١.١١ قصة موسى والخضر


ضبط كلمة الخضر

يقول ابن منظور: "يقول أهل العربية: الخضر، بفتح الخاء وكسر الضاد، ويجوز في العربية: الخِضر، كما يقال: كَبِد وكِبْد. قال الجوهري: وهو أفصح". فمن نطق الخَضر فهو صحيح، ومن نطق الخِضر فهو صحيح، بل هذا هو الأفصح كما قال صاحب (لسان العرب).
والقصة لا تذكر اسم الخضر، ولا تخبرنا عن المكان الذي حصل فيه اللقاء، سوى أنه مجمع البحرين، كما لا نعرف متى كان ذلك في حياة موسى، هل حدث هذا حين كان في مصر، أو بعد أن عبر ببني إسرائيل إلى سيناء، كما لم تذكر السبب الذي من أجله كان بحث موسى عن هذا العبد الصالح، وبعد أن ذكر لموسى الأسباب التي جعلته يفعل ما يفعل، لم تخبرنا الآيات أين ذهب ولا ماذا كان من أمره، فالقصة كما ترون كلها مفاجآت، تنتقل بك في عالم مجهول وأسرار لا تتضح لموسى نفسه، ولم يعرف عنها شيئًا إلا بعد أن آذنه العبد الصالح بفراقه؛ لأنَّ موسى لن يستطيع معه صبرًا.


١.١١ قصة موسى والخضر


رحلة البحث عن العبد الصالح

وفي ذلك يقول ربنا: ((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا، فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا، قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا، قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)).
وقد جاءت الروايات توضح سبب هذه الرحلة، يروي الإمام البخاري وغيره عن سعيد بن جبير قال: "قلت لابن عباس: إن نوفًا البِكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر -عليه السلام- ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، فقال: كذب عدو الله؛ سمعت أبي بن كعب يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((قام موسى -عليه السلام- خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم. قال: فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى: أي رب كيف لي به؟ فقيل له: احمل حوتًا في مِكتل، فحيث تفقد الحوت فهو ثَم -أي هناك- فانطلق معه فتاه وهو يوشع بن نون، فحمل موسى حوتًا في مكتل، فانطلق هو وفتاه يمشيان حتى أتيا الصخرة...)) الحديث".

١.١١ قصة موسى والخضر


وابن عباس لا يقصد بقوله: "كذب عدو الله" سبًّا لنوف البكالي؛ لأن نوفًا هذا تابعي صدوق، وهو ابن امرأة كعب الأحبار، وإنما كذب ابن عباس ما رواه نوف عن أهل الكتاب، فهذا القول من ابن عباس إنما جاء على وجه التغليظ والزجر.
وفتى موسى ليس عبدًا له، كما رأى ذلك بعض المفسرين، إنما هو كما قال الإمام النووي صاحبه؛ لأن يوشع هو يوشع بن نون بن إفراييم بن يوسف -عليه السلام، ومجمع البحرين الذي هو موضع اللقاء، هو هذا الموضع الذي أخبر الله موسى بأنه سيجد عنده العبد الصالح، لكن في أي مكان يلتقي البحران؟ عن قتادة قال: "بحر فارس والروم". وقيل: بحر الأردن والقلزم، أي: البحر الأبيض والأحمر، ومجمعهما مكان التقائهما في منطقة البحيرات المرة وبحيرة التمساح، أو أنه مجمع خليجي العقبة والسويس في البحر الأحمر، كما ذكر ذلك صاحب (الظلال) وابن حجر في (الفتح).
وقال محمد بن كعب القرظي: "مجمع البحرين بطنجة". وعن أبي بن كعب قال: "بإفريقية". وهذه أقوال ضعيفة ولا تعبر عن الواقع؛ إذ كيف يسير موسى وفتاه إلى أقصى بلاد المغرب أو إلى إفريقية، والرحلة إلى المغرب أو إلى إفريقية تستغرق زمنًا طويلًا، فأقرب ما قيل هو ما ذكر أولًا، وأن مجمع البحرين في منطقة البحيرات، أو عند خليج العقبة، مما يدل على أن الرحلة كانت في داخل مصر.
واصطحب موسى صديقه وصاحبه يوشع بن نون، وقال له: ((لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ)) [الكهف: ٦٠] حيث الموعد الذي ذكره الله لموسى أَوْ أَمْضِيَ سائرًا حُقُبًا، أي: زمنًا طويلًا مهما طال هذا الزمن، وفي السفر والرحلات تحسن الصحبة، وبخاصة إذا ما كانت...

