![]() |
من هو صاحب الجنتين؟ وماذا كان من أمره؟، وكيف كانت بدايته ونهايته؟ قبل أن نجيب عن هذه التساؤلات، لنعرف موقع هذه القصة من الآيات التي سبقتها والآيات التي ستلحقها، ففي ذلك ما يكشف سر ذكر الله لها في هذا الموضع من السورة، في الآيات السابقة يقرر الله قيمة عالية من قيم الإيمان قولًا وفعلًا وسلوكًا؛ لتكون هذه القيمة منارة يهتدي بها أهل الإسلام، بل منهجًا لا تصعد الإنسانية لغيره. فهذه القيمة هي الإيمان الذي يتمثل في إنسان مؤمن، بكل ما يتطلبه الإيمان من الكمالات، وما يعنيه هذا الإيمان في الإنسان المؤمن، بالنسبة لما يمتلكه الآخرون من متاع ومال، وما يتبع ذلك من رياش وفراش، وكلمة مسموعة ومكانة مرموقة، إن الإيمان والإنسان المؤمن هو الذي تصلح به الحياة، وهل تصلح الحياة بغير المساواة والعدالة والتواضع والحياء والخلق الكريم، وهي وأمثالها روافد الإيمان ومظهره المشرق في محيا أهل الإيمان، وهل يمكن أن تنتظم حياة الناس بالعنصرية والعصبية، والتعالي والتفاخر بالأحساب والأنساب والأموال والأولاد، وبخس الآخرين حقهم، في حياة كريمة يشعرون فيها بآدميتهم. |
![]() |
الآيات التي جاءت بعد قصة أصحاب الكهف تحمل هذه المعاني في وضوح، فبعد أن ختم الله قصة أصحاب الكهف بتقرير ما اتصف به من العلم بغيب السماوات والأرض، وأنه السميع البصير ((أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ)) [الكهف: ٢٦]. وأن من أشركوا به لا ناصر لهم من الله ولا معين، وأنّ الحكم في هذه الحياة وغيرها له وحده، ولا يشرك في حكمه أحدًا، أمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يواصل تلاوته لما أوحاه إليه من كتاب ربه، إذ لا مبدل لكلماته، ولن تجد من دونه ناصرًا ولا وليًا إن أنت بدلت... |
| ...كلماته، وفي هذا إشعار بحرص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على تبليغ وحي الله دون تحريف أو تبديل. وقد بلغ صلوات الله وسلامه عليه الرسالة وأدى الأمانة، فوصل إلينا هذا القرآن محفوظًا بحفظ الله، ومن جملة الأسباب التي أدت إلى حفظه اختيار الله لأناس حببهم فيه، واصطفاهم لصحبة نبيه، فكانوا نور الحياة وبهجتها، وحملة كتاب الله وقراءه، وهؤلاء هم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم أغنياء الصحابة كأبي بكر وعثمان وابن عوف وغيرهم، ومنهم الفقراء كابن مسعود وبلال والكثير من الصحابة من العبيد والموالي، ومن لا مال لهم، وكلا الفريقين من الأغنياء والفقراء سواء في مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تجمعهم أخوة الإيمان، ويضمهم هدف واحد هو نصرة هذا الدين، والعمل على حفظ كتاب الله ونشر مبادئه. لكن المشركين لهم مقاييس مختلفة، فمقاييسهم قائمة على أساس من المال والجاه، فأصحاب المال والجاه أهل الحظوة والقرب والفضل والمكانة، قولهم مسموع وكلمتهم مطاعة، وغيرهم من الفقراء ومن لا مال لهم ولا جاه خدم لهم وعبيد لإحسانهم، ومكانهم خلف الصفوف، ولا يحق لهم أن يجلسوا في مجلس الأثرياء وأصحاب الأموال، وبهذه المقاييس الخاطئة حكموا على أقدار الناس ومنزلتهم، فكانت العنصرية البغيضة سببًا للفرقة وبابًا للأحقاد والبغض، وما بهذا كما قلنا تستقيم حياة الناس، ولا بهذا تنهض الأمم والشعوب. |
![]() |
انطلاقًا من هذا الفهم لأقدار الناس ومكانتهم، طلب المشركون من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يخصص لهم مجلسًا يجلسون فيه معه، لا يجلس فيه أحد من هؤلاء الفقراء من الصحابة؛ إذ لا يليق بسادة القوم أن يجلس معهم هؤلاء الضعاف والفقراء، مِن... |
