٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
 |
وفي قصة يوسف مع امرأة العزيز نجد أنّ الآيات التي تحدثت عنها لم تذكر في غير سورة يوسف، وذكرت في سياق الحديث عن يوسف -عليه السلام- حين تناولت آيات السورة قصة يوسف مع أبيه ومع إخوته، ثم مع امرأة العزيز، كما ذكرت حياته في السجن، وما كان من أمره، وذكرت خروجه من السجن، وتوليه وزارة المالية والاقتصاد والتموين، وأنَّ الله مكن له في الأرض، إلى آخر ما كان من أمره؛ حيث جمعه الله بأبيه وإخوته على أرض مصر ((وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)) [يوسف: ١٠٠، ١٠١].
|
 |
حين يروي لنا أحداث هذه القصة، لا يرويها مجرَّد أحداث للتسلية والتاريخ، إنما يربطها بأهداف القصة في القرآن، ومنها: الدلالة على صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يبلغ عن ربه، وأنَّ هذا القرآن من عند الله، فإذا ثبت هذا كان لزامًا على مَنْ يسلِّم به أن يؤمن بهذا القرآن منهجًا ودليلًا، وبمن أنزله إلهًا معبودًا، وبمن نزل عليه اتباعًا وانقيادًا؛ ولذلك ترى في بداية القصة تحديد هذه الأهداف؛ لتُبنَى عليها أحداث القصة، فيقول سبحانه في مطلع السورة: ((الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)) [يوسف: ١- ٣].
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
 |
ثم تبدأ القصة بقوله تعالى: ((إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ)) [يوسف: ٤] إلى آخر ما قال الله -عز وجل، وفي نهاية القصة، بعد دعاء يوسف -عليه السلام- ربه فاطر السماوات والأرض، بأن يتوفاه مسلمًا، وأن يلحقه بالصالحين، يقول تعالى إثباتًا وتحقيقًا لأهداف القصة: ((ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ)) [يوسف: ١٠٢]، ثم تعقِّب الآيات على ذلك ببيان موقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- من المشركين، وباستلهام العِبَر والعظات من القصة، إلى أن تختم بقوله: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [يوسف: ١١١].
|
 |
إن هذه القصة لو تأمّلت فيها لوجدتّ أنها تتألف من عدة حلقات أو فصول أو مشاهد، تبدأ من بداية السورة إلى أن تنتهي بإعلان براءة يوسف؛ حين جمع الملك النسوة ومعهنّ امرأة العزيز، وسألهن الملك: ((قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ)) [يوسف: ٥١] إلى قوله: ((إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [يوسف: ٥٣] لتبدأ بعد هذه المحن أيام المنن والعطايا؛ حيث يكون يوسف من خاصّة الملك والمقرَّبين له، ويتولى خزائن الأرض، ويحتل المكانة العالية؛ فيتبوأ في الأرض منها حيث يشاء.
|
 |
وتسير قصة يوسف إلى نهايتها لتكون نبراسًا يضيء الطريق للمظلومين والمستضعفين من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم، وأن النصر والتمكين لهم، وتلك سنة الله في عباده ((وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)) [يوسف:١٠٩، ١١٠].
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
 |
وحين نقول بأن قصة يوسف مع امرأة العزيز تتألّف من حلقات أو فصول أو مشاهد، لا نقصد هذا البناء في صياغة القصة من تقسيمها إلى فصول، ينتهي فصل فيقال: الفصل الثاني وهكذا، إنما تنساب الآيات رقراقة عذبة ممتعة، يأخذ سحرها بالألباب في روعة كلماتها، والانتقال معها من آية لآية، ليس لأحد دخل في بداية الآية أو نهايتها، إنما هذا وحي الله الذي أوحاه لرسوله -صلى الله عليه وسلم، وكل ثلاث آيات معجزة يتحدّى الله بها الإنس والجن أن يأتوا بمثله، فلم يفعلوا ولن يفعلوا، فأين أسلوب وبناء وتأليف القصص التي يصوغها الأدباء والكتاب من أسلوب وبناء القصة القرآنية؟ وأين الثرى من الثُّريّا؟
|
 |
لكنّك لا تستطيع الحديث عما كان من أمر يوسف مع امرأة العزيز قبل أن تقف مع الأسباب التي ساقت يوسف إلى بيت عزيز مصر، لتعرف من هو يوسف، وماذا كان من أمره حتى كان عبدًا يباع في الأسواق وهو الكريم بن الكريم بن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل -عليهم جميعًا السلام.
