١.١٢ قصة أصحاب الجنة


إنَّ الهدف أو المحور الذي تقوم عليه سورة القلم هو إيناس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتسليته، وتطمين قلبه وتثبيت فؤاده، ببيان منزلته، والرد على أعدائه، وأنَّ العاقبة له، وأن الخسران والبوار والهلاك للمكذبين برسالته، ولكم كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون معه بحاجة إلى هذا الإيناس وذلك التطمين والتثبيت، بعد أن كشّر الكفر عن أنيابه، وانبرى المشركون يكيدون للإسلام وأهله كيدًا يزلزل الجبال، فقد رأوا في هذا الدين خطرًا على ما هم فيه من عقائد فاسدة، وأحوال كاسدة، وعادات بالية، وأوضاع اجتماعية مزرية، مكنت للسادة منهم أن يفرضوا سيادتهم على رقاب المستضعفين، وأن يمتصوا دماءهم، وأن يقودوهم إلى حيث يريدون، ولهذا عظُم هول المعركة.
ومع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان من الشرف والمكانة في قريش، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، خيار من خيار من خيار، فهو من أعلى قريش نسبًا وحسبًا، إلّا أنه لم يكن من أصحاب الأموال والتجارة، وهي مقاييس العظمة في كل بيئة تخلو من الدين الصحيح، ولهذا قالوا: ((لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)) [الزخرف: ٣١].
وأخذ المشركون كل ما لديهم من مكر ودهاء وحيل للقضاء على دعوة الحق، اتهموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالسحر والجنون، وطاردوه وطاردوا دعوته والمؤمنين معه في كل مكان، ورموهم بكل نقيصة، وأنزلوا بالمستضعفين منهم كل ألوان العذاب، ولم يسلم من عنفهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكبار أصحابه، وكان من أمر الله وحكمته أن منع المسلمين من رد هذه الإساءات ولو بكلمة،...

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


...إنّما أمرهم بالصبر على ما ينزل بهم إلى أن يأتي نصر الله، ومرت الأيام بل والسنوات، والمشركون يزدادون عنفًا، إلى أن أذن الله لرسوله والمؤمنين بالهجرة إلى المدينة المنورة.
بدأت السورة بقوله: (ن) وهي حرف من الحروف المقطعة التي وردت في افتتاح بعض سور القرآن كقوله تعالى: (ص، ق) وكقوله: (حم) أو (حم، عسق) أو (الم) أو (المر)، وما إلى ذلك، وقد وردت في بيانها أقوال كثيرة منسوبة لبعض الصحابة ولكثير من المفسرين، ثم يقسم الله بالقلم وما يسطرون، على أنّ اتهام المشركين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجنون اتهام باطل، وأنّ الله أعدَّ له أجرًا عظيمًا على قيامه بحقِّ الله عليه، وأنه -صلى الله عليه وسلم- متمكِّن من ذُرا الأخلاق العظيمة، وفي هذا القسم بالقلم وما يسطرون بالقلم، وفي بداية السورة بحرف من حروف الهجاء (ن)، ما يدل على تعظيم الإسلام للقراءة والكتابة، فهي مفتاح التقدم، وباب الحضارة، وأساس التمدن، وهذه أول الآيات نزولًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تأمره بالقراءة باسم ربه: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)) [العلق: ١- ٥].
والعلم الذي تسطِّره الأقلام ليس قاصرًا على علوم الدين وحدها، إنما يشمل علوم الدين والدنيا، والأقلام التي تسطِّر إنما تسطر ما وصل إليه الفكر والعقل من بحث وتجربة؛ ولهذا جاء التهديد للمكذبين المعاندين ((فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ، بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)) [القلم:٥، ٦] أي بظهور عاقبة الأمر بغلبة الإسلام وانقلابهم أذلة صاغرين، وما كان للإسلام أن يظهر على الكفر والمسلمون جهلة لا علم لهم بدين أو...