| ...أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فنزل الوحي يرسي حقيقة الحياة بين الناس، ويبين أن القيمة الحقيقية للرجال في إيمانهم لا في أموالهم، ولا فيما ملكت أيديهم، وأن الإسلام ليس في حاجة إلى متكبرين ومتجبرين، يظنون أن قيمة الإنسان فيما يملك من حطام الدنيا، لا فيما استقر في وجدانه من معرفة الله، والعمل بكتابه وسنة نبيه. وجاء التوجيه الإلهي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا، وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا)) [الكهف: ٢٨- ٣١]. فهذا الحق الذي جاء به الوحي أبلج، فيه الرشد والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، وقد أعطى الله الإنسان حرية الاختيار فيما يمكن الاختيار فيه، ومن ذلك اختياره للكفر والإيمان والحق والباطل والهدى والضلال، فأيهما يختار، لكن فليعلم أنه محاسب على اختياره، ولما كان المقام مقام إنذار وتخويف من الكفر وعاقبته، ذكر عاقبة من كفر أولًا، وسمى من كفر ظالمًا، وبيّن ما ينتظر هذا الظالم من سوء العذاب، فقال: ((إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا)). |
| ثم ثنى بذكر جزاء من اختار الهدى ودين الحق، فقال: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ)) إلى قوله: ((وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا)). |
![]() |
تأكيدًا لهذه الحقائق وتوضيحًا لها في صورة شاخصة، أمر الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يضرب للمشركين وغيرهم مثلًا من واقع الحياة، يبين عاقبة من غره ماله وأعماه سلطانه، ولم يستجب لنصح الناصحين، ويذكر المثل اعتزاز المؤمن بدينه، واستعلاءه على ملذات الحياة وبهجتها بإيمانه. |
![]() |
كانت هذه القصة -قصة صاحب الجنتين- هي المثل الذي ضربه الله لهؤلاء، فقال عز من قائل: ((وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ... |
| ... مُنْتَصِرًا، هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا)) [الكهف: ٣٢ – ٤٤]. فلو تأملتم في الآيات، لوجدتم أنّ القصة سارت في أشواطها دون أن تشعرك بالانتقال من شوط إلى شوط، أو فصل إلى فصل، إنّما تنساب أحداثها حتى تختم بنتيجتها: ((هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا)) وتأتي الدروس التابعة والنابعة منها في آيتين في قوله: ((وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) [الكهف: ٤٥] الآية وما بعدها. |
![]() |
الشوط الأول يبدأ من: ((وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ)) [الكهف: ٣٢] إلى قوله: ((وَأَعَزُّ نَفَرًا)) [الكهف: ٣٤] فيصور لنا الجنتين هذا التصوير الرائع. |
![]() |
والشوط الثاني من قوله: ((وَدَخَلَ جَنَّتَهُ)) [الكهف: ٣٥] إلى قوله: ((مُنْقَلَبًا)) [الكهف: ٣٦] ليرسم لنا صورة لهذا الرجل المغرور المعجب بماله وجنتيه. |
![]() |
أما الشوط الثالث فيبدأ من قوله: ((قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ)) [الكهف: ٣٧] إلى قوله: ((فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا)) [الكهف: ٤١] فيذكر فيه المولى سبحانه وتعالى ما دار من حوار بين هذا الرجل المتكبر وصاحبه الفقير، وما كان من نصح هذا الفقير لذلك الغني الجاحد. |
![]() |