|
 |
تبدأ السورة كما ذكرنا بالحروف المقطعة الر؛ لتقول: إنّ آيات القرآن المبين مؤلَّفة من هذه الأحرف، فليست من لغة غير اللغة العربية، وهذه الآيات المؤلفة من الحروف ثم الكلمات، تنطق بها فإذا هي كلمات كالكلمات التي ينطق بها العرب، لكنها حين اجتمعت مع بعضها لم يستطع أحد أن يأتي بمثلها، ففيها سر الله وإعجازه للبشر؛ ولذلك قال عز من قائل: ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)) [يوسف: ٢].
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
 |
فدلّ التعظيم في قوله: ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ)) على أنّ هذا القرآن قد صدر من إله عظيم متَّصف بصفات الجلال والكمال، نزل من الروح المحفوظ في ليلة مباركة هي ليلة القدر، فلمّا كان القرآن بلسانهم كان ذلك شرفًا لهم ((وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)) [الزخرف: ٤٤] وليكون في نزوله عربي اللسان، واضح البيان، ما يدعو إلى فهمه وتدبره، ولما سأل الصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقص عليهم من قصص القرآن ما يسرّي عنهم، نزلت الآيات تذكر لهم قصة يوسف، وبدأت بقول الحق -تبارك وتعالى: ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)) [يوسف: ٣] أي: لا علم لك به من قبل، أما وقد علمته، فهذا دليل على أنه من عند الله، وأنك رسول الله.
|
 |
أوجه أن قصة يوسف من أحسن قصص القرآن، اشتمالها كما يقول العلامة الألوسي: "على حاسد ومحسود، ومالك ومملوك، وشاهد ومشهود، وعاشق ومعشوق، وحبس وإطلاق، وخصب وجدب، وذنب وعفو، وفراق ووصال، وسقم وصحة، وحلٍّ وارتحال، وذل وعز، وقد أفادت أنه لا دافع لقضاء الله تعالى، ولا مانع من قدره، وأنه سبحانه إذا قضى لإنسان بخير ومكروه، فلو أن أهل العالم اجتمعوا على دفع ذلك لم يقدروا، وأن الحسد سبب الخذلان والنقصان، وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن التدبير من العقل، وبه يصلح أمر المعاش، إلى غير ذلك مما يعجز عن بيانه بنان التحرير".
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
 |
وبعد هذا الاستهلال للقصة، تبدأ القصة بقول الله تعالى: ((إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)) [يوسف: ٤]، فتلفت الأنظار إلى أهمية القصة، وأنها جديرة بأن تبقى دائمًا في الذاكرة، يستلهم منها أهل الإيمان من العبرة والعظة الكثير، ذلكم أن قوله: ((إِذْ قَالَ يُوسُفُ)) كلمة إذ منصوبة بإضمار اذكر، أي: اذكر وقت إذ قال يوسف لأبيه، والمقصود من ذكر الوقت -كما تعلمون- ذكر ما حدث فيه، وما حدث فيه أمر عظيم، يبدأ في تلك الرؤية التي قصّها يوسف على أبيه يعقوب، والتي ذكرتها الآية.
|
 |
ولم تذكر الآيات أن يعقوب فسر هذه الرؤيا لابنه، إنما نصحه أن يكتمها عن إخوته حتى لا يكيدوا له كيدًا يضره، فهو -أي يعقوب- يرى من أبنائه حسدهم من محبة أبيهم ليوسف وأخيه، وبقيت هذه الرؤيا تفسّرها الأحداث عبر رحلة يوسف، إلى أن جاء ختام الأحداث باجتماع يوسف مع أبويه وإخوته في أرض مصر ((وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)) [يوسف: ١٠٠] فكان ذلك من روعة سياق القصة في القرآن، وقد ذكرت السورة رؤيا لكلٍّ من صاحبيْ يوسف في السجن، وقد فسرها لكلٍّ منهما، كما ذكرت رؤيا الملك والتي لم يستطع المؤولون من المقربين للملك أن يفسروها له، ففسرها يوسف، وكان ذلك سببًا في خروجه من السجن، ومحبة الملك له، وتوليه أمور البلاد الاقتصادية.