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


...دنيا، وما كان لهم أن يسودوا وتعلو كلمتهم، ويلتف الناس حولهم وهم أصحاب أخلاق وبيئة وصفات ذميمة، ولهذا جاء قوله: ((إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)) [القلم: ٧] شهادة للمؤمنين المهتدين، وتهديدًا للمعاندين الضالين، ومن منطلق القوة في العقيدة والخلق وحسن الصلة بالله، والتمكن من الحق، يأتي التوجيه القرآني لرسول الله -صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون تبع له: ((فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)) [القلم: ٨، ٩] أي: لا تطعهم فيما يدعونك إليه من التنازل عن دعوتك، وفي مهادنتهم وتركهم في عبادتهم الباطلة، وهم مستعدون لذلك ((وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)) [القلم: ٩].
والآية حَدّ فاصل بين الكفر والإيمان، وأنه لا التقاء بينهما، وما كان لأصحاب الدعوة أن يغمضوا أعينهم عن الباطل وأهله إيثارًا للسلامة، وبعدًا عن وعورة الطريق، إنما هناك الحق الواضح الذي لا يقبل التنازل، وتأكيدًا لهذا المعنى في عدم الانقياد والرضوخ للمكذبين يأتي النهي عن الانقياد لقادة الضلال منهم، أصحاب الأخلاق الرديئة، يقول ربنا:((وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ)) [القلم:١٠: ١٣] وما أسوأها من صفات يتّصف بها أهل الكفر والضلال، ثم يقول تعالى مهددًا ومتوعدًا ومعجِّبًا من حال الواحد من هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالمال والبنين، فكفر بأنعم الله، وردَّ وحي الله، وقال في القرآن قولًا يدل على جهله وحمقه: ((أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)) [القلم: ١٤، ١٥] ((سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ)) [القلم: ١٦] أي: سنجعل له علامة في وجهه يعرف بها في الدنيا والآخرة.

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


ففي الدنيا يضرب بالسيف فيترك السيف علامة في أنفه يُعَرف بها، وفي الآخرة ((تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ))، وإذا علمنا أنّ هذه الآيات من أوائل ما نزل في مكة، أدركنا ما تحمله من بشرى النصر للمؤمنين، وأنهم سيلقون المشركين، ومنهم أصحاب المال والأولاد في معركة من معارك الحق؛ ليكون للمؤمنين نصر الله وقد حدث هذا في بدر، وهذا كقوله تعالى: ((سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)) [القمر: ٤٥] ولما نزلت تعجب عمر -رضي الله عنه- فقال: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: "فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يثب في الدرع وهو يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر، فعرفت تأويلها يومئذ".
وبيانًا لحال المشركين أصحاب الأموال والأبناء والذين لم يشكروا الله على ما أنعم به عليهم، فكان لهم عقاب الله وعذابه في الدنيا والآخرة، يسوق الله قصة أصحاب الجنة فيقول: ((إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ، إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ)) [القلم:١٧، ١٨] إلى أن يقول: ((كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) [القلم: ٣٣] فكيف عرض القرآن هذه القصة؟
إنّها قصة ليست قصة من وحي الخيال، جاء بها القرآن فاختلق شخصياتها، ورتب أحداثها، وأجرى الحوار بين المشاركين فيها إبرازًا لمعنًى من المعاني، وضربًا لمثل من الأمثال، دون أن يكون لذلك وجود واقعي في الحياة، إنّما يعبِّر القرآن عن واقع حيٍّ ملموس، ويذكر تاريخًا لأناس حدث منهم ذلك، ولعلكم تلمحون معي أنه لم يذكر من حدث لهم هذا الأمر، على طريقته في عرض موضع الحكمة مما يسوق من قصة أو حدث، فلا يعنيه أن يذكر الأسماء، فذكرها لا يغيّر من الحقيقة شيئًا، مع أن الروايات قد وردت ببيانهم، فذكر بعض السلفأنّ...