وفي الشوط الرابع والذي يبدأ من: ((وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ)) [الكهف: ٤٢] إلى نهاية القصة، بيان لما انتهى إليه أمر هذا الرجل وجنتيه، وما في ذلك من الدروس النافعة والعظات البالغة. |
![]() |
ولكم تقف مشدوهًا تستولي آيات القرآن في القصة على أحاسيسك ومشاعرك، وأنت تتأمل أحداثها وكيف ساقها القرآن، فجلى هذه الأحداث، وانتقل بك من حدث إلى حدث في سلاسة ويسر، وبقي القرآن في آياته تمثل كل ثلاث آيات منه معجزة، يتحدى الله بها الثقلين: ((قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)) [الإسراء: ٨٨]. فكم هناك من معجزات، وعلى عادة القرآن في قصصه لا يذكر أسماء، ولا يهتم بمكان القصة وأين جرت أحداثها، لا يذكر مِن هذا وذاك إلا ما دعت إليه الضرورة، وكان في ذكره فائدة؛ لأن المقصود هو الحدث نفسه وما فيه من العبرة والدروس؛ لأن هذه الدروس لن تتغير بتغير الأسماء والأماكن، مع أن أصحاب القصة قد يكونون معروفين بأسمائهم، وأين كانت أحداث قصتهم، كما هو الواقع في القصة التي نتابع أحداثها. |
![]() |
لنا أن نتساءل: من هو صاحب الجنتين، ومن هو صاحبه، وأين كان ذلك، وماذا حدث؟ صاحب الجنتين رجل كان في بني إسرائيل اسمه باراطوس، وكان كافرًا وله أخ مؤمن اسمه يهوذا، وقيل: إنّ الأخوين هما المذكوران في سورة الصافات في قوله تعالى: ((قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ)) [الصافات: ٥١] الآيات، ويقال بأن الأخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فأخذ كل واحد منهما النصف، فاشترى الكافر أرضًا وبنى دارًا وتزوج، وكان له خدم ونخيل وأعناب، أما المؤمن فتصدق بماله وأصابته فاقة، فجاء إلى أخيه يطلب منه أن يساعده، فطرده ووبخه ودار بينهما الحوار الذي ذكرته الآيات. |
| وقيل: نزلت في أخوين من بني مخزوم؛ الأسود بن عبد الأسود بن عبد ياليل، وكان كافرًا، وأبا سلمة عبد الله بن الأسود وكان مؤمنًا، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنهما ابنا ملك من بني إسرائيل، أنفق أحدهما ماله في سبيل الله، وكفر الآخر واشتغل بزينة الدنيا وتنمية ماله. أما مكان ما حدث فقد ذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه (في عجائب البلاد) أن بحيرة تنيس كانت موضع هاتين الجنتين، وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه من الآخر، وأنفقه في طاعة الله حتى عيّره الآخر، وجرت بينهما هذه المحاورة. قال: "فأغرقها الله في ليلة، وإياهما عني الله بهذه الآيات". فلا يعني هذا أن القرآن يحث على أن يتصدق المسلم بكل ماله، ويبقى فقيرًا يمد يده للناس، بل ويترك ورثته فقراء يستجدون الصدقة من الآخرين، ولا يفهم من ذلك أن الإسلام ينفر من الحصول على الأموال وتنميتها، ويريد من أتباعه الخروج من الدنيا لا مال لهم ولا زوجة ولا أبناء، فإن هذا معناه خراب الدنيا وهدم حضارتها، والقضاء على رونقها وبهجتها، وما جاء به كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ضد ذلك، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لسعد بن أبي وقاص حين أراد -وهو على فراش مرضه- أن يتصدق بماله، فرفض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك وما زال به حتى وافقه على الثلث، ومع ذلك قال له: ((الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)). |
![]() |