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
 |
لكن بناء القصة إنما قام على رؤيا يوسف التي قصّها على أبيه، وكان منها بداية الخيط التي ارتبطت به، ما كان من أمر يوسف في كلّ مراحل حياته، وكل مرحلة تحقِّق جانبًا من هذه الرؤيا، وقبل أن ينتقل القرآن إلى مرحلة الحديث عن إخوة يوسف، يشوقنا إلى ذلك بما يذكره من نصيحة يعقوب لابنه، ألّا يقص رؤياه على إخوته، وأن الشيطان قد يسول لهم أمرًا ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ)) [يوسف: ٥] وبما يفضي به يعقوب ليوسف من أنه يتوقّع له مستقبلًا عظيمًا؛ إذ يرى أن الله سوف يختاره نبيًّا ويعلمه من تأويل الأحاديث، ويتم نعمته عليه وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويه من قبل إبراهيم وإسحاق، إن ربك حكيم عليم.
|
 |
فكانت هذه بشرى ليوسف بالنبوة والعلم والحكمة وإتمام النعمة، ولكنّه يخشى عليه من إخوته، وحين ذكر ذلك يعقوب تشوّفت النفس لمعرفة ما كان من أمر هؤلاء الإخوة، ويبدأ الحديث عنهم بقول الله تعالى: ((لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ)) [يوسف: ٧] وفي هذا الابتداء تشويق لمعرفة ما حدث، وأنّ ما حدث في كل مرحلة من مراحله آية وعلامة بارزة على قدرة الله، وأنه غالب على أمره، لمن يسألون عن هذه القصة، ويودون أن يعتبروا بما فيها.
|
 |
وتبدأ القصة بحديث يدور بين إخوة يوسف، فقد أخذوا في البحث عن حلٍّ لمشكلة نفسية سيطرت عليهم ((إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [يوسف: ٨] ومع أنّ أباهم لم يقصِّر في واجب لهم، ولم يحرمهم من محبته، إلّا أنهم وجدوه يخص يوسف وأخاه بنيامين بلونٍ من العطف والمحبة أكثر منهم؛ لما يرى في يوسف من شيم الصلاح والنجابة وحسن الخلق،...
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
|
...ومن أجله أحبّ بنيامين، فأمهما واحدة، ورأوا أنهم أحق بهذه المحبة لأنهم القائمون على مصالحه، فهم عصبة -أي جماعة- قوية بمثلهم يفخر الآباء، وتأمل قولهم: ((إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [يوسف: ٨] فهذا من سوء الأدب؛ إذ كيف يقول أبناء لأبيهم هذا، فما بالكم وهذا الذي يذكرون فيه ذلك نبي من أنبياء الله، والآيات تصور هؤلاء الأبناء في هذه الصورة المزرية في كل مواقفهم من أبيهم.
|
 |
انظر إلى ما قالوه له بعد أن عادوا إليه من مصر بغير بنيامين، فاشتد حزنه ((وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ، قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)) [يوسف:٨٤: ٨٦].
|
 |
وتأمّل حالهم حين جاء البشير بقميص يوسف، فلما ألقي على وجه يعقوب رجع إليه بصره، ولما قال لهم: ((إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ، قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ))، وأخذ هؤلاء الإخوة يديرون الرأي فيما يصنعون لإبعاد يوسف عن أبيه، حتى تكون لهم الحظوة وحدهم، قال فريق منهم: اقتلوا يوسف، وقال آخرون: اطرحوه أرضًا -أي خذوه واتركوه في أرض بعيدة لا يستطيع العودة منها إلى أبيه، فإن فعلوا ذلك خلا لهم وجه أبيهم، ثم هناك يستغفرون الله من ذنبهم، وهذا من الحمق وسوء الأدب مع الله؛ إذ إن هذا يفتح الباب لكلِّ من أراد المعصية ليقول: أقتل أسرق أزني، ثم أتوب، إنما يقع من يقع في المعصية في لحظة من لحظات الضعف البشري، وكأنه ساهٍ ولاهٍ وجاهل، فإذا ما انكب على وجهه وألقاه الشيطان في بحر الخطيئة نهض من كبوته ضارعًا باكيًا على ذنوبه كما قال تعالى:...