١.١١ قصة موسى والخضر


...الصحبة من أمثال يوشع بن نون في إخلاصه وحبه لموسى، واستعداده أن يتحمل معه مشقات السفر، وفي قوله موسى ليوشع بأنه لن يشغل نفسه بغير هذا الأمر، وسوف يبذل فيه كل ما عنده من قوى، حتى يتحقق له ما يريد، تصميم على بلوغ الهدف، وهكذا يكون من يريد تحقيق أهداف، وكلما سمت هذه الأهداف كلما سمت مقاصدها، وكلما عظمت المقاصد عظمت الوسائل.
والقصة تترك مساحة للتدبر لاستكمال الصورة، إذ قالت: ((فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا)) [الكهف: ٦١] وتستطيع أن تقول بأن موسى بعد أن أفضى لفتاه بما علمتَ، بدأ رحلتهما وسارا في جد ونشاط حتى وصلا مجمع البحرين، وهناك نسيا حوتهما، ولم يسبق للحوت ذكر كما ترى، لكن السنة أوضحت ذلك، وبينت أن الله أمر موسى أن يحمل معه حوتًا يضعه في مكتل، وفي رواية: حوتًا مالحًا، أي: مملحًا، ومعنى هذا أن الحوت كان مشويًا؛ لأنه لو كان حيًا فخرج من المكتل إلى البحر، لما كان هناك ما يدعو إلى العجب، لكن العجب أن يكون الحوت مشويًا فتدب فيه الحياة، وينطلق إلى البحر في قوة.
وهذا لا يتعارض مع ما ورد من أن الحوت كان ميتًا؛ لأنه تم شواؤه وهو ميت، بل إن الحوت حين انطلق إلى الماء، فعل ما لم يكن معهودًا في جريان الحيتان في الماء، فقد شق في البحر سربًا، أي: طريقًا كأنه السرداب في الجبل، إذ أمسك الله عنه كما جاء في الحديث جِرْيَة الماء في البحر، حتى كأن أثره في حجر، وإنما قفز الحوت إلى البحر وموسى نائم، أما يوشع فكان يقظان.

١.١١ قصة موسى والخضر


وما إن استيقظ موسى حتى واصل رحلته، فكان على عجلة من أمره، مما جعل يوشع ينسى أن يخبره بأن الحوت خرج من المكتل إلى البحر، وما إن جاوزا المكان حتى أحسا بالجوع، فقال موسى لفتاه: ((آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)) [الكهف: ٦٢] ولم يشعرا بهذا النصب وبتعب المسير إلا بعد أن تجاوزا هذا المكان، فكان هذا أيضًا آية من آيات الله.
قال يوشع لموسى ما ذكره الله عز وجل: ((أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا)) [الكهف: ٦٣] فقد ذكر يوشع لموسى ما كان من أمر الحوت، وما أظهر الله فيه من عظيم آياته، إذ أحياه وكان ميتًا مشويًا، وانطلق في الماء، وإذا بالماء يتجمد حتى كأنه الصخور، والحوت قد شق له فيه طريقًا يبسًا، فكان ذلك مثار العجب، ولا عجب من قدرة الله، فسُر موسى بذلك، وعلم أنه قد قارب على وصول مبتغاه، فقال لفتاه: ((ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)) [الكهف: ٦٤] أي: فرجعا يقصان أثرهما حتى وصلا إلى المكان الذي فقدا فيه حوتهما ((فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)) [الكهف: ٦٥].

١.١١ قصة موسى والخضر


رحلة الأسرار مع العبد الصالح

فانظروا إلى ما وصف الله به هذا العبد، إن القرآن يصف هذا الرجل بأنه عبد من عباد الله، والعبودية لله أشرف صفة يتصف بها إنسان، إنها ليست عبودية التسخير، فكل الكائنات مسخرة له والكل عبيد لله، ولكنها عبودية الطاعة والقرب والإخلاص للواحد الأحد، وأول العابدين هو محمد -صلى الله عليه وسلم- وقد وصف الله أنبياءه وأولياءه وأحبابه بهذا الوصف الكريم، ووصف رسوله محمدًا بذلك في أجل المقامات وأعلاها، وصفه بذلك في إسرائه، وفي إنزال الوحي عليه، وفي تبليغه لرسالة ربه، والآيات في ذلك واضحة ظاهرة.
كما بين الله أنه آتى هذا العبد رحمة من عنده، أي: رحمة عظيمة كان بها صاحب هذه المكانة، وهذا الفضل من الله، وهذه الرحمة كما تعلمون وهبها الله لأصفيائه من الأنبياء والمرسلين وغيرهم، ومما تذكرونه في ذلك ما قال في زكريا: ((ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا)) [مريم: ٢] وما قال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب: ((وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)) [مريم: ٥٠] وفي موسى يقول: ((وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا)) [مريم: ٥٣] إلى غير ذلك من الآيات.
وأمر آخر منحه الله لهذا العبد الصالح، هو هذا العلم الإلهي اللدني، إذ قال: ((وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)) [الكهف: ٦٥] ولذلك ورد في الحديث ما ذكره أئمة الحديث أن موسى -عليه السلام- حين أتى هو وفتاه يوشع إلى الصخرة، رأى رجلًا مسجى عليه بثوب، فسلم...