لو لم يكن للمؤمن مال كيف يطالَب بزكاة وصدقات، وكيف يجهز جند الله، ومن الذي يبني ويعمر، ومن الذي تكون له الأرض يخرج منها ما يقيت الناس وينفعهم، ومن الذي يبني المصانع والمتاجر والبيوت ويعمر الأرض؟! إنما يريد ربنا أن يعمرها من يعمرها باسمه ومن أجله، وأن يؤدي فيها حق الله، وألا يستطيل بما ملك على عباد الله، وألا يدعوه ماله إلى التخلق بالأخلاق الذميمة، كالكبر والبطر والبخل والشح، وما إلى ذلك من أخلاق فاسدة، فإن امتلك الدنيا فأدى فيها حق مولاه، فهو جدير بها، ونعم المال الصالح للرجل الصالح. والقصة التي معنا تعبر عن هذه الحقيقة، وتبين ما أدى إليه المال في حياة واحد من الناس، مِن الكفر بالله والتعالي على خلق الله، وقياس الأمور بمقياس غير صحيح، وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش، الذين أنِفوا أن يجلسوا مع فقراء المسلمين وضعفائهم، واشترطوا للدخول في الإسلام أن يطرد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مجلسه هؤلاء الضعفاء ليجلسوا معه وليستمعوا إلى قوله، وكأن الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- مال إلى ذلك. وربما رأى أن يذكر لهؤلاء الفقراء أنّ مصلحة الدعوة في ذلك، وأنه يطلب منهم أن يتنحوا عن المجلس ليخلوا للسادة من قريش، فإن دخلوا في الإسلام كانوا قوة له وسندًا لدعوته، وحينذاك سوف يعرفون ويؤمنون بمبادئ الإسلام، ومنها أنه دين المساواة، فيعود هؤلاء الضعاف ليجلسوا مع هؤلاء السادة الأغنياء في مجلس، يضمهم فيه أخوة الإيمان والإسلام، ولكن الله ثبت رسوله وقال له: ((وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)) [الكهف: ٢٨] الآية، وقال له: ((وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ... |
| ...وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)) [الأنعام: ٥٢] الآية. فكان حال هؤلاء الكفار من مشركي قريش شبيهًا بحال صاحب الجنتين، وحال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين شبيهًا بحال الرجل المؤمن، الذي اجتهد في نصيحة هذا الرجل الكافر، وكان هذا المؤمن معتزًا بدينه، ويرى أن ما معه من الإيمان لا يعدله شيء من متاع الحياة الدنيا. |
![]() |
هذه الكلمات تصور ما حاز الرجل الكافر من متاع، بعد أن يقول الله لرسوله: ((وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ)) [الكهف: ٣٢] فتشوفت النفس لمعرفة ما كان من أمر الرجلين، فبدأ بأولهما فبين ما منحه الله من خيرات فقال: ((جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا، كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا)) [الكهف: ٣٢- ٣٤] فتأملوا معي في رسم كلمات القرآن لهاتين الجنتين: |
![]() |
أنّ الله سبحانه وتعالى قال: ((جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ)) [الكهف: ٣٢] فأسند الجعل إلى قدرته القادرة، وبين بذلك أنّ هذا رزق من الله سبحانه وتعالى؛ ليكون من البداية هذا سببًا في أنه يستحق أن يشكر لا أن يكفر، وذكر أنه لم يعطه -لم يعط هذا الرجل- جنة واحدة، إنما أعطاه جنتين، أي: حديقتين من أعناب. |
![]() |
سمى الحديقة جنة ليدلنا على أن هذه الحديقة، أو كل حديقة من الحديقتين، فيها من الأشجار والنخيل ما يستر من يكون بداخلها، مما يدل على أنها جنة عظيمة، وبين هذا أيضًا في قوله: ((مِنْ أعْنَابٍ)) فهي جنة فيها هذا الثمر العظيم وهو العنب، وذكر أن الجنتين على حوافهما نخيل: ((حَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا)) [الكهف: ٣٢]، جعل بين الجنتين زرعًا، فبين بذلك أنها أرض متصلة لا يوجد بينها فراغ غير مزروع، وفي قوله: ((جَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا)) [الكهف: ٣٢] في تنكير قوله: ((زَرْعًا)) ما يدلك على تنوع هذا الزرع، وأنه كان زرعًا كثيرًا، بخلاف ما هنالك من أعناب ونخيل. |
