![]() |
نبدؤها ببيان أهمية القصة في القرآن الكريم، ومن البداية أود أن أضع أيديكم على الفرق بين كتابة بحث في قصص القرآن، وتناول هذا الموضوع من خلال التفسير الموضوعي، فالذي يكتب بحثًا في قصص القرآن يقسمه إلى فقرات متتالية، تتعلق كل فقرة بجانب من جوانب الموضوع، دون أن يلاحظ ما جاء في القرآن عن القصة، وكم ذكرت مادتها، وماذا يعني ورودها في كل موضع ذكرت فيه، وهذا هو التفسير الموضوعي، ومع أن الخيط بين المنهجين خيط دقيق، فلهذا رأيت أن أقسم الموضوع من خلال آيات القرآن التي تتحدث عن القصة، وتذكر بعض قصص القرآن إلى أربعة عناصر: |
![]() |
الأول: المقصود بالقصة ومعنى أنها في القرآن الكريم. |
![]() |
الثاني: القصة في القرآن الكريم ليست من نسج الخيال. |
![]() |
الثالث: ورود القصة في القرآن بين الاختصار والإطلاق. |
![]() |
الرابع: العبرة من ورود القصة في القرآن. |
![]() |
يقول ابن فارس في معجم (مقاييس اللغة): "قَص: القاف والصاد أصل صحيح يدل على تتبع الشيء، من ذلك قولهم: اقتصصت الأثر؛ إذا تتبعته، ومن ذلك اشتقاق القِصاص في الجراح، وذلك أنه يفعل به مثل فعله الأول، فكأنه اقتص أثره، ومن الباب القصة والقصص، كل ذلك يُتتبع فيُذكر. وأما الصدر فهو القص، وهو عندنا قياس الباب؛ لأنه متساوي العظام، كأن كل عظم منها يتبع للآخر. ومن الباب أيضًا: قصصت الشعر، وذلك أنك إذا قصصته فقد سويت بين كل شعرة وأختها، فصارت الواحدة كأنها تابعة للأخرى مساوية لها في طريقها". |
![]() |
يقول ابن منظور في (لسان العرب): "القصة: الأمر والحديث، واقتصصت الحديث: رويته على وجهه، وفي حديث الرؤيا: لا تقصها إلا على واد، أي: ودود، يقال: قصصت الرؤيا على فلان؛ إذا أخبرته بها، والقاص: الذي يأتي بالقصة على وجهها، كأنه يتتبع معانيها وألفاظها". |
![]() |
أما الراغب في مفرداته فيقول: "قص، القص: تتبع الأثر، يقال: قصصت أثره، والقصص: الأثر. قال: ((فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)) [الكهف: ٦٤]، ((وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ)) [القصص: ١١]، والقصص: الأخبار المتتابعة. قال: ((لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)) [آل عمران: ٦٢] ((فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ)) [يوسف: ١١١] ((وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ)) [القصص: 25] ((نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)) [يوسف: ٣] ((فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ)) [الأعراف: ٧] ((يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ)) [النمل: ٧٦] ((فَاقْصُصِ الْقَصَصَ)) [الأعراف: ١٧٦]". |
![]() |
ما جاء في كتب اللغة متقارب المعنى، وخلاصته أن القصة أحداث يتتبع من يذكرها حدثًا بعد حدث، كمن يتتبع أثر الأقدام حتى يصل إلى صاحبها، وهذا يحتاج إلى مهارة خاصة في علم الأثر. |
![]() |
لكننا في مجال التفسير الموضوعي نعرض لتأصيل القصة في القرآن، ونبين أن ما ذكر في القرآن الكريم منها هو عين الحقيقة، ونوضح السبب في تكرار القصة في القرآن بين الإطناب والاختصار، ونستخلص بعض الدروس والعبر من ورود القصة في القرآن، ثم نقف أمام الآيات التي وردت فيها مادة القاف والصاد والصاد؛ لنرى كيف استعملها القرآن الكريم، ثم نعرض لبعض قصص القرآن بالدراسة، فنجمع الآيات الواردة في القصة، وندرسها مجتمعة دراسة موضوعية، فتبدو لنا مشرقة بالدروس النافعة والعظات البالغة، فماذا جاء في كتاب ربنا؟ |
![]() |
وردت هذه المادة تسعا وعشرين مرة، منها ما جاء في سورة القصص من قول أم موسى لابنتها: ((وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)) [القصص: ١١] أي: تتبعي أخباره، وانظري إلى أين ذهب الصندوق الذي وضع فيه موسى، وألقي به في نهر النيل،... |
| ...وتتبع أثر موسى والبحث عن أخباره ليس من موضوعنا، وقريب من هذا المعنى ما جاء في قصة موسى -عليه السلام- وفتاه وهما يبحثان عن الخضر، وقد أعطى الله موسى علامة يعرف بها مكان الخضر، وهذه العلامة تتمثل في حوت يحمله معه هو وفتاه في مِكْتل، وفي المكان الذي يفقدان فيه الحوت يكون الخضر فيه. |
![]() |
قال تعالى: ((وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)) [الكهف: ٦٠-٦٤]. |
![]() |
أي: يتتبعان أثر سيرهما، حتى يصلا إلى المكان الذي كانا نائمين فيه، فلما وصلا إلى هذا المكان وجدا الخضر، وكان من أمر موسى معه ما ذكره الله في كتابه، فقوله: ((فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)) [الكهف: ٦٤]، قوله: ((قَصَصًا)) ليس المراد به القصة التي هي موضوع حديثنا، كما وردت كلمة القصاص في أربعة مواضع من القرآن، منها ثلاثة في البقرة: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)) [البقرة: ١٧٨] ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)) [البقرة: ١٧٩] ((وَالْحُرُمَاتُ قِصَاص)) وموضع في المائدة في قوله: ((وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)) [المائدة: ٤٥]. |
![]() |
والقصاص -كما هو واضح- ليس هو القصة، وإن اشترك هو والذي قبله في أصل استعمال الكلمة، وهو تتبع الأثر للوصول إلى الغاية. |