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)) [الروم:٥٦، ٥٧].
|
 |
وقريب في سورة (ق)، بعد أن ذكر الله استبعاد المشركين للبعث، بحجة أن أجسادهم تفرقت في ذرّات التراب، فكيف تجمع وتعود إليها الحياة، فرد عليهم الإله القوي القادر بقوله: ((قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ)) [ق: ٤] ثم أخذ يسائلهم ويتعجب من غفلتهم فيقول: ((أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ)) [ق: ٦-١١].
|
 |
وفي الآيات التي تتحدث عن مشاهد يوم القيامة، وما يكون فيه من فوز المؤمنين وخسارة الكافرين، وما فيه من تأنيب للكافرين لجهلهم ونسيانهم لربهم وعنادهم، وما يكون هناك من تلاوم بين المستكبرين والمستضعفين، في ذلك كله إثبات ليوم البعث والحشر والحساب والجزاء واليوم الآخر، وهو منهج إلهي ذكره الله في كتابه وتلاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أسماع الناس، واستمرّ يتلوه آناء...
|
١.١٣ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله
|
...الليل وأطراف النهار، وعلّمه للمسلمين فكان منهجهم في الدعوة إلى الله، كما كان منهج رسولهم، وفي تكرار الآيات بما فيها من روعة البيان الذي أعجز الفصحاء والبلغاء ما يفتح الطريق للقلوب لتستجيب لهذا النداء.
|
 |
وإذا نجح الرسل في إقناع الناس بأنّ الله هو الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وإذا استطاعوا أن يفتحوا الطريق للإيمان بما يتبع ذلك من الإيمان بأن الله له ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأنه أرسل رسلًا وأنزل عليهم كتبًا فيها هدى ونور، وأن هناك بعد هذه الحياة حياة أخرى يجزى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، إذا نجح الرسل في ذلك انتقلوا بالمؤمنين إلى آفاق رحيبة، في خطة تشمل عدة جوانب، جانب البناء الأخلاقي، وجانب التعبد للإله الذي آمنوا به، وجانب التعامل مع الآخرين، إلى جوانب أخرى في العلاقات الاقتصادية والسياسية والإنسانية والدولية، وكل ذلك وفق منهج مرسوم واضح السمات والقسمات والأبعاد، لا يضل ولا يختلط بغيره، في بيان جليّ، من أخذ به سعد وأجر، ومن تركه متجبرًا متكبرًا، يظن أنه يستطيع أن يرسم حياته بنفسه وأن يخطط لوجوده في هذه الأرض بعيدًا عن وحي السماء، من فعل ذلك قصمه الله كما جاء ذلك في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
|