![]() |
ثم قال جل من قائل: ((كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا)) [الكهف: ٣٣] فبين بذلك أن كل جنة من الجنتين قد أعطت غاية ما يمكن أن يكون من ثمر في مثل هذه الحدائق الغناء، وفي قوله: ((وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا)) [الكهف: ٣٣] معناه أنها أعطت ثمارها كاملة غير منقوصة، ولعلنا نشاهد أن كثيرًا من الحدائق يعتريها ما يعتريها من ظروف مناخية أو ما إلى ذلك، فلا تعطي الثمرة الكاملة، لكن هاتين الجنتين كل جنة منهما آتت أكلها، ولم تظلم منه شيئًا. |
![]() |
مما يزيدها بهجة ورواء أن الله سبحانه وتعالى قال: ((وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا)) [الكهف: ٣٣] فجر الله سبحانه وتعالى خلال الجنتين -أي بين الجنتين- نهرًا عذبًا، فكان هذا النهر متعة للناظرين، وسببًا أدى إلى وصول الماء الدائم والمستمر إلى هاتين الجنتين، فكان هذا أيضًا من الأسباب التي جعلت هاتين الجنتين تؤتي أكلها كاملة، وكان لهذا الرجل أيضًا بالإضافة إلى... |
| ...ذلك ثمر، قال المفسرون بأن الثمر هو المال والمتاع، أي: كان له ثمر كثير ومال وفير، يضاف إلى ما هناك من هاتين الجنتين. |
![]() |
إلى هنا رأينا عظمة هاتين الجنتين وما فيهما من رزق الله الوفير، ولعلنا مرة أخرى نشير إلى نون المعظم لنفسه في قوله: ((جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا)) [الكهف: ٣٢] ((وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ)) [الكهف: ٣٢] ((وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا)) [الكهف: ٣٢] ((وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا)) [الكهف: ٣٣] مما يدلك على أن هذا من الله سبحانه وتعالى، وهو مظهر لقدرته وعظمته، أما المشهد الثاني فتراه في هذا الحوار الذي أشار له القرآن في مطلع ما كان بين الرجلين: ((فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا)) [الكهف: ٣٤] ثم ما كان من قوله: ((وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)) [الكهف:٣٥، ٣٦] إلى آخر ما قال. ولعلكم تلمحون معي من قوله: ((فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا)) [الكهف: ٣٤] أن صاحبه كان معه من البداية قبل أن يدخل إلى جنته، وأنه حين طلب منه المساعدة قال: أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا، فافتخر واعتز بما أعطاه الله من مال، وما أعطاه من أبناء، وما أعطاه من قوة ومن أتباع. |
![]() |
يبدو من القصة ومن سياق الآيات أن صاحبه لم يتركه ليقول هذا القول، إنما صار معه حتى وصل إلى جنة من جنتيه، وأن هذا الرجل المتغطرس دخل جنته وهو ظالم لنفسه، نعم هذا إنسان ظالم لنفسه حين تنكر لفضل الله عليه، وتنكر لأخيه وقطع رحمه، وقال له متعجرفًا مفتخرًا: أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا، ولكن هذا الرجل حين دخل بستانه أو بستانًا من بستانيه، نظر يمينًا ويسارًا قائلا: ((مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا)) [الكهف: ٣٥]. فظن لجهله أن هذه الحديقة الأنيقة الرائعة الممتدة على مد البصر، وفيها النهر يجري والمياه العذبة والأشجار الباسقة والثمار اليانعة، قال: ما أظن أن تبيد هذه أبدًا، وما علم أن الأيام دول، وأن