١.١١ قصة موسى والخضر


...عليه موسى فقال له الخضر: "أنى بأرضك السلام. قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه. قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا..." إلى آخر القصة.
فلنقرأ هذا الجزء لنرى ما فيه من أسرار، كما عبرت عنه كلمات وآيات هذه القصة، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ((قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا، قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا، قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)) [الكهف: ٦٥-٧٨].

١.١١ قصة موسى والخضر


لعلنا رأينا رحلة الأسرار فيما كان بين موسى وهذا العبد الصالح، وقد جاءت السنة توضح هذا وتذكره، فتقول حين قال له موسى: ((هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا)) [الكهف:٦٦ – ٦٩] قال له الخضر: ((فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا)) [الكهف: ٧٠] قال: نعم.
فانطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهما، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نَوْل، أي: بغير أجرة، فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئًا إمرًا ((قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا)) [الكهف:٧٢، ٧٣].
ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذا غلام يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال موسى: ((أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)) [الكهف:٧٤، ٧٥] وهذه أشد من الأولى ((قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)) [الكهف: ٧٦، ٧٧].

١.١١ قصة موسى والخضر


قال الخضر بيده هكذا، فأقامه قال له موسى: قوم أتيناهم فلم يضيفونا ولم يطعمونا، لو شئت لاتخذت عليه أجرًا ((قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)) [الكهف: ٧٨].
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((يرحم الله موسى، لوددت أنه كان صبر حتى كان يقص علينا من أخبارهما)) قال: وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((كانت الأولى من موسى نسيانًا)) قال: وجاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة، ثم نقر في البحر فقال له الخضر: "ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر" زاد في رواية: "وعلم الخلائق".
قال سعيد بن جبير: "وكان يقرأ -أي ابن عباس: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا، وكان يقرأ: وأما الغلام فكان كافرًا". وفي رواية: بينما موسى -عليه السلام- في قومه يذكرهم بأيام الله، وأيام الله: نعماؤه وبلاؤه، إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلًا خيرًا أو أعلم مني. قال: وذكر الحديث.
وفي الحديث أيضًا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عَجّل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذَمامة -أي غضبة- لما رأى. قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرًا، ولو صبر لرأى العجب. قال: وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه)) وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم.

١.١١ قصة موسى والخضر


ثم قال: فانطلقًا حتى إذا أتيا أهل قرية لئام، فطافا في المجلس فاستطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما إلى قوله: ((هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)) [الكهف: ٧٨] قال: وأخذ بثوبه ثم تلا إلى قوله: ((أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ)) [الكهف: ٧٩] إلى آخر الآيات، فإذا جاء الذي يسخرها وجدها منخرقة فتجاوزها فأصلحوها بخشبة.
فهذه هي الأسرار التي كانت في هذه المرافقة، وهذه الصحبة مع الخضر، وأنه فعل أشياء لا يمكن في الظاهر أن يسلم بها، لكن الرجل اشترط من البداية على موسى شرطًا، بأنه عليه أن يصبر، وألا يسأل عن شيء حتى يبين له السر فيه، لكن موسى وجد أشياء ما استطاع أن يصبر عليها، فنسي في أول مرة حين ركب في السفينة فخرقها الخضر، نعم هو قد وضع قطعة من الخشب تسد هذا المكان، لكننا سنعرف سر ذلك فيما سوف يكشفه هذا العبد الصالح لنبي الله موسى -عليه السلام.

علم الله المكنون وكشف الأسرار

في هذه القصة العظيمة من قصص القرآن، وهو كشف الأسرار، وفيه قول الله سبحانه وتعالى: ((أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا، وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ...

