١.٨ الأسباب التي أدت إلى سوء العشرة


سوء الاختيار

فما الذي جعل الزوجين أو أحدهما يعامل الآخر معاملة سيئة، زرعت بذور الكراهة والبغض فأنبتت حنظلًا مرًّا ودمارًا وضياعًا للزوجين وأبنائهم، وأثمرت نفورًا وبغضًا بين أسرتين بما فيهما الآباء والأمهات والإخوة والأخوات، وما إلى ذلك، وقد كان أفراد كل أسرة إذا ما التقوا وجدتهم أصهارًا متحابين، يعانق كل منهم الآخر في ود ظاهر وسعادة غامرة؟ فماذا عن حالهم بعد هذه النكبة التي حلت بابنهم وابنتهم؟!
فهذا إذًا أول الأسباب، في أن الاختيار لم يكن موفقًا، وعلاجه حسن الاختيار للبيئة التي تربى فيها كل من الزوج والزوجة.
قريب من هذا السبب لحظات الاختيار حين الإقدام على الزواج، وقد أرشد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في اختيار الفتاة إلى دينها، وعرض إلى ما يُرَغِّب الناس في الزواج من ذات المال والجمال والحسب، وبيّن أن هذا لا مانع من طلبه، لكن بشرط أن يكون الدين في المقدمة حارسًا وحافظًا للمال والجمال والحسب، وإلا كان المال لها طغيانًا وإذلالًا لزوجها، وكان الجمال انحرافًا وغيرة قاتلة وهمًّا عظيمًا، وكان الحسب تعاليًا وكبرًا وغرورًا؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم: ((فاظفر بذات الدين تربت يداك))، أي: التصقت يداك بالتراب إن لم تظفر بذات الدين، وهو كناية عن الخسارة والضياع.

١.٨ الأسباب التي أدت إلى سوء العشرة


فليتساءل من أساءت زوجته عشرتها معه، فعاملته بالغلظة والتعالي والغطرسة، والمنّ عليه بمالها وحسبها: على أي أساس كان اختياره لها؟ هل طلب ذات الدين والخلق؟ إنه لو كان قد فعل ذلك لوجد زوجة صالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله وأبنائه، وكانت له عونًا على مشقات الحياة، وكم في الحياة من مشقات، وولي الفتاة في اختياره لمن سيكون زوجًا لابنته وصهرًا له ولأسرته: على أي أساس اختار هذا الزوج؟

عدم التدقيق في الدين والخلق

تذاكرنا ما أوصى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولياء الفتاة، بل والفتاة نفسها، ومن له صلة بالرأي والمشورة من أم وعم وخال، أن يكون أساس اختيارهم لزوج ابنتهم قائمًا على أساس من الخلق والدين، كما قال -صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض -أو وفساد كبير)).
ولا بد من ملاحظة الأمرين معًا: الخُلق والدين:

١.٨ الأسباب التي أدت إلى سوء العشرة


فترى شابًّا مهذبًا دَمِث الأخلاق يفيض رقة وأدبًا، ولكنه لا يؤدي فرائض الله أو يؤديها مرة ويقطع مرات، ومثل هذا لا يصلح أن يكون صهرًا ولا أن يكون زوجًا للفتاة، ولعلنا نتساءل: كيف يجتمع حسن الخلق مع عدم الالتزام بدين الله؟! والواقع خير شاهد.
بل إنك لترى كثيرًا من غير المسلمين، على أعلى ما يكونون من الرقة والأمانة، وحسن أداء العمل والصدق في القول وأداء الحقوق لأصحابها، وما ذلك إلا لأنهم علموا أن الحياة لا تصلح إلا بهذه الأخلاق، وأن هذه الأخلاق من أعظم وسائل النجاح في الحياة فالتزَموها، فمطلبهم ليس هو الله والدار الآخرة، إنما مطلبهم هذه الدنيا يصيبونها، فنجحوا في ذلك نجاحًا عظيمًا.
وقد يأتي لابنتك من يحافظ على أداء الصلاة في الجماعة، ومَن يحرص على الصيام والقيام وأداء النوافل، ولكنه فظّ غليظ، تحادثه فلا تستريح له، وتتعامل معه فتجد المكر والدهاء وسوء الأخلاق، فتدينه لم يؤت أكله ولم يثمر ثمرته من التخلق بالأخلاق الكريمة، فإذا ما تزوج كان وبالًا على زوجته، وكانت لحظات الحياة معه كأنها القرون، فيها من سوء العشرة -بكل ما تعنيه سوء العشرة في قول أو فعل- ما يُعَجِّل بالشقاء والفناء.