الأمر أولًا وآخرًا بيد الله عز وجل، ثم جاهر بكفره فقال: ((وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)) [الكهف: ٣٦] فأنكر قيام الساعة، ثم قال مرة أخرى: ((وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا)) [الكهف: ٣٦] وكأنه ظن أن من أعطاه الله مالًا في الدنيا ومتاعًا وأولادًا وخدمًا وحشمًا ومكانة عالية، سوف يكون هكذا في الآخرة، وهو ظن خاطئ وفهم رديء، وما هكذا يكون الإنسان الواعي والإنسان المؤمن؛ فإنّ الإنسان إنما ينال الخير كل الخير بإيمانه بالله رب العالمين، وبما يقتضيه هذا الإيمان من عمل صالح، أما ما يمتلكه الإنسان في هذه الدنيا، فإنّما هو عند العاقل وسيلة يتقرب بها إلى الله، ويؤدي فيها حق الله. |
![]() |
استمع صاحبه إلى هذا الإنكار للساعة، وإلى هذا الفهم السيئ للأمور، فقال له وهو يحاوره: ((أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدً)) [الكهف:٣٧، ٣٨] إلى آخر ما ذكر هذا الرجل الصالح، وعلينا أن نتوقف عند هذا الحوار: |
![]() |
تلحظون معي أنّ الله سبحانه وتعالى سمى هذا الرجل صاحبًا، ومعنى ذلك أنه ملازم له يريد إصلاحه والأخذ بيده، وهذا شأن الدعاة الناصحين، ألا يتخلوا عن العصاة والمذنبين والمنحرفين، عليهم أن يكونوا معهم وبجانبهم، يأخذون بأيديهم إلى طريق الصواب، ثم في قوله: ((وَهُوَ يُحَاوِرُهُ)) [الكهف: ٣٤]. وهذه المحاورة أشار إليها القرآن في الآية السابقة في قوله: ((وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ)) [الكهف: ٣٤] فيبدو أن هذه المحاورة التي كانت بين الرجلين، كانت محاورة القصد منها الوصول إلى الحقيقة، وإن كان الرجل الكافر ما زال معتزًا بماله ونفره وحشمه وخدمه، لكن الرجل المؤمن وهو يحاور هذا الكافر يقول له متسائلًا: ((أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا)) [الكهف: ٣٧]. فأشار بقوله: ((أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ)) إلى ما كان من أمر آدم عليه السلام، ونحن قد ذكرنا أن الرجلين كانا من بني إسرائيل، وهما يعلمان أن الله خلق آدم من تراب، فلم يكن آدم موجودًا فوُجد، فمن الذي أوجده؟ الذي أوجده هو الله، وأوجده... |
| ...لغاية نبيلة عظيمة، هي أن يكون خليفة في هذه الأرض، وليكون أبناؤه من بعده خلفاء، يحكمون بشرع الله وهدي الله، ويعبدون الله سبحانه وتعالى، كما قال عز من قائل: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ)) [الذاريات: ٥٦، ٥٧]. فرد هذا الرجل إلى حقيقته الأولى، وأنه خلق من تراب، ثم ذكره بحقيقته هو في خلقه في بطن أمه، إذ لم يكن موجودًا قبل أن يخرج لهذه الحياة، فكيف بدأ خلقه، خلقه الله عز وجل من نطفة، فتدرج في مراحل الخلق إلى أن صار رجلًا، بمعنى أن النطفة انتقلت إلى أن تكون علقة، ثم كانت مضغة، ثم ما كان بعد ذلك من مراحل، إلى أن تمت الولادة، وكان هذا الصبي إلى أن وصل إلى مرحلة الرجولة، فاختصر الرجل كل هذه المراحل وذكره بالبداية، وهي النطفة، والنطفة دليل على بداية الإنسان من شيء تافه حقير بسيط، قد يتقزز منه الإنسان، ومع ذلك نماه الله ووصل به إلى هذه المرحلة. فولد هذا الإنسان فتدرج في مراحل الخلق إلى أن وصل إلى هذه المرحلة، وهو أنه أصبح رجلًا، رجلًا ينكر أن الله سبحانه وتعالى قد خلقه، أو ينكر البعث بعد الموت، ويعتقد أنه لو رجع إلى ربه، ولو كان القول بأن الساعة حق، فهناك لا بد أن يجد هناك الخير الكثير؛ لأنه يعيش في خير كثير في الدنيا، وفهم أنه سيعيش في هذا الخير هناك في الآخرة، وما أعظمها من موعظة بليغة في هذا الموقف. |