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


... هؤلاء كانوا من أهل اليمن، قال سعيد بن جبير: "كانوا من قرية يقال لها ضروان، على ستة أميال من صنعاء" وقيل: كانوا من أهل الحبشة، وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما يستغلّ منها يرد فيها ما تحتاج إليه، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل، فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق؛ إذ كان يصرف من هذه شيئًا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفّر ذلك علينا، فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، رأس المال والربح والصدقة، فلم يبق لهم شيء.
والقرآن حين يعرض هذه القصة يعرضها بأسلوبه المعجز، مكتملة البناء القصصي في التشويق والحبكة القصصية، مع أنها قصة تساق من خلال آيات بينات، تتوالى هذه الآيات في عذوبتها ورقتها وروعتها، فما أعظمها من آيات.
وتبدأ القصة مرتبطة بما ورد في صدر السورة من بيانٍ لحال المشركين في عتوهم ورفضهم لدعوة الحق، مع نصاعتها وقوتها في ذاتها، ومن حملها إليهم، هذا النبي الكريم، صاحب الخلق العظيم، الملقب فيما بينهم بالصادق الأمين، فحالهم في رفضهم لدعوة الإسلام وكفرهم بالله ورسوله حال أصحاب الجنة، الذين لم يؤدوا حق الله فيما أعطاهم، والقرآن يعبِّر عن هذا وذاك بأنه ابتلاء، فيقول: ((إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ)) [القلم: ١٧] والابتلاء ليس مجرد امتحان واختبار، إنّما هو امتحان ببلاء يحدث للإنسان، وقد يكون هذا في الخير أو الشر، وكما قال تعالى: ((وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)) [الأنبياء: ٣٥].

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


يقول الراغب الأصفهاني: "والقيام بحقوق الصبر أيسر من حقوق الشكر، فصارت المنحة أعظم البلاءين، وبهذا النظر قال عمر: "بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر"، ولهذا قال أمير المؤمنين -يقصد عليًّا رضي الله عنه: "من وسّع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مُكِر به، فهو مخدوع في عقله".
وإذا كان هذا الابتلاء بالنعمة من الله، وكان التعبير عن ذاته -جل وعلا- بقوله: ((إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ)) [القلم: ١٧] علمنا أن هذا ابتلاء شديد؛ لأن الله بعظمته وما له من صفات الكمال والجلال هو الذي يفعل ذلك بعباده، فكم من نعمة أنعمها على المشركين، كان عليهم أن يشكروا الله على نعمه الكثيرة بالإيمان به والتصديق برسوله والانقياد لأمره، ولكنهم كفروا بالله وحاربوا رسوله، وصدوا عن دينه، فلم يجتازوا هذا الاختبار، ومَثَلهم كمثل أصحاب الجنة، ابتلاهم الله بأن أنعم عليهم ببستان فيه ما فيه من ألوان الفاكهة، والتعبير بالصحبة في قوله: ((أَصْحَابُ الْجَنَّةِ)) [القلم: ١٧] دليل على ملكيتهم لجنتهم، وكثرة ترددهم عليها، وأنّها كانت موضع بهجتهم وسعادتهم، يغدون عليها ويروحون، نجح أبوهم ورسبوا، فالقصة ترغيب وترهيب، والقصة بهذه البداية تجعلك تشرئب وتتطلع لمعرفة ما كان من أمر هؤلاء، فيأتيك بيانه في قوله: ((إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ)) [القلم:١٧، ١٨].
ولم يذكر الله ما كان يحدث من أبيهم من إكرام للفقراء وبرٍّ بالمساكين، وما ترتَّب على ذلك من بركة في رزقه، ووفرة في إنتاج حديقته؛ لأن المثل يُضرَب لمن كفر بأنعم الله.

