٢.٩ الدروس المستفادة من سورة يوسف، والقصص


الدروس المستفادة من سورة يوسف -عليه السلام

يقول الله في مطلع السورة لرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم: ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)) [يوسف: ٣]، فيقص الله على رسوله والمؤمنين معه قصة من أعظم وأحسن القصص، تتوالى أحداثها من بداية السورة، فتنتقل بك الآيات من حدث إلى حدث ومن مرحلة إلى مرحلة، في أسلوب معجز لا تشعر فيه بنَبْوة، ولا تحتاج القصة إلى أن تقسم إلى فصول ومشاهد، وإنما تنساب أحداثها كالماء العذب في جدوله رقراقًا صافيًا، إلى أن تصل إلى قبيل نهاية السورة في هذا الدعاء الخاشع من عبد الله ونبيه يوسف -عليه السلام- ذلكم حيث يقول: ((رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)) [يوسف: ١٠١].
تعقيبًا على هذه القصة التي تفرغت السورة لعرضها، ولم تتحدث عن قصة أخرى، تأتي الدروس المستفادة والتي يوجزها القرآن في عشر آيات، بعد أن ذكر القصة في حوالي مائة آية، وفي بداية هذه الدروس:
إثبات أن هذا القرآن من عند الله، وأن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- هو رسول الله حقًّا، يقول تعالى: ((ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ)) [يوسف: ١٠٢]، وهذا هو الذي يعرف في وجوه إعجاز القرآن بالإعجاز...

٢.٩ الدروس المستفادة من سورة يوسف، والقصص


...الغيبي، أي: إخبار القرآن بأمور غيبية، لا سبيل لمعرفتها إلا عن طريق إخبار الله لرسوله بها، ومنها أحداث قصة يوسف وما كان من أمره مع أبيه وإخوته إلى أن نجاه الله واصطفاه.
ثاني هذه الدروس ما كان يحمله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حب لبني الإنسان، وحرص على هدايتهم، وما كان يشعر به من حزن وألم لعدم إيمانهم، مع أنه جاء بالحق الذي لا يرفضه إلا معاند مكابر.
وقصة يوسف التي جاء بها الوحي معجزة، شأنها شأن آيات القرآن في ألفاظها وسردها وأحداثها، وما تحمله من دقائق الأخبار، وما تذكره من خلجات القلوب التي لا اطلاع عليها إلا لعلام الغيوب، وهذا ما يعبر عنه قوله -عز وجل: ((وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)) [يوسف: ١٠٣].
فمع شدة حرصه -صلى الله عليه وسلم- على هداية الناس، إلا أن الله كثيرًا ما يُذكِّر بأن مرد هذه الهداية له وحده، فيقول: ((إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)) [القصص: ٥٦]، وعليه ألا يحزن لعدم إيمان من آمن، كما قال تعالى: ((قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)) [الأنعام: ٣٣]، كما قال: ((لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)) [الشعراء: ٣، ٤]، ومعنى ((بَاخِعٌ نَفْسَكَ)) أي: مهلكها، إلى غير ذلك من الآيات التي تبين رحمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالخلق، وكيف كان...

٢.٩ الدروس المستفادة من سورة يوسف، والقصص


...حريصًا كل الحرص على هدايتهم، ولكن حسبه أنه بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأخلص النصيحة للناس.
ودرس ثالث في التعقيب على قصة يوسف، تلمحه في قول الله تعالى: ((وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)) [يوسف: ١٠٤]، فهذا يعني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليس طالب دنيا، إنما يريد بدعوته أن يدل الناس على طريق ربهم، لا يطلب على ذلك أجرًا من أحد، إنما أجره عند الله، وهكذا ككل الرسل، واقرءوا في ذلك في الشعراء ما قاله كل من نوح وهود وصالح ولوط وشعيب -عليهم السلام- فقد قال كل منهم لقومه هذه العبارة: ((وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)) [الشعراء: ١٠٩]، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- وبهذا أمره مولاه، فقال له: ((قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) [سبأ: ٤٧]، وفي هذا لوم وعتاب للمشركين الجاحدين؛ إذ كيف يأتيهم رسول يدعوهم إلى ربهم، لا يطلب على هذا الجهد العظيم وهذا الأمر الجليل أجرًا مهما صغر، ومن أي لون كان هذا الأجر، ومع ذلك ترد عليه دعوته؟
وأمر آخر في دروس هذه الآية، وهو بشارة عظيمة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين، ذلكم هو إثبات أن دعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليست خاصة بأهل مكة أو العرب أو الجزيرة العربية، إنما هي دعوة للعالمين، كما قال سبحانه في التعقيب على القصة: ((إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)) [ص: ٨٧] قال الله هذا لرسوله هنا في سورة يوسف.