![]() |
ثم يعلن لصاحبه بعقيدته فيقول: ((لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا)) [الكهف: ٣٨] فيعلن أنه عبد موحد لله رب العالمين، موحد لربه في ربوبيته وألوهيته، وأنه لا يشرك بربه أحدًا، ثم يتوجه بالنصيحة لصاحبه، وما زال به يحاول أن يرده إلى الطريق الصحيح، فيقول: ((وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)) [الكهف: ٣٩]، فإنّه لو فعل ذلك لحفظ الله عليه ماله، ولأبقى له هذا المال، ولزاده بركات من بركاته، لكنه لم يفعل، ثم بين له حقيقة المقاييس التي يجب أن يفهمها هذا الرجل، فيقول: ((إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ)) [الكهف: ٣٩، ٤٠]. نعم إن كان في الدنيا لم ينل مالًا ولا ولدًا، بالقدر الذي يكون عليه هذا الإنسان الغني المتغطرس، فليفهم أن الله هو الرزاق، وأنه جل وعلا ربما يمن عليه بخير من جنته هذه، يعطيه هذا في الدنيا، أو يعطيه هذا في الآخرة، أما جنته فإن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يرسل عليها حسبانًا من السماء، فتصبح صعيدًا زلقًا، وانظروا إلى تعبير القرآن: ((حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ)) [الكهف: ٤٠]. فحسبانًا من السماء، أي: أمطارًا غزيرة مدمرة من السماء، يترتب عليها أن هذه الحديقة، وهذه الجنة المثمرة العامرة المليئة بالأشجار العالية، التي تستر الأنظار، تصبح في لحظات أرضًا خالية لا نبات فيها ولا ثمر ولا شجر، إنما هي زلق، زلق أي: لا تستطيع أن تسير فيها لكثرة الماء في أرضها. |
| أو هناك أمر آخر هي أن يصبح ماء هاتين الجنتين غائرًا، فلن تستطيع له طلبًا، فهذا النهر الذي يسقي هذه الزروع وهذه الثمار، الله سبحانه وتعالى هو الذي أجراه، وهو القادر أيضًا أن يجعل ماء هذا النهر يغور وينقص بل ويجف، وحينذاك لا يستطيع هذا الرجل -مهما بذل- أن يستخرج هذا الماء مرة أخرى، وبالتالي سوف يكون مصير الجنتين إلى الذبول، ثم إلى النهاية، ولم يمض وقت طويل حتى تحقق ما ذكره هذا الرجل الصالح، وإذا بثمر هذا الإنسان الكافر وجنتيه تنزل المياه الغزيرة، فتدمر هاتين الحديقتين. |
![]() |
نظر هذا الرجل نظرة الآسف الحزين: ((فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا)) [الكهف: ٤٢] لقد انتهت قصة هاتين الجنتين، وكل جنة منهما خاوية على عروشها، والرجل واقف يندم على ما كان منه، ويقول: ((يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا)) [الكهف: ٤٢] ولعلك ترى أنه لم تكن له فئة ولا جماعة ولا أحد، ينصرونه من دون الله، وما كان هذا الرجل لينتصر بنفسه؛ لأن الله هو القوي القادر. |
![]() |
تختم القصة بقوله: ((هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا)) [الكهف: ٤٤] فالثواب الحقيقي من عند الله، والعاقبة الحميدة من عند الله، ثم يأتي قوله تعالى: ((وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا، الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)) [الكهف: ٤٥، ٤٦]. |
| فيأتي هذا الختام ليبين حقيقة من حقائق هذا الدين، وأن الدنيا إلى زوال، وأنها ملك لله، وأن المال والبنون زينة الحياة الدنيا، ولكن يجب على الإنسان الواعي أن يعلم أن الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا؛ لأنّ الباقيات الصالحات سبب للنجاة في الآخرة، والنجاة في الآخرة مطلب لأهل الإيمان. |