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


والقرآن يتخطّى الأحداث التي سبقت قسمهم هذا؛ ليترك لك مساحة تُعمِلُ فيها فكرك، فتقول وتتخيل هؤلاء الأبناء في حياة أبيهم يرونه يجود بجزء من ثمار حديقته للفقراء، ويرون ما تجود به جنتهم من وفرة في هذه الثمار، وقد كبروا وصار لهم أبناء، وهم ينظرون إلى فعل أبيهم، فيظنون أن ما يفعله إسراف لا يليق، وأنه لو حَرَم المساكين ومنعهم من أخذ شيء من ثمارها لكان ذلك أولى؛ لأنهم سوف يكون لهم ما تنتجه جنتهم بالكامل.
ولذلك ما إن صارت الحديقة لهم بعد وفاة أبيهم حتى عقدوا هذا الاجتماع، وتداولوا فيما بينهم، فاتفقوا على الخطة التي سيسلكونها لمنع الفقراء والمساكين من الحصول على شيء من ثمار هذه الحديقة، يتخطّى القرآن كل هذه الصور ليعرض صورة لأبناء الرجل الصالح، وقد سيطر عليهم الغضب، وتملكتهم ثورة عارمة وحنق على ما أضاع أبوهم خلال سنوات قلائل، وقالوا ما سمعتم، لقد كان أبونا أحمق، وإن فعلنا ما كان يفعل ضاق علينا الأمر ونحن أصحاب عيال.
وتوثيقًا وتأكيدًا لما اتفقوا عليه أقسموا أن يقطعوا ثمارها في الصباح الباكر، قبل أن يعلم الفقراء والمساكين بخروجهم وقطعهم لثمار حديقتهم، وتعبير القصة عن منعهم الفقراء له طعمه ودلالته، فقد بدأ ذلك بالقسم، تأكيدًا لما عزموا عليه، ولم يذكر ما أقسموا به ليجعلك تتخيل كل عظيم لديهم يمكن أن يقسموا به، وإن كانت الآيات قد دلّت على أنهم كانوا يؤمنون بالله، مما يرجِّح أنهم كانوا من أهل الكتاب، فقد ذكرت في نهاية القصة قولهم: ((عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ)) [القلم: ٣٢] فيفهم من ذلك أنهم...

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


...أقسموا بالله، وانظر إلى ما أقسموا عليه، إنه يجمع بين أمرين: الفعل والزمن، أما الفعل فهو في قوله: ((لَيَصْرِمُنَّهَا)) [القلم: ١٧]. وأما الزمن فهو في قوله: ((مُصْبِحِينَ)) [القلم: ٢١] وصرم الشيء قطعه، وهذا ليس مجرد قطع لشيء من شيء، إنما قطع لا يبقى شيئًا.
يقول الراغب: "الصارم الماضي، وناقة مصرومة كأنها قطع ثديها، فلا يخرج لبنا حتى يقوى، وتصرمت السنة و انصرم الشيء انقطع، وأصرم ساءت حاله"، أما الزمن ففي قوله: ((مُصْبِحِينَ)) [القلم: ٢١] أي داخلين في وقت الصباح الباكر، وأضاف إلى ما عزموا عليه وأقسموا عليه قوله ((وَلَا يَسْتَثْنُونَ)) [القلم: ١٨]، وهذا معناه: أنهم لم يقولوا: إن شاء الله، أو أنهم لم يستثنوا أحدًا من الفقراء يجدون أنه مسكين يستحق الصدقة، إنما أصروا على منع كل فقير ومسكين، وكلا المعنيين جائز.
فكم من أناس يدبرون أمرهم ويحكمون خطتهم لفعل شيء ما، ويوقنون أنهم لا بُدَّ واصلون لتحقيق غايتهم، وما علموا أن مدبِّر الأمر هو الله، فإليه يرجع الأمر كله، ومع اتخاذ الأسباب يفوّض العبد الأمر لله فيقول: إن شاء الله، وتنتقل القصة لتصوّر مشهدًا آخر في مواجهة تدبير أصحاب الجنة، وما عقدوا عليه العزم، إنه تدبير الله، فتقول: ((فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ)) [القلم: ١٩، ٢٠] فانظر لجمال العرض في دقة المقابلة بين فعل البشر وفعل رب البشر؛ رب السماوات والأرض، فالآيتان تعرضان مشهدًا من مقدّمة ونتيجة في لقطة فنية سريعة، توقظ الأحاسيس والمشاعر، فالفاء في قوله: ((فَطَافَ))[القلم: ١٩] تدلك على أن أمر الله نزل بجنتهم بعد أن عقدوا العزم على فعلتهم على وجه السرعة، والطواف الذي طاف عليها -يعني: الإحاطة من كل جانب، ومعنى...