٢.٩ الدروس المستفادة من سورة يوسف، والقصص


وقالها له في سورة ص وفي التكوير وفي سورة القلم، قال له: ((وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ)) [القلم: ٥٢]، وفي الأنعام: ((إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ)) [الأنعام: ٩٠]، وفي الأنبياء: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) [الأنبياء: ١٠٧]، وفي مطلع الفرقان: ((تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)) [الفرقان: ١].
لعلكم لاحظتم معي أن كل هذه السور التي ذكرت فيها كلمة العالمين، على أن العالمين حقل الدعوة الإسلامية، كل هذه سور مكية في وقت يطارد فيه المسلمون، إذ لا دولة لهم ولا سلطان، ومع ذلك يخبر الله رسوله أنه صاحب الرسالة العالمية، إذ كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس عامة.
وبهذا نستطيع أن نرد على المستشرقين وأذنابهم، الذين ادعوا زورًا وبهتانًا أن محمدًا إذا قيل بأنه رسول، فإن الله قد أرسله إلى أهل مكة خاصة، ثم بدا له أن يوسع من مجال دعوته، فعرض نفسه على قبائل العرب، فلما وجد قبولًا عند الأوس والخزرج هاجر إليهم، وأخذ يحارب من حوله من قبائل العرب، فادعى أنه مرسل إلى كل العرب، ثم لما خضعت له الجزيرة العربية، وجاءته قبائلها في عام الوفود تعلن دخولها في الدين الجديد، عنّ له أن يراسل الملوك والأمراء خارج الجزيرة، وادعى أنه رسول إلى الناس جميعًا.
ولو أنصف هؤلاء، وقرءوا بعض الآيات التي ذكرناها لخرست ألسنتهم، ولما تفوهوا بهذا البهتان، كيف وقد قال الله لرسوله في سورة الأعراف، وهي من القرآن الذي نزل بمكة: ((قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا ...

٢.٩ الدروس المستفادة من سورة يوسف، والقصص


...هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) [الأعراف: ١٥٨]، وقال في سورة سبأ وهي أيضًا مكية: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) [سبأ: ٢٨]؟
وتعرض الآيات لحال قريش وغفلتهم عن آيات الله، وتهددهم بعذاب الله، وتأمر رسول الله أن يعلن لهم عن سبيله في الدعوة إلى الله، وتخوّفهم بما صار إليه أمر الأمم من قبلهم، وتبين له أن العاقبة له بنصر الله وتأييده، فتقول: ((حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)) [يوسف: ١١٠]، وتختم السورة بقول الله تعالى: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) [يوسف: ١١١].
في هذا الختام تطمين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبيان للأهداف السامية لقصص القرآن وحديثه عن الأمم السابقة، وما آل إليه أمرها حين كذبت المرسلين، وأن في ذلك عبرة عظيمة لمن يعتبر، والذي يعتبر هو صاحب العقل الراجح والفكر الصائب، أما من لم يعتبر، فهو كما قال الله -عز وجل: ((وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)) [الأعراف: ١٧٩].

٢.٩ الدروس المستفادة من سورة يوسف، والقصص


أثبت الله صدق ما قصّه من أحوال الأمم والأفراد، فبين أن ما ذكره من ذلك لا يمكن أن يكون حديثًا مختلقًا وملفقًا، جاء من نسج خيال قاصّ يحكي قصة، قد لا يكون لها من الواقع نصيب، وإنما هذا الذي ذكره ربنا جاء مصدقًا لما بين يديه من الكتب السماوية السابقة، وجاء تفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون.