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
|
...((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)) [آل عمران:١٣٥، ١٣٦].
|
 |
وعرض عليهم أحد الإخوة وهو أكبرهم اقتراحًا ثالثًا، هو أن ينزلوه إلى قاعِ بئر عميق على طريق القوافل، فلعل قافلة تمرّ بهذا البئر، وتستقي منه الماء، فترى يوسف فتأخذه، فتحقق ما نهدف إليه من إبعاد يوسف عن أبيه، ولا نرتكب جريمة القتل، فاتفقوا على ذلك.
|
 |
وتنتقل القصة إلى المشهد الثاني، وتترك فراغًا يملؤه الفكر، وهو يتساءل كيف استطاعوا تنفيذ مخططهم بكل ما فيه من قسوة وغلظة، تستطيع أن تقول بأنهم بعد هذا الاجتماع الشيطاني ذهبوا إلى أبيهم ليحتالوا عليه في الحصول على يوسف، فعرضوا عليه أنهم يريدونه أن يقضي معهم وقتًا يأنسون به، فارتاب في أمرهم، فماذا فعلوا ((قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ، أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [يوسف: ١١، ١٢] فقال لهم: ((إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ)) [يوسف: ١٣] فكأنّه حين قال لهم ذلك دلّهم على عذر يعتذرون به إليه حين يعودون وقد نفذوا ما اتفقوا عليه، وقد أكدوا لأبيهم أنهم سيكونون قائمين على حفظه، وطمأنوه بحسن رعايتهم لأخيهم ((قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ)) [يوسف: ١٤].
|
 |
وأخذوا يوسف من أبيه، وذهبوا به إلى البئر، وهناك ربطوه بحبل ودلوه فيه، فأيّ أناس هؤلاء؟ وأي جريمة تلك التي ارتكبها هؤلاء الإخوة؟ وأي قلوب هذه القلوب في غلظتها وقسوتها؟ ولكنّ الذي يتولى الصالحين ألقى في قلب يوسف برد الأمان، وأعلمه أنه سينجو من هذه...
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
|
...المحنة، وسوف يكون له شأن، وسوف يأتون إليه فيخبرهم بما فعلوه به، ولكن هؤلاء الإخوة الغلاظ الأكباد لا يخطر ببالهم ذلك، قال تعالى: ((وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)) [يوسف: ١٥].
|
 |
وقد تحقق وعد الله له حين جاءوا إليه يطلبون إكرامه لهم، بعد أن جاءوا إليه يطلبون المرة المرة تلو المرة، فقال لهم: ((هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ، قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ)) [يوسف:٨٩: ٩١] لقد تركوا يوسف في الجب وحيدًا وانصرفوا، والجب يختلف عن البئر؛ لأن الجب تراه يضيق من أعلاه ويتسع من أسفله، أما البئر فهو على ميزان واحد متسع من فوق، كما هو واسع من أسفله، لكنهم اختاروا هذا الجب بكل ما فيه من ظلام ووحشة، ورجعوا إلى أبيهم فماذا قالوا لأبيهم؟ وماذا قال لهم؟
|
 |
هنا ينتقل القرآن لعرض مشهد من مشاهد القصة مثير، وكأنّي بك تتصورهم وقد جاءوا جميعًا لأبيهم وقت العشاء، أو قل في جنح الظلام، دون أن يكون معهم يوسف، والمشهد يصورهم وهم يبكون، وقد اختاروا وقت الليل حتى لا تبدو آثار تمثيلهم على أبيهم على وجوههم، وذكروا له أنهم ذهبوا يتسابقون وتركوا يوسف قريبًا منهم عند ملابسهم ومتاعهم، فعدا عليه الذئب فأكله، ولإحساسهم بأنّهم يكذبون قالوا: ((وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا -أي بمصدق- وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ))، وإمعانًا في إخفاء معالم جريمتهم جاءوا لأبيهم بقميص يوسف وهو ملوث بالدماء، وهذا الدم دم سخلة ذبحوها، ولطخوا بدمها القميص.