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


...هذا أنه لم يترك منها موضعًا.
والتعبير بالربوبية مضافة إلى المخاطب وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له الخطاب، فيه إظهار لهيمنة الله وقدرته على فعل ما يشاء، وفيه لفت للأنظار إلى أنّ هؤلاء لم يفهموا ولم يدركوا أنّ ما آل إليهم من ملكية هذه الجنة، إنما ذلك محض عطاء الله وفضله، وأن ما تجود به من الثمار نعمة من الله تستحق الشكر، ويأتي قوله: ((وَهُمْ نَائِمُونَ)) [القلم: ١٩] ليكمل الصورة؛ لتتخيل هؤلاء في غفلتهم، يغُطّون في نومهم، لا يدرون ما دبره الله في جنتهم، كما تدل هذه الصورة على بلادة حسهم، وأنهم لم تتحرك فيهم ذرة من رحمة وعطف على الفقراء، وأنهم لم يتألموا لمنع هؤلاء الفقراء، إنما ذهبوا لبيوتهم فناموا ملء جفونهم؛ كأنهم لم يصنعوا شيئًا.
وقد توعد الله من لم يحض على طعام المسكين بسوء العذاب فقال: ((خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)) [الحاقة:٣٠: ٣٤] فما بالكم بمن منع المساكين من خيره وبره، أما النتيجة ((فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ)) [القلم: ٢٠] وكلمة الصريم التي رأيناها في قول أصحاب الجنة: ((إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ)) [القلم: ١٧] وسوف نقرأها في ((أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ)) [القلم: ٢٢].
هذه الكلمة لم تُذْكَر في القرآن إلّا في هذه السورة، وهي تعني كما ذكر الراغب وغيره: انفصال شيء عن شيء، وهنا معناه: أن هذا الطائف الذي طاف عليها أسقط كل ثمارها، فلم يترك منها شيئًا، وقال ابن عباس: ((فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ)) [القلم: ٢٠] كالرماد الأسود.

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


يقول الألوسي: "وهو بهذا المعنى لغة خزيمة"، وعن ابن عباس أيضًا: "الصريم رملة باليمن معروفة لا تنبت شيئًا"، وقال منذر والفراء وجماعة: "الصريم: الليل" والمراد أصبحت محترقة تشبه الليل في السواد وهي معان متقاربة.
وتترك القصة أمر الجنة وما صارت إليه من احتراق أشجارها، والقضاء التام على ثمارها؛ لتعود بنا إلى أصحابها الذين استيقظوا في الصباح في الباكر، وما زالوا مصمّمين على تحقيق ما اتفقوا عليه، وتأمل معي تصوير القرآن لهم، وكأنك تراهم صورة ماثلة ((فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ، فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ، أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ، وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ)) [القلم:٢١: ٢٥].
فهاهم أولاء قد قاموا في الصباح قبل طلوع الشمس، وأخذ كل منهم ينادي أخاه ليوقظه، مما يدل على تحمسهم وإصرارهم على تنفيذ مخططهم، وكل منهم يقول لإخوته: هبوا لنذهب معًا إلى بستاننا، إن كنتم تريدون قطع ثماره قبل مجيء المساكين، كما جرت بذلك عادتهم، وبسرعة تجمعوا وانطلقوا وهم يتخافتون -أي: يتحدثون بصوت منخفض، يتاوصون فيما بينهم، ويؤكدون ذلك قائلين: ((أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ)) وساروا مسرعين إلى بستانهم يملؤهم الغضب، ويعتقدون أنهم على منْعِ المساكين قادرون، فقد مات أبوهم الذي كان في نظرهم يسيء إليهم؛ حيث يعطي المساكين ما يعطي، بل كان الرجل يخبر المساكين بموعد جنيه لثمار جنته حتى يحضروا لينالوا من خيره وبره، أمّا الآن فهذه الحديقة ملك خاصٌّ لهم، فهم لذلك يستطيعون أن ينفِّذوا فيها ما يحبون، وكلمة الحرد في قوله:...