١.٨ الأسباب التي أدت إلى سوء العشرة


عدم الالتزام بحدود الله، وهدي رسول الله

فإذا ما اقتنع كل من الطرفين بصاحبه، تقدم الشاب ومعه بعض أهله وعشيرته لخطبة الفتاة، والخطبة ليست زواجًا قائمًا على الإيجاب والقبول والشهود وحضور الولي، يبيح للخاطب ما يبيحه عقد الزواج من جواز الخلوة والاستمتاع، ويوجب المهر والنفقة، إنما الخطبة وعْد بالزواج، والخاطب ما زال رجلًا أجنبيًّا كأي رجل، لا يجوز له أن يخرج مع مخطوبته ولا أن يخلو بها إلا في وجود محرم، والخطبة فترة يكتشف فيها كل من الجانبين ما عند صاحبه من خلق ودين؛ لأن رؤية الخاطب للفتاة، ورؤية الفتاة للشاب تعطي صورة أولية وعامة للشكل الخارجي، وهل هو مقبول؟
كما أن معرفة الخاطب أو المخطوبة عن طريق السؤال، قد لا تعطي الصورة الحقيقية أو الصورة الكاملة، فتأتي أيام الخطبة وما فيها من التزاور والمناقشات والمعاملات أحيانًا، ما يكشف حقيقة كل منهما.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تُعْلَم

١.٨ الأسباب التي أدت إلى سوء العشرة


الانقياد الأعمى إلى عادات وتقاليد بالية

إذا ما مرت أيام الخطبة بسلام وبدأت إجراءات العقد والزفاف، فليكن هذا وفق شريعة الله وتوجيهات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عدم المغالاة في المهر، وألا يطلب كل طرف من الآخر ما يلحقه في إعداد طعام وشراء فراش، وما يتبعه من أجهزة منزلية، وما يطلبه كثير من أهل العروس في مواصفات بيت الزوجية وإعداده، وما إلى ذلك مما يراه كثير من الناس ضرورة من ضرورات الزواج.
وليس هذا من الضرورة في شيء، لكن الإصرار عليه قد يؤدي إلى عدم إتمام الزواج، أو يلقي بظلاله على الزوجين بعد الزواج، فحين يستيقظ الزوج في صباح يوم الدخول ليرى ديونًا للآخرين يعجز عن الوفاء بها، وقد يستمر لفترة طويلة من الزمان يسدد في أقساطها، مما يجعله ينظر إلى زوجته وأهلها نظرة الكاره لهم ولها، وما بمثل هذا الأسلوب تنتظم حياة الأسر ويقام بيت من السعادة والحب.
ليت الناس يتقون الله في أنفسهم وبناتهم، وليتهم يقتدون في ذلك بإمام المرسلين -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، في عدم مغالاتهم في المهور، وعدم تحملهم لتكاليف الزواج الباهظة، فما كانت في بيوتهم الأسِرّة الفاخرة، والمقاعد الوفيرة، والتحف الغالية، وما إلى ذلك مما تراه في بيوتنا، إنما كان فراشهم بسيطًا ومتاعهم قليلًا.

١.٨ الأسباب التي أدت إلى سوء العشرة


بل إن هذا التيسير في الصداق، وإعداد البيت كان سمة لمجتمعاتنا إلى وقت قريب، حيث كان مهر الفتاة لا يتجاوز الخمسين جنيهًا، وبهذا المبلغ تجهز العروس بجهاز لا يتجاوز فرش حجرة، وبعض ما يلزم العروس وبيت الزوجية.
هذه المقدمات -التي هي أساس ما يكون من حسن العشرة أو سوء العشرة- لو أمكن ضبطها بميزان الشرع، لتخطينا كثيرًا من العقبات التي تدمر حياة الأسر، وتترك في القلوب الأسى والضغينة، وتفرق بين الزوجين.
فإذا ما تم الزواج بدأت حياة زوجية قائمة على المحبة والرضا، والتغاضي عن الهفوات، وأساسها: ((وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)) [النساء: ١٩]، ونبراسها: ((لا يَفْرك مؤمن مؤمنة -أي لا يكره مؤمن مؤمنة- إن كره منها خلقًا رضي منها آخر)).
مع كل هذه التوجيهات، بدءًا من التربية الإيمانية للبيوت وفي البيوت، ووصولًا إلى عش الزوجية، بكل ما يُفترض فيه من الدفء والحنان والمودة والرحمة والسكن، إلا أن طبائع البشر المختلفة قد تؤدي إلى التصادم وعدم الاتفاق، وفي كل يوم -بل ربما في كل ساعة- يزداد التباعد بين الزوجين، ويشعل الشيطان في القلوب نيران الكبرياء، فلا يتنازل أحد الزوجين عن رأي رآه، بل يرى في تنازله وعفوه وتسامحه مساسًا بكرامته، فقد وصل الأمر بينهما إلى حال من البغض والكراهية، جعل كلا منهما يسهر الليل ليفكر في الانتقام من صاحبه؛ إذ لم يعد يطيق رؤيته، فلم تعد الزوجة تنفذ لزوجها أمرًا، أو تؤدي له واجبًا، أو تهتم ببيتها وأبنائها، إنها دائمة الصراخ، لا تهدأ ولا يقر لها...

١.٨ الأسباب التي أدت إلى سوء العشرة


...قرار، والزوج نافر منها هاجر لها، يكره أن يراها، إن دخل البيت دخله لوقت قصير، ثم خرج يبحث عن راحته وأنسه في الشوارع، وربما على المقاهي، وربما اصطادته امرأة أخرى فتزوجها، فأضاف لمشكلته مشكلات.