... ٣.٩ وقفة مع ما ذكره الله -عز وجل- في أواخر سورة هود، والفرق بين


وقفة مع ما ذكره الله -عز وجل- في أواخر سورة هود

لنقف عند كلمة القصة فيما ذكر الله في كتابه الكريم، عندما ذكر الله -عز وجل- في أواخر سورة هود، فقال ربنا: ((ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ)) [هود: ١٠٠، ١٠١].
فهذه أنباء القرى يقصّها الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- وقد ذكر له في سورة هود مجموعة من قصص القرآن العظيم؛ فذكر له قصة نوح وقصة هود، وقصة صالح وقصة إبراهيم وقصة لوط وقصة شعيب، وقصة موسى مع فرعون، ذكر له ذلك كله، وبيّن ما فيها من الدروس ومن العبر، ثم ختم هذا بقوله: ((ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ)) [هود: ١٠٠].
فهذا هو ما قصه الله -سبحانه وتعالى، ويبين الله -جل وعلا- أنه إذا أخذ القرى فإن أخذه أليم شديد: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)) [هود:١٠٣].
تتواصل الآيات تذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما يجب عليه من الصبر والثبات في موقف الإنكار والتكذيب، كما قال ربنا: ((وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)) [هود: ١١٥]، وتذكر له مرة أخرى أن الهداية بيد الله: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً...

... ٣.٩ وقفة مع ما ذكره الله -عز وجل- في أواخر سورة هود، والفرق بين


...وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)) [هود: ١١٨، ١١٩].
ثم تقول له بأن ما يقصه عليه من أنباء الرسل، إنما يسوق ذلك تثبيتًا لفؤاده، وليعلم أنه منصور لا محالة، وأن ما معه هو الحق بعينه، وأن ما جاء به إنما هو ذكرى لمن عنده استعداد للإيمان: ((وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)) [هود: ١٢٠].
وتتوعد المكذبين المعاندين، وهي تقول: ((وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) [هود: ١٢١-١٢٣]، فما أعظم هذا القصص الذي جاء به كتاب الله!!
اقرءوا مرة أخرى في مادة القصص القرآني، ما جاء في سورة آل عمران من قول الله تعالى: ((إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ)) [آل عمران: ٦٢، ٦٣].
والآية تأتي تعقيبًا على ما كان بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين أهل الكتاب من نقاش في عيسى -عليه السلام- وأن الله -سبحانه وتعالى- أوحى إلى رسوله أن يقول لهم ما ذكره ربنا -جل وعلا- في كثير من آيات القرآن، وأكد عليه هنا في سورة ...

... ٣.٩ وقفة مع ما ذكره الله -عز وجل- في أواخر سورة هود، والفرق بين


...آل عمران،ذلكم حيث يقول ربنا: ((ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ * إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)) [آل عمران: ٥٨-٦٠].
ثم دعاهم إلى المباهلة: ((فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)) [آل عمران: ٦١] أي: فمن حاجك في عيسى -عليه السلام- وأن عيسى هو عبد الله ورسوله، فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم: ((فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ))، فدعاهم إلى المباهلة فنكصوا على أعقابهم، وعلموا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صادق فيما أخبر عن ربه؛ ولذلك قال ربنا تعقيبًا على هذه المباهلة، وما جاء من حديث القرآن عن آل عمران، وعما كان من أمر مريم، وعما كان من أمر حملها بعيسى -عليه السلام- وما آتاه الله من الآيات المبينات، وأنه جاء مصدقًا لما بين يديه من التوراة، يقول تعالى تعقيبًا على هذه القصة العظيمة: ((إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)) [آل عمران: ٦٢].
نعم، هذا قصص القرآن هو القصص الحق، فلا مجال فيه لخيال ولا مجال فيه لكذب ولا مجال فيه لافتراء، إنما هو وحي الله الذي أوحاه لنبيه؛ لتحقيق أغراض عظيمة وأهداف نبيلة، فيها بناء الإنسان وتثبيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتطمين قلبه.

... ٣.٩ وقفة مع ما ذكره الله -عز وجل- في أواخر سورة هود، والفرق بين


الفرق بين تناول القصة في التفسير الموضوعي، وتناولها في الفن القصصي

الفرق بين تناول القصة وفق منهج التفسير الموضوعي، وتناولها وفق الفن القصصي، في عرض الشخصيات والأدوات والحبكة القصصية:
فنحن في التفسير الموضوعي نجمع الآيات الواردة في القصة، وندرسها دراسة موضوعية، نستخلص الأحداث ونستنتج العبر والدروس، وقد تكون هذه الآيات متفرقة في القرآن الكريم بين الإطناب والإيجاز، كما ترى في قصص الأنبياء، من أمثال نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وهود وصالح وشعيب وغيرهم، وقد تكون الآيات غير متفرقة، إنما هي مذكورة في موضع واحد من سورة من سور القرآن، كهذه القصص التي سنتناولها بإذن الله: قصة أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين، وموسى والخضر، وما إلى ذلك.
وهذا يختلف عن إيراد القصة وفق الفن القصصي، في تقسيمها إلى فصول ومشاهد، وشخصيات وعناصر تشويق، مما تراه فيما تقرأ من قصص كتبها أصحابها مستقاة من قصص القرآن، أو من نسج الخيال، أو الواقع، بإضافة اللمسات الفنية، وما يتخيله الكاتب من كلام وحوار يجري على ألسنة أبطال القصة.
أما التفسير التحليلي فهو هذا التفسير الذي يتناول الآيات في القرآن، ومن ذلك الآيات التي تحمل قصة يتناولها آية آية، فيذكر أسباب النزول -إن وجدت- ومعاني الكلمات والمعنى الإجمالي، ثم يغوص في كل كلمة في الآية، يستخرج ما فيها من أحكام إن...

... ٣.٩ وقفة مع ما ذكره الله -عز وجل- في أواخر سورة هود، والفرق بين


...كانت الآية تتحدث عن حكم من الأحكام، كما يعرض لتعبيرات الآية وما فيها من جمال لغوي، وبيان لألوان الهداية والرشاد، وكل هذه الألوان قريبة من بعضها، ولكن التفسير الموضوعي يأتي في قمتها؛ لأن المفسر للقرآن تفسيرًا موضوعيًّا، قد يحتاج إلى عرض آية بما فيها من روعة التعبير، وما تحمله من دروس وعبر.
وقد يعرض للقصة كما يعرض لها كتاب القصة، لكن القصص القرآني ليس فيه مجال لخيال، ولا استنطاق لشخصيات، ولا اختراع لحوارات، فكل شخصية يعرضها هي شخصية حقيقية، يعرفها الزمان والمكان، وكل كلمة تقال هي الصدق بعينه، لا مجال فيها لزيادة أو نقصان؛ ولذلك قال تعالى: ((إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)) [آل عمران: ٦٢]، وقال: ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ)) [الكهف: ١٣]، وقال: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [يوسف: ١١١].