18.1 عرض نماذج تحليلية لظاهرة التكرير في القرآن الكريم


نماذج تحليلية لظاهرة التكرير في القرآن الكريم
اهتم البلاغيون واللغويون والمفسرون ببيان أسرار التكرار، ومن الكتب التي شغلت هذه الظاهرة حيِّزًا أكبر منها، كتاب "درة التنزيل وغرة التأويل" للخطيب الإسكافي المتوفى سنة 420 هـ، الذي تتبع مواضع التكرار، وبَيَّنَ ما يتعلق بها من لطائف وإشارات دلالية، وإليك بعض النماذج من هذا الكتاب: الأول: تكرار قوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} في سورة المرسلات عشر مرات.

18.1 عرض نماذج تحليلية لظاهرة التكرير في القرآن الكريم


فبَيَّن أنه تكرار يناسب سياق السورة، وخاصة بعد تغاير الآيات السابقة على المرات المكررة، فأُريد بكل قولٍ غير الذي أريد بالآخر؛ فجاءت الآية عِقب كلامٍ يَدُل على ما يجب تصديقه وترك التكذيب به، وكانت المعاني مختلفة فسلم من التكرار، فالثلاث الأولى احتج بها على المكذبين، فالأولى عقب الاحتجاج بإهلاك الأمة بعد الأمة، وأنهم على إثرهم في الهلاك إن أقاموا على الإشراك، والثانية عِقب الاحتجاج بخلق الإنسان؛ إذ جعل سبحانه أشرف من يشاهدون من أقل ما يعرفون {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [المرسلات: 20]، فنَبَّهَ على أنَّ نشأة الابتداء دليل على نشأة الانتهاء، والثالثة عقب الاحتجاج بخلق الأرض التي تضم أحياءهم وأمواتهم بما تخرج من أقواتها، وتواري من أمواتها.

18.1 عرض نماذج تحليلية لظاهرة التكرير في القرآن الكريم


ثم جاءت الثلاثة الأخرى عقب تبكيتهم على ما كذبوا به عند مشاهدتهم له: {انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [المرسلات: 29]، {هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ} [المرسلات: 35]، {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ} [المرسلات: 38]، والأربعة الباقية، جاءت كل واحدة بعد مقصد من مقاصد السورة الكريمة، في إثبات البعث والجزاء، والثواب والعقاب، وتخويف المكذبين؛ فالأولى بعد وصف أهل الجنة، والثانية بعد زجر آثِرِ العاجلة الفانية على الآجلة الباقية، والثالثة عقب الإخبار عَمَّا كان من أمر كراهة بعضهم الصلاة؛ لما فيها من التجبية بأن يكب الإنسان على مقدمه ويرفع مؤخره، وقول أحدهم: أكره أن تعلوني إستي. والرابعة بعد بيان أن ذلك من التكذيب بالقرآن، المتضمن وجوب الصلاة وبذل غاية الخضوع، بالسجود والركوع لمن له غايات الإحسان.

18.1 عرض نماذج تحليلية لظاهرة التكرير في القرآن الكريم


الثاني: تكرار الاسم والآية في سورة الرحمن؛ ففي أول السورة كرر لفظ "الميزان"، ثلاث مرات في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7-9]، وكما يقال: كأن حق الكلام الإضمار، فيقال: ألا تطغوا فيه، ولا تخسروه؛ وذلك لأنه لا يرتضي توالي ثلاثة أسْجاع أو قواف، حتى تتوالى ثلاث فواصل على كلمة واحدة. فأجاب بأن أهل النظر قالوا: أعيد ذكر الميزان ثلاث مرات؛ لأن هذه الآيات لم تنزل معًا في وقت واحد، أو لتكون كل آية مستقلة بنفسها غير مفتقرة إلى غيرها.

18.1 عرض نماذج تحليلية لظاهرة التكرير في القرآن الكريم


ثم بَيَّنَ ما يرتضيه من أن الآية ليست بها تكرار؛ لأن الميزان الأول بمعنى غير معنى الثاني، والثاني بمعنى غير معنى الثالث، فالأول: بِنِيَّةِ الاعتدال، وهي بِنِيَّةِ الإنسان الذي يتركب من الطين والماء والهواء، والثاني: الحكم بالعدل، والثالث: آلة التعديل، أو العدل التي يقع بها الأخذ والعطاء، فلا يأخذ أكثر مما له، ولا يعطي أقلَّ مما يجب عليه؛ وذلك هو القسط. ثم عرض لتكرار قوله تعالى: { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ، إحدي وثلاثين مرة وفائدة ذلك.

18.1 عرض نماذج تحليلية لظاهرة التكرير في القرآن الكريم


فبَيَّنَ أن الله تعالى جعل السبعة الأولى منها عقب التنبيه على ما خلق من نعم الدنيا المختلفة؛ لأن أمهات النعم خلقها سبحانه سبعًا سبعًا كالسموات والأرضين، وجعل سبعة أخر عقب الترهيب والإنذار والتخويف بالنار، فجعلها سبعًا على قسمة أبواب جَهنم لمَّا كانت في ذكرها، وفصل بين السبعتين بواحدة جاءت عقب آية سوَّى فيها بين الخلق كلهم، بكتابة الفناء عليهم {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26]، ثم ذكرت ثمانية عقب وصف الجنات وأهلها، فجعلت على قسمة أبوابها، وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين، فقال في المفتتح: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ، ولما استكملت، قال: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} ، فكان الجميع إحدى وثلاثين مرة.