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
 |
كما روي عن ابن عباس ومجاهد، وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة، أنهم أخذوا ظبيًا فذبحوه فلطخوا بدمه القميص، ولما جاءوا به جعل يقلبه فيقول: ما أرى به أثر ناب ولا ظفر، إن هذا السبع رحيم، وفي رواية أنه أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضّب وجهه بدم القميص، وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبًا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميص.
|
 |
وهنا تتوقف الآيات لترسم مشهدًا آخر من مشاهد هذه القصة، ويبدأ هذا المشهد بيوسف في الجب، لا طعام معه، وقد تمر عليه أيام فيموت جوعًا، وبينما هو على حاله هذا؛ إذ مرت قافلة بهذا المكان، هذه القافلة متجهة إلى مصر، فأرسلوا واحدًا منهم ليأتي لهم بماء من هذا الجب، فكانت المفاجأة؛ إذ وجد من يتعلق بالدلو، فنظر وصاح: ((يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ)) فأخرجه، وأراد أن يحتفظ به لنفسه، فادعى أنه اشتراه من أصحاب الماء، وعن ابن عباس أن الذين أسروه بضاعة هم إخوة يوسف، أسروا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع، فذكره إخوته لوارد القوم، فنادَى أصحابه: يا بشرى هذا غلام يباع، فباعه إخوته بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين، ولو أراده أصحاب القافلة بلا ثمن لأعطوهم إياه.
|
 |
وسار القوم إلى مصر، وأوقفوه في سوق العبيد، فباعوه في مصر، وكان الذي اشتراه عزيز مصر، أي: وزيرها، ويبدو أنه لم يرزق بولد، لذلك قال لامرأته: ((أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا))، وبهذا يبدو تدبير الله ليوسف؛ إذ بوجوده في بيت عزيز مصر سيحظى بالرعاية والأمن والاطلاع على أحوال البلاد، وقد أخبر الله بأمرين: أنّ الله بقدرته مكّن ليوسف في الأرض -أي أرض مصر، وثانيهما: أنّ الله...
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
|
...علمه من تأويل الأحاديث -أي الرؤى، وذكر سبحانه أنه غالب على أمره، وإذا أراد أمرًا هيأ له الأسباب، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وقد حقّق الله وعده، فما إن بلغ يوسف مبلغ الرجال حتى آتاه الله حكمًا وعلمًا، فاختاره نبيًّا، وكذلك نجزي المحسنين.
|
 |
وتجري أحداث قصة يوسف مع امرأة العزيز بعد هذه المشاهد والمقدمات، فتذكر ما تذكر بعيدًا عن إسفاف كتاب القصة، وما يسمونه بالأدب المكشوف، فتصل إلى تحقيق أهدافها دون أن تصرح بكلمة تثير شهوة أو تحركها، إنما تدعوها إلى العفة والطهر في ضبط يوسف لمشاعره وغرائزه بمعيار تقوى الله، وفي كبح جماح امرأة العزيز بالاستغفار والتوبة والرجوع عمّا همّت به وأرادته وحاولت، فترى كلمات القرآن نورًا يضيء الطريق.
|
 |
هذا يوسف في بيت وزير مصر مع امرأته في بيت واحد، وقد أعطي يوسف شطر الحسن، فإذا أضيف إلى حسن السمت وبهاء الطلعة ونضارة الوجه جمالُ الخلق وعفة اللسان وحسن الأدب، فإن ذلك مما دعا امرأة العزيز إلى حب يوسف والتعلق به، ولو أن هذا الحب كان مجرّد إعجاب وإكبار وتقدير من سيدة القصر لخادمها، لكان أمرًا لا بأس به، ولكنه انقلب إلى شهوة عارمة ورغبة طاغية في الحصول على متعة الجسد، فأخذت تراوده عن نفسه وتحاول أن يقع معها فيما أرادت من الفاحشة، وهو منصرفٌ عنها لا يلتفت إلى ذلك، ولم يكن هناك بُدّ من التصريح إذ لم ينفع التلميح.