١.١١ قصة موسى والخضر


... رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)) [الكهف: ٧٩-٨٢].
إذن فهذا هو السر فيما فعل الخضر، كما أوضحته هذه الآيات الكريمة، إذ ذكر أن السفينة كانت لمساكين يعملون في البحر، وقد أخذ الأئمة من قوله تعالى: ((أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ)) [الكهف: ٧٩] أن المسكين هو الذي عنده أموال، ولكنها لا تكفي لنفقاته في الحلال، فهؤلاء لهم سفينة يمتلكونها، ومع ذلك سماهم مساكين.
لكن يدلنا على ما كلف به هذا العبد الصالح، مِن عمل طيب وعمل مبروك، وأن هذه السفينة كانت عرضة أن يغتصبها ملك ظالم، يأخذ كل سفينة صالحة، كما جاء ذلك عن ابن عباس، ولعلها ليست قراءة، وإنما هذا من باب التفسير.
إنّما كان هذا الملك يأخذ كل سفينة تمر به غصبًا دون رضا أصحابها، حين يجد فيها عيبًا فسوف لا يأخذها، فكان أن انتزع الخضر منها لوحًا، مع أنه رأى أنَّ هذا اللوح لن يؤدي إلى غرق السفينة، ولا إلى إغراق من فيها، ومع ذلك رأينا موسى يعترض على هذا الأمر، هؤلاء أناس قد حملوهما معهم، دون أن يأخذوا منهم أجرًا، فكيف يفعل الخضر بسفينتهم هذا الذي فعل، لكن السر كان أنه أراد أن يستنقذ هذه السفينة من هذا الملك الظالم، الذي يأخذ كل سفينة صالحة تمر عليه غصبًا.

١.١١ قصة موسى والخضر


أما الأمر الثاني أمر الغلام، فهو أمر يدعو إلى العجب؛ لأنَّ السفينة وما حدث فيها، وما كان يمكن أن يترتب على انتزاع اللوح منها، كل ذلك أمر مظنون، لكن موسى رأى الخضر وقد عمد إلى غلام من بين الغلمان، فأخذه واقتلع رأسه فقتله، موسى لما رأى ذلك كما رأينا قال: بأنك قد فعلت أمرًا منكرًا، وأمرًا لا سكوت عليه، وهنا أوضح له السر أن هذا الغلام كان أبواه مؤمنين، أما هذا الغلام فهو سوف يكون كافرًا، بهذا وعلى هذا أطلعه علام الغيوب: ((فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا)) [الكهف: ٨٠]، هذا قول الله سبحانه وتعالى في قوله: ((فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا)) [الكهف:٨٠، ٨١] فكان هذا عملًا مبرورًا وعملًا خيرًا.
ولعلنا هنا نتساءل عن سر الحكمة في ذلك، فنقول: مرد ذلك إلى علم الله سبحانه وتعالى، الذي لا يسأل عما يفعل، فقد خلق أناسًا وهو يعلم أنهم كافرون، وأنهم من أهل النار، كما خلق أناسًا وهو يعلم أنهم مؤمنون، وهم من أهل الجنة، وهؤلاء وأولئك جريًا على حكمته وسنته في خلقه، فسبحانه من إله حكيم عليم، ومن هنا اتضحت الحكمة في قتل الخضر لهذا الغلام.
أما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحًا، ولو أن هذا الجدار سقط لظهر هذا الكنز، ولاستولى أهل هذه البلدة البخلاء على هذه الأموال، ولم يستطع اليتيمان أن يدفعا عن مالهما هؤلاء الأشرار، فأراد ربك أن يبلغا أشدهما، ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك، فهذه رحمة الله سبحانه وتعالى، أن يقام هذا الجدار، وأن يبقى إلى أن يصل هذان اليتيمان إلى سن...

١.١١ قصة موسى والخضر


...الرشد، ليستخرجا هذا الكنز، ولينتفعا به. يقول الخضر: وما فعلته عن أمري، وإنما هذا أمر الله سبحانه وتعالى، ثم يقول: ((ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)) [الكهف: ٨٢].

ضبط كلمة الخضر

وفي القصة أيضًا ما يجب على المتعلم من الصبر على من يعلمه، وألا يتعجل النتائج قبل أن يفضي له أستاذه بما يراه مناسبًا، وبخاصة إذا اشترط الأستاذ على تلميذه ألا يسأل قبل أن يوضح له الأسباب، وقد رأينا ما كان من أمر موسى -عليه السلام- وأنه إذ رأى أمرًا عجبًا لم يطق صبرًا على ما رأى، فبدأ يتساءل عن سر ذلك، بل قال للخضر: ((لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرً)) [الكهف: ٧١] ((لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا)) [الكهف: ٧٤] ((لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا)) [الكهف: ٧٧]، ومن هنا وجب على طالب العلم أن يصبر.
أن الإنسان يجب عليه أن يفوض ما لا يمكن لعقله أن يصل إلى تفسيره إلى علام الغيوب، فهذه أقدار الخلائق تجري في هذا الكون، وفيها ما نرى من هذا التفاوت في أرزاقهم، وفي أحوالهم، وفي صحتهم، وفي فقرهم، وفي أبنائهم، وفي حياتهم، وكل ذلك بقدر الله عز وجل وأمره، وهذا هو الخضر يفعل ما يفعل، وقد أجرى الله على يديه ما رأينا في هذه الأحوال.