الدروس المستفادة من سورة القصص

سورة القصص ثمانٍ وثمانون آية، تبدأ قصة موسى بعد الآية الثانية: ((طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)) [القصص: ١، ٢]، ثم تبدأ في عرض قصة موسى -عليه السلام- وتستمر الآيات إلى الآية الثالثة والأربعين عند قوله: ((وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)) [القصص: ٤٣]، ثم تأتي تعقيبات القرآن على هذه القصة؛ لبيان ما فيها من دروس نافعة، إلى أن تختم السورة وقريبًا من نهايتها بقصة قارون وما صار إليه أمره، وهو أيضًا من قوم موسى، والآيات التي تناولت موسى وقصته في هذه السورة، تعرض لما كان من ظلم فرعون لبني إسرائيل، وأن الله أراد أن يمنّ عليهم ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، وبدأت الآيات بكلماتها، بل وبحروفها ترسم مشاهد قصة من قصص القرآن، وكأنك ترى صورة مجسمة متحركة لأشخاص وأبطال هذه القصة.

٢.٩ الدروس المستفادة من سورة يوسف، والقصص


فهذه أم موسى في خوفها على رضيعها، تخشى من فرعون وجنده أن يعتدوا عليها، وأن يأخذوا وليدها، وأن يقتلوه، ولكن الله ألقى في روعها أنها إذا خافت على وليدها هذا، فعليها أن تلقيه في اليم وألا تخاف وألا تحزن، وقد وعدها الله -سبحانه وتعالى- بأن يرد إليها وليدها؛ ليكون هذا الوليد من المرسلين.
سارت أحداث القصة وجرى قدر الله بالذي كان في علمه، فهذا هو فرعون وجنده يلتقطون الصندوق الذي فيه هذا الوليد؛ ليكون هذا الوليد لهم عدوًّا وحزنًا: ((إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)) [القصص: ٨]، وألقى الله محبة موسى في قلب امرأة فرعون فقالت: هذا قرة عين لي ولك، وأمرتهم ألا يقتلوه ((عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ))، وحين علمت أم موسى بما كان في الأمر أصبح فؤادها فارغًا كما قال تعالى، حتى لقد كادت تبدي من شدة جزعها وخوفها على وليدها أن هذا الغلام هو ابنها، لكن الله ربط على قلبها لتكون من المؤمنين، وأوصت ابنتها أن تبحث وأن تتقصى أخبار هذا الطفل وأخبار موسى: ((فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)) [القصص: ١١].
وجرى قدر الله -سبحانه وتعالى- بأن هذا الوليد، وقد جاءوا له بالمراضع من كل مكان، فلم يلتقم ثدي واحدة منهن، فقالت البنية: ((هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ))، فرد الله -سبحانه وتعالى- موسى إلى أمه ((كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)).

٢.٩ الدروس المستفادة من سورة يوسف، والقصص


القصة تنتقل من مرحلة الطفولة، والتي تربى فيها موسى في بيته ومع أمه، لكنه لما بلغ أشده واستوى كان في بيت فرعون، وقد آتى الله موسى حكمًا وعلمًا، وكذلك نجزي المحسنين، وهو يعلم أنه من بني إسرائيل.
ويذكر القرآن أن موسى -عليه السلام- دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، فوجد فيها رجلين يقتتلان، هذا من شيعته وهذا من عدوه، وأن الذي من شيعته قد استغاثه على الذي من عدوه، فوكز موسى هذا العدو فصادفت أجله فمات، فندم موسى على ما كان من الأمر وقال: هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين، واتجه إلى الله قائلًا: رب، إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فغفر له إنه هو الغفور الرحيم، فأقسم بما أنعم الله عليه ألا يكون بعد ذلك ظهيرًا للمجرمين.
وانتشر الخبر في المدينة ووصل إلى الفرعون، وأجمع القوم على قتل موسى، ولكن رجلًا صديقًا محبًّا لموسى جاء إليه يسعى، يقول له: يا موسى، إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين، فخرج منها خفية خائفًا يترقب، يسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينجيه من القوم الظالمين، وتوجه جهة مدين سائلًا الله أن يرشده إلى الطريق السديد: ((وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) [القصص: ٢٣-٢٥].