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
 |
واتخذت لذلك كل العدة، فغلّقت أبواب المكان عليها وعلى يوسف، وكانت قد تهيأت لذلك بكل ما للنساء من ألوان الزينة، ودعته إلى نفسه ((وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ)) أي: هلمّ تعال فقد تهيأت لك، فماذا كان من موقف يوسف في هذه اللحظات العصيبة التي قلّ أن يثبت لها رجل، إلا من كان معصومًا محفوظًا بحفظ الله، ومنهم يوسف؛ إذ قال لها: ((مَعَاذَ اللَّهِ)) أي: إني أعوذ بالله وألجأ إلى حماه من أن أفعل ما يغضبه، وذكر لها ما كان من إكرام زوجها له، وفي خيانته في بيته وأهله ظلم، والظالمون إلى الخسارة صائرون ((إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)) [يوسف: ٢٣].
|
 |
ولمّا لم تنجح وسائل الإغراء، ولمّا لم تفد الدعوة الصريحة، انتقلت إلى استعمال القوة فأخذت تجذبه إليها وهو يفر منها، ومن رحمة الله به أنه حين أخذت تهُمّ به لم تقدَّ قميصه، إنما حدث ذلك وهي تجري خلفه، حتى أمسكت به فقدَّت قميصه من جهة ظهره، والآيات تصور هذا المشهد بما لا يخدش الحياء أو يستثير الغرائز، إنما جاءت الكلمات تصف عفّة يوسف وحفظ الله له فتقول: ((وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)) [يوسف: ٢٣، ٢٤].
|
 |
وقد أكثر المفسّرون ونقلوا عن أهل الكتاب ما يتنافى مع عصمة الأنبياء، مع أنّ الله شهد في هذه الآيات لنبيه بما يُعلِي قدره ويطهّر ثوبه، ويرفعه عن الدنايا، فذكرت الآيات أنه رأى برهان ربه، وهذا البرهان هو الدليل القاطع الذي يصل إلى درجة اليقين، الذي كأنه يراه رأي...
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
|
...العين، وهذا البرهان هو حجة الله الدالة على حرمة الزنا وفحشه وقبحه، وهذا كقوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)) [الأعراف: ٢٠١].
|
 |
فهَمُّ يوسف بها هو الميل الفطري إلى مثل هذا الأمر، ولكن هذا الأمر لم يكن سوى خاطر عارض صرفه الله عنه، وعصمه من الوقوع فيه، بما أودعه في قلبه من علم يقيني بحرمة هذا الفعل، ومن يقع في مثل هذا الفعل لا يجهل أنه حرام، كما أن من يقع في المعاصي كالقتل والسرقة وشرب الخمر لا يخفى عليه أن هذا حرام، ولكن المهمّ أن يبقى الإحساس بحرمة هذه المحرمات شعلة في قلب المؤمن وإحساسه، كلما همَّ بالوقوع في واحد منها أضاءت له هذه الشعلة طريقه، فرأى برهان ربه وآياته الدالة على بشاعة الذنب؛ كأنها مكتوبة بين عينيه.
|
 |
كما يدفع ما قاله به بعض المفسرين مما يطعن في عصمة يوسف قول الله تعالى: ((كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)) [يوسف: ٢٤] أي: هذا ديدن الله مع هذا الشاب المبارك والنبي الكريم، أي: كما أنه رأى برهان ربه فانصرف عنها، يصرفه الله دائمًا عن السوء والفحشاء، ومع ما في قوله: ((إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)) من دليل على سبب حفظ الله له من الوقوع في الذنوب، إلّا أنه كذلك شهادة من الله بأنّ يوسف عبد مصطفى ونبي مجتبى ورسول مخلص منتقى من بين الناس؛ ليكون موضع وحي الله وواسطة بين الله والناس، ومن كان كذلك هل يعقل أن يقال في همِّه بامرأة العزيز ما قيل.