18.1 عرض نماذج تحليلية لظاهرة التكرير في القرآن الكريم


وهذا اجتهاد منه -رحمه الله- كما اجتهد غيره، فقال: إن التكرار لتعدد النعم، والآلاء والتنبيه عليها؛ لتفهم ويقر المخاطب بها، فكان الشأن شأن المحسن الذي يخاطب الجاحد ما ليس له أن يجحده فأوجب ذلك، هذا التكرار للمبالغة في الإنكار، فيثير السؤال في نفس سامعيه اليقين بأنه ليس من الصواب نكران نعم تكررت وآلاء توالت.

18.1 عرض نماذج تحليلية لظاهرة التكرير في القرآن الكريم


الثالث: تكرار لفظ "البلد" في قوله تعالى {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1، 2]، وأجاب: بأن الثاني غير معني به ما قصد بالأول؛ فالبلد الأول قصد به وصف لم يحصل في الثاني وهو مكة؛ لأن معناه: أقسم بالبلد المحرم الذي جبلت على تعظيمه قلوب العرب، فلا يحل فيه لأحد ما حل للنبي صلى الله عليه وسلم، فقوله: {وَأَنْتَ حِلٌّ} ، أي: مُحِلٌّ؛ أحل لك منه ما حرم على غيرك إكرامًا لمنزلتك، فالبلد في الأول محرَّم، وفي الثاني محلَّل، فاختلف الوصفان وجمعت فائدتان، تعظيم البلد، وتعظيم النبي -صلى الله عليه وسلم- بإحلال مكة له دون غيره ساعة من نهار كما ثبت في الصحيح. الرابع: تكرار الجملة في قوله تعالى: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} [النبأ: 4، 5]، وفائدة ذلك.

18.1 عرض نماذج تحليلية لظاهرة التكرير في القرآن الكريم


وأجاب: بأن الأول: وعيد بما يرونه في الدنيا عند فراقها من مقرهم، والثاني: وعيد بما يلقونه في الآخرة من عذاب ربهم، وإذا لم يرد بالثاني ما أريد بالأول، لم يكن تكرارًا، وقيل: الأول توعد بالقيامة وهو لها، والثاني توعد بما بعدها من النار وحرِّها. الخامس: تكرار الإنذار مرة بعد أخرى في آيتين متواليتين، وهما قوله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50، 51]، وأجاب: بأن الأولى تحذير من المعاصي كلها، وحثه على الطاعات جميعها، والثانية تخصيص لما هو أعظم المعاصي، وهو اتخاذ الأصنام آلهة يعبدونها مع عبادة الله، وعلى ذلك فالأولى متعلقة بترك الطاعة إلى المعصية، والثانية متعلقة بالشرك الذي هو أعظم المعاصي، وإذا كانت متعلقة بغير ما تعلقت به الأولى لم يكن ذلك تكرارًا.

18.1 عرض نماذج تحليلية لظاهرة التكرير في القرآن الكريم


وقد يُقال: إن الأول تعليل للأمر "ففروا"، والثانية تعليل للنهي "ولا تجعلوا". السادس: نموذج لما ورد من تكرار في القصص القرآني بعرض آيات سورة "الأعراف" مع آيات سورتي "الشعراء" و"طه"، في نبأ موسى -عليه السلام- مع فرعون، وقصة السحرة ببيان مواطن الخلاف في بعض ألفاظ القصة في السور الثلاث، وتحليل ذلك بلاغيًّا، فنعرض للاختلاف في نسبة القول إلى الملأ في الأعراف: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ، قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [الأعراف: 109، 111]، وإلى فرعون في الشعراء {قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ، قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ} [الشعراء: 34-37]، وأجاب: بأن قول الملأ قول فرعون أدَّاه عنه رؤساء قومه إلى عامة أصحابه بدليل قول العامة: {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} ، خطابًا لفرعون، ولم يقولوا: أرجوه، خطابًا للملأ، ففرعون البادىء بالقول وأدَّاه عنه قومه.

18.1 عرض نماذج تحليلية لظاهرة التكرير في القرآن الكريم


ثم عرض لذكر "بسحره"، في الشعراء وعدم ذكرها في الأعراف، وأجاب: بأنه ذكرت حين أسند القول إلى فرعون؛ لأنه أشد تجبُّرًا وأكثر تمردًا، ولم يذكر حين أسند القول إلى الملأ؛ لأنهم لم يبلغوا مبلغ فرعون في إبطال ما أورده موسى -عليه السلام- فلم يغلظوا القول مثله، وعندما ذكروها في طه: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} [طه: 63]، كان قولهم بعد أن غلبهم فرعون بقوله ورأيه، فانصاعوا لكلامه بدليل: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} [طه: 62]. وأرى أن هذا الاعتراض لا محل له؛ إذ إن الكلام هنا للسحرة وليس للملأ.

18.1 عرض نماذج تحليلية لظاهرة التكرير في القرآن الكريم


ثم عرض لبيان الفرق بين "أرسل" و "أبعث"، بأن: "أرسل" خطاب فيه تفخيم يناسب ما فعله فرعون، من تحميل الملأ نقل كلامه فخاطبوه بما يليق بتعاليه عليهم، أمَّا في سورة الشعراء، عندما كان القول قوله لهم مباشرة "قال للملأ"، فأسقط الحجاب بينه وبينهم، وسوَّى قدرهم بقدره "حوله" خاطبوه باللفظ الذي ليس فيه ما في الأول من التعظيم، فقالوا: "ابعث". وتناول باقي القصة وعرض للفروق فيها بما يؤكد أنه ليس هناك تكرار، أو إعادة للأحداث دون وجود فارق، ولطيفة من اللطائف.