٢.٩ الدروس المستفادة من سورة يوسف، والقصص


وصلنا إلى: ((فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ)) [القصص: ٢٥]، وكأنكم ترون معي وتنظرون بعيون قلوبكم إلى موسى -عليه السلام- وقد جاء إلى نبي الله شعيب وجلس معه مطمئنًّا إليه، يذكر له ما كان من أمر فرعون مع بني إسرائيل من بداية عهدهم معه، إلى أن كان ما كان من أمر قَتْل ذكورهم واستحياء نسائهم، وما كان من أمر وصوله إلى قصر الفرعون وأنه تربى في هذا القصر، ثم كان من أمره أن قتل أحد هؤلاء الذين هم من أعداء بني إسرائيل، وأجمع أمر مجلس فرعون على قتل موسى، فخرج خائفًا يترقب إلى أن وصل إلى هذا المكان، ورأى شعيب صدق هذا الشاب، وانبرت إحدى الفتاتين تقول لأبيها: ((يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)) [القصص: ٢٦] وهنا قد انتهت أيام المحن وبدأت أيام المنن، فعاش موسى آمنًا مطمئنًّا في كنف هذا الشيخ العظيم، ووفى بما عاهد عليه.
ولما قضى موسى الأجل، وعاد بأهله إلى مصر ليرى أهله هناك، كان هذا الاختيار الإلهي العظيم للرسالة والنبوة، و((نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)).
تذكر الآيات ما كان من أمر الله مع موسى، وأن الله أرسله لفرعون، وما كان من أمر فرعون حين جاءه موسى بالآيات البينات، وأن فرعون كما قال تعالى: ((وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ)) [القصص: ٣٩-٤١] أي: جعلنا فرعون وجنوده أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ((وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى...

٢.٩ الدروس المستفادة من سورة يوسف، والقصص


... وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)) [القصص: ٤٢، ٤٣].
أردت أن ألتزم بكلمات القرآن في أغلب ما ذكرنا من هذه القصة؛ لنرى عظمة القرآن الكريم في سرده لأحداث قصصه، وأنه في أسلوبه المعجز لا يصل إلى شأوه أحد، ولا يستطيع أن يجاريه أحد، فهذا تنزيل من العليم الخبير من رب العالمين، يسوق الله هذا بيانًا لرسوله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين معه؛ ليكون في هذا القصص العبرة والعظة، فماذا يمكن أن نلتقط من الدروس النافعة والعبر والعظات البليغة، فيما ذكر الله من أحداث هذه القصة في سورة القصص؟
أول ما نلتقطه هو ما ذكرناه في سورة يوسف، أن في هذا الإخبار دليلًا على أن محمدًا هو رسول الله حقًّا، ذلكم حيث يقول الله له: ((وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)) [القصص: ٤٤-٤٦].
فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن هناك ولم يشاهد ما حدث، فمن الذي أخبره؟ الذي أخبره هو الذي أوحى إليه بهذا القرآن، فهذا دليل على صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما بلغ عن ربه، وأنه رسول الله حقًّا.

٢.٩ الدروس المستفادة من سورة يوسف، والقصص


على طريقة القرآن بعد أن ساق هذا الدليل المقنع، والذي كان لا بد أن يسوقهم إلى الإيمان بما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لذلك يهددهم ويتوعدهم، وأنهم إن لم يستجيبوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنهم إنما يتبعون أهواءهم وهم ظلمة: ((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) [القصص: ٥٠].
ويسلي الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- بأن الهداية بيده -سبحانه وتعالى- فيقول: ((إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)) [القصص: ٥٦] كما ذكر ذلك أيضًا في قصة يوسف -عليه السلام.
تسير الآيات تهدّد وتتوعّد، وتذكر جملة من الأدلة على أن الله هو الواحد الأحد، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، إلى آخر ما ذكر الله في هذه السورة الكريمة، وما فيها من دروس وما فيها من عظة.