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
 |
وتواصل القصة عرض مشاهدها، فترسم صورة يوسف يحاول الفرار والإفلات من امرأة العزيز الهائجة الفائرة، التي نسيت في هذه اللحظات مكانتها ومنزلتها، وهي تجري وراءه حتى أمسكت بقميصه فقدّته، وقد وصل إلى الباب، وهو يحاول أن يسبقها ليفتحه ليهرب منها، وهي تحاول أن تصل قبله حتى تمنعه من الخروج، وإذا بسيدها -أي زوجها- لدى الباب، فلما رأته تمالكت نفسها، وألقت التهمة على يوسف وقالت لزوجها: ((قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا)) وقبل أن يجيب لقنته ما يفعل فقالت: ((إِلّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))، ولم تطلب من زوجها كما ترون أن يقتله جزاء فعلته، فقد كان قلبه ما زال معلقًا به، وتخشى عليه أن يقتل، وعلى الفور قال يوسف: ((قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي)) وهو قول خادم في بيت السيد، والواقعة مع زوجة هذا السيد، فمن أين له الدليل ليدفع عن نفسه هذه التهمة، وليثبت أنها هي التي بذلت قصارى جهدها للوصول إلى غرضها الخبيث.
|
 |
هنا تبرز القصة عناية الله بالمخلصين من عباده، فينطق الله رجلًا كان مع العزيز من أهلها فيقول: ((إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ)) لأن هذا يعني أنها كانت تدفعه عن نفسها فقدت قميصه من قبل، ((فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ))، ((وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ))، فهذا دليل أنه كان يحاول الفرار والهرب منها، وهي تعدو خلفه، وتمسك به حتى قدّت قميصه من دبر، ((فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ)) أي العزيز ((إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)) أي لا تتكلم به، ولا تذكره لأحد، واتجه إلى امرأته يلومها قائلًا ((وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ)) [يوسف: ٢٩].
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
 |
ويسدل الستار على هذا المشهد ليبدأ مشهد آخر، هؤلاء نسوة في بيوت كبار الدولة يجلسن يتحدثن ويقلن: ((امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)) [يوسف: ٣٠] وانتشر الحديث في المدينة ((فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ، قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ، قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)) [يوسف: ٣١: ٣٤].
|
 |
ومع ظهور براءته وعفته بدا لهم لمصلحة راجحة عندهم، هي إخفاء معالم هذه الجريمة وقطع الألسنة التي تتحدث بها، أن يودعوا يوسف في السجن لفترة من الزمان، ولكن الأيام مرّت والسنوات توالت، ورأى الملك رؤيا لم يستطع المؤولون للرؤى أن يفسروها، إلى أن تذكر واحد ممن كان في السجن مع يوسف وخرج، أنّ بالسجن يوسف، وأنه كان يفسر لهم ما يرونه في منامهم، فجاء إليه وذكر له هذه الرؤيا ففسرها، وطلبه الملك، فكانت فرصة لإظهار براءته، ورفض -عليه السلام- أن يخرج من السجن حتى يأتي الملك بالنسوة اللاتي قطعن أيديهن ويسألوهنّ عما كان من أمرهن، فجاء بهم الملك ومعهنّ امرأة العزيز وسألهن ((مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ)) [يوسف: ٥١].
|
٢.١١ قصة يوسف مع امرأة العزيز
 |
حينذاك نطقت امرأة العزيز قائلة: ((الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ)) أي ظهر ووضح ((أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ)) [يوسف: ٥١] وإنه لمن الصادقين فيما قال، ثم واصلت قائلة: ((ذَلِكَ لِيَعْلَمَ)) [يوسف: ٥٢] أي زوجي ((أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)) [يوسف: ٥٢] ولم أقع في الفاحشة ((وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)) [يوسف: ٥٢] وإنما كانت المسألة مراودة، لم تصل إلى حد الوقوع في الجريمة الكبرى، وكان هذا من وساوس النفس والشيطان ((وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [يوسف: ٥٣].
|
 |
وبعد أن استمع الملك إلى هذه البراءة الناصعة قال: ((ائْتُونِي بِهِ)) [يوسف: ٥٤] أي بيوسف أستخلصه لنفسه، فلما كلمه وجد عقلًا وعلمًا وأدبًا وحكمة ((قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ)) [يوسف: ٥٤] ((قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)) [يوسف: ٥٥] و((وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ)) سارت أحداث قصة يوسف بعد أن تولى يوسف وزارة مصر، ومكن الله له فيها، سارت الأحداث في طريقها إلى أن جمع الله له أبويه وإخوته، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ((رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)) [يوسف: ١٠١].
|