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


... ((وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ)) [القلم: ٢٥] لم تذكر في كتاب الله إلّا في هذه الآية، وكأن اختيار هذه الكلمات الفريدة في القرآن، لمناسبة أن هذه القصة أيضًا فريدة لم تذكر في القرآن إلّا في هذه السورة، سورة القلم.
فماذا كان من أمرهم حين وصلوا مصبحين إلى جنتهم، هنا يأتي مشهد آخر ترسمه كلمات الآيات فتقول: ((فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ، قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ، عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ)) [القلم: ٢٦- ٣٢].
وبين هذا المشهد وسابقه ترى مسافة يملؤها الفكر؛ ليقول: بأن هؤلاء الأبناء بعد أن قام كل منهم مبكِّرًا ينادي إخوته ليخرجوا جميعًا مبكرين، ثم انطلقوا بجمعهم يتكلمون بصوتٍ خفيض حتى لا يلفتوا إليهم الأنظار، ويؤكدون ما بيتوه ليلًا من حرمان المساكين، وأنهم صاروا يظنون لجهلهم أنهم قادرون على الاستحواذ على ثمار جنتهم، والانفراد بها وحدهم، دون أن يعطوا منها فقيرًا شيئًا، فساروا حتى وصلوا إلى حديقتهم فماذا كان؟
القرآن يعبِّر عن ذلك بهذه الكلمات، التي تحمل الأسى والحزن، وتصوّر الدهشة التي اعترت هؤلاء الأبناء، فهي تذكر أنّهم بمجرّد أن وصلوا ورأوها أنكروا أنفسهم، ومن شدة المفاجأة قالوا: ((إِنَّا لَضَالُّونَ)) [القلم: ٢٦] أي: إنا سلكنا طريقًا آخر أدّى بنا إلى بستان آخر محترق ليس به ثمر، وبستاننا كان وارف الظلال مثقلًا بالثمار، ثم أفاقوا من دهشتهم، وتيقنوا أن هذه جنتهم فقالوا: ((بَلْ نَحْنُ ...

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


...مَحْرُومُونَ)) [القلم: ٢٧] أي: إنّ الله حرمنا من ثمار جنتنا، بل حرمنا من بقاء أشجارها لأنا عقدنا النية على حرمان المساكين.
وكم في كلمة الحرمان من تعبير عن الأسى والحزن والألم، وكأنها تصورهم والكآبة قد علت وجوههم، والألم يعتصر قلوبهم، وفي هذا المشهد ترى واحدًا منهم يقف يلومهم أن لم يستجيبوا لنصحه، وهو أخ لهم كما قال ربنا: أوسطهم، أي أرجحهم عقلًا وأصوبهم رأيًا، أو أوسطهم سنًّا، قال لهم: ((أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ)) [القلم: ٢٨] فهو يذكرهم بنصيحته لهم حين كانوا مجتمعين للتشاور في كيفية الحصول على ما في جنتهم كاملًا، دون أن يعطوا الفقراء منها شيئًا، ولم يقولوا إن شاء الله، ظنًّا منهم أنهم بتدبيرهم سوف يحققون مطلبهم، وأنه لا مجال لمشيئة الله في ذلك، أو يذكرهم هذا الأخ بما طلبه منهم من التوبة والرجوع عن هذه الخطة الفاسدة، فلم يستجيبوا لنصحه، فاعترفوا بذمهم قائلين: ((سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ)) [القلم: ٢٩].
والقرآن يذكر أنّ البلاء قد وقع بهم جميعًا؛ لأن هذا الأخ مع نصيحته لهم لم يتركهم يذهبون ولم يتخل عنهم ولم يتخلف، إنما سار معهم حيث ساروا، فوقع البلاء بهم جميعًا، مما يدعونا إلى أن نوجّه النصح لمن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، أن يحذروا من موافقة أهل المعاصي والظالمين والطاغين.
والقرآن يصور حالهم، حال الندم بعد فوات الأوان، وكيف أنّهم أقبل بعضهم على بعض يتلاومون، كل منهم يلوم الآخر، ويدّعي أنه السبب فيما كان منهم وما وقع بهم، ثم اعترفوا بطغيانهم كما اعترفوا بظلمهم: ((قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ)) [القلم: ٣١] وكم في قولهم:...