١.١١ قصة موسى والخضر


وكان الواجب على موسى أن يصبر حتى تتضح له الأسرار، لكننا نحن في مقام الاستفادة من هذه القصة، قد لا يتفق لنا أن نحصل على من يوضح لنا سر الله في خلقه، فعلينا أن يكون الرائد والموجه لنا في مثل هذا المقام، هو قول الله عز من قائل: ((لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)) [الأنبياء: ٢٣] وأمر آخر في هذه القصة هو ما كان من أمر الغلامين، وأن الله سبحانه وتعالى أكرمهما، وساق إليهما هذا العبد الصالح ليقيم لهما ذلك الجدار، حتى يبلغا أشدهما، وحتى يستخرجا كنزهما، وما ذلك إلا كما قال الله تعالى: ((وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا)) [الكهف: ٨٢].
حتى ليقال بأنَّ هذا الأب ليس هو الأب المباشر، وإنّما هو الجد السابع، فالأبناء ينتفعون بصلاح الذرية، وهذا ما يجعل الإنسان الواعي العاقل يحافظ على دينه وعلى عقيدته، ويبذل أقصى ما في وسعه في عمل الصالحات ليبقى له هذا رصيدًا في ذريته.
أيضًا في قول الله تعالى: ((وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)) [الكهف: ٨٢] ما يدلك على أن هذا كان بأمر الله سبحانه وتعالى، وهذا شاهد قوي على أن الخضر كان نبيًا، مع ما تقدم من قول الله تعالى: ((فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)) [الكهف: ٦٥].
بل إنَّ آخرين قالوا بأنه كان رسولًا، فهذا هو الذي يجب أن يفهم في هذا؛ لأن موسى -عليه السلام- لا يأخذ وهو نبي مرسل مكلم، لا يأخذ علمه ممن هو أدنى منه، فهذا درس يجب أن نعيه وأن نفهمه في هذا المقام، حتى لا نترك الفرصة لمن يدعون بأنّهم مكلمون،...

١.١١ قصة موسى والخضر


...وأنهم ملهمون، وأنّهم يفعلون أشياء لا توافق الشريعة، وأنَّ علماء الشريعة عليهم أن يكونوا مفوِّضين لعلماء الحقيقة، والإسلام لا يعرف الفرق بين الحقيقة والشريعة، الحقيقة والشريعة كلها في نظر الإسلام سواء، يجب أن تكون محكومة بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولذلك قال السلف: إذا رأيت أحد الناس يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، فلا تعتقدوا فيه إلا إذا قستم حاله على كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
ولعلنا رأينا في قصة الخضر -عليه السلام- أنَّ الله سبحانه وتعالى قال فيه: ((فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)) [الكهف: ٦٥] فوصف الخضر بأنه عبد من عباد الله، وأن الله آتاه رحمة من عنده، وعلمه من لدنه هذا العلم العظيم، فهذا مما يرشدك إلى أنه لم يكن متجاوزًا للشريعة، ولم يكن خارجًا على حدودها، إنّما هو عبد من عباد الله.
كما أن الأنبياء جميعًا كانوا عبادًا من عباد الله، ولعلكم تقرءون كثيرًا في القرآن قول الله تعالى في داود: ((وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ)) [ص: ١٧] وقول الله في سليمان -عليه السلام: ((وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)) [ص: ٣٠] وفي أيوب -عليه السلام: ((وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ)) [ص: ٤١] كما يقول ربنا: ((وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ)) [ص: ٤٥] وهذا رسول الله كما قلنا يقول الله فيه: ((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)) [الإسراء: ١]...

١.١١ قصة موسى والخضر


...ويقول: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)) [الكهف: ١]، ويقول: ((وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا)) [الجن: ١٩] ويقول ربنا: ((قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)) [الزخرف: ٨١].
فالخضر عبد من عباد الله كهؤلاء الأنبياء، وهذا لا يتنافى مع القول بأنه نبي أو بأنه رسول.