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


...((يَا وَيْلَنَا)) من تحسر وندم، ودعوا الله أن يبدلهم خيرًا من جنتهم؛ لأنهم تابوا إليه ورغبوا في ثوابه وفضله، وقد قَبِلَ الله توبتهم، وأبدلهم خيرًا منها، وروي أنهم تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيرًا منها لنصنعنَّ كما صنع أبونا، فدعوا الله -عز وجل- وتضرعوا إليه سبحانه، فأبدلهم الله تعالى من ليلتهم ما هو خير منها.
وختامًا لهذه القصة يقول ربنا: ((كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) [القلم: ٣٣] وفي ذلك العبرة والعظة، فهكذا يكون عذاب الله لمن عصاه، ولمن منع حق الفقراء والمساكين، ويبقى له في الآخرة العذاب الأكبر لو كانوا يعلمون.
يقول الإمام الفخر الرازي: "واعلم أنّ مقصود هذه القصة أمران؛ أحدهما: أنه تعالى قال: ((أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ، إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)) [القلم: ١٤، ١٥] والمعنى لأجل أن أعطيناه المال والبنين كفر بالله، كلا، بل إن الله أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمّر الله عليه، بدليل أصحاب الجنة؛ لمّا أتوا بهذا القدر اليسير من المعصية دمّر الله على جنتهم، فكيف يكون الحال في حقِّ من عاند الرسول، وأصر على الكفر والمعصية، والثاني: أنّ أصحاب الجنة خرجوا لينتفعوا بالجنة ويمنعوا الفقراء عنها، فقلب الله عليهم القضية، فكذا أهل مكة؛ لمّا خرجوا إلى بدر حلفوا على أن يقتلوا محمدًا وأصحابه، وإذا رجعوا إلى مكة طافوا بالكعبة وشربوا الخمور، فأخلف الله ظنّهم، فقتلوا وأسروا كأهل الجنة".

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


إذا ما قرأنا في كتاب الله هذه القصة؛ قصة أصحاب الجنة، لا بُدّ أن نقول للآخرين: اعتبروا أيها الناس بما آل إليه حال أصحاب الجنة، ولا تحرموا الفقراء والمساكين، فلهم في أموالكم حق معلوم، كما يجب أن ننبِّه إلى قيمة العلم والعلماء في بناء الأمم، وأنّ هذا الدين قد بدأ رحلته لبناء الأمة المتعلمة، التي تزخر بالعلم والعلماء من أول لحظة نزل فيها القرآن، وكما رأينا في هذه السورة المباركة؛ حيث أقسم الله في مطلعها بالقلم وما يسطرون، نعود لنبني أمتنا على العلم النافع المرتبط بالإيمان الصحيح، وبالأخلاق الكريمة، التي تسلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذراها، وسعد بشهادة الحق في قوله -عز من قائل: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [القلم: ٤].
وعلينا أيضًا أن ننظر في الآيات التالية لهذه القصة، فهي ترتبط بهذه القصة ارتباطًا وثيقًا، وتؤكد ما جاء فيها من المعاني، ذلكم أنها تُعلي من قدر أهل التقوى، وتبين بأنَّ المتقين لهم عند ربهم جنات النعيم، وتقارن بين المسلمين والكافرين، الذين سمّتهم الآيات بالمجرمين، فتقول: ((أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ)) [القلم: ٣٥]، وتناقشهم فيما هم فيه من أباطيل، وتعيب عليهم أنهم لم يستعملوا عقولهم، ولم يلتفتوا إلى آيات الله فتقول: ((مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ، إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ، أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ، سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ، أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)) [القلم:٣٦: ٤١] وتهددهم بالعاقبة الوخيمة، وأنهم حين أنعم الله عليهم بما أنعم، فكذبوا بالله ورسوله، وكذبوا بهذا القرآن، وأن هذا لا بُدّ أن يكون معلومًا لديهم...

١.١٢ قصة أصحاب الجنة


...بأنه استدراج من الله لهم، يقول تعالى: ((فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)) [القلم:٤٤، ٤٥]
كما توجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أن يصبر على أذى هؤلاء، فإن العاقبة العظيمة له، كما قال ربنا: ((فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ)) [القلم: ٤٨] يونس -عليه السلام ((إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ)) [القلم: ٤٨] فاستجاب الله له، وتداركه برحمته، ونُبِذَ بالعراء وهو مذموم، ((فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ)) [القلم: ٥٠].
ثم تبيّن السورة في نهايتها بأنّ هذا الذي يراه من أقوال هؤلاء المكذبين المعاندين، إنما هذا من باب الحسد، فتقول: ((وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ)) [القلم: ٥١] ((وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)) [القلم: ٥٢] هذه رسالة عالمية لبني الإنسان، وعلى قدر اتساع هذه الرسالة وعظمها يكون صبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على مشقاتها.