17.2 التكرير: حقيقته, وما جاء منه في التنزيل


حقيقة التكرير, وما جاء منه في التنزيل
التكرير دلالة اللفظ على المعنى مردّدًا، كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع، فإن المعنى مردد واللفظ واحد، وهذا الترديد منه ما يأتي لفائدة، فيكون ضربًا من ضروب الإطناب، الذي هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة، ومنه ما يأتي لغير فائدة فيكون ضربًا من ضروب التطويل، الذي هو زيادة اللفظ عن المعنى لغير فائدة. وتكرار الشيء يجعله يرسخ في الأذهان، وللتكرار تأثير في عقول المستنيرين، وتأثيره في عقول الجماعات من باب أولى، والسبب في ذلك كون المكرر ينطبع في تجاويف الملكات اللاشعورية، فإذا انقضى شطر من الزمن؛ نسي الواحد منا صاحب التكرار وانتهى بتصديق المكرر. والتكرار المفيد الذي يأتي لمعنى يقع في الكلام، تأكيدًا له وتشييدًا من أمره، فتظهر العناية بالشيء الذي كررت فيه كلامك، إما مبالغة في مدحه أو في ذمه أو غير ذلك.

17.2 التكرير: حقيقته, وما جاء منه في التنزيل


والتكرار غير المفيد الذي يقع في الكلام عيًّا وخطلًا من غير حاجة إليه، وليس منه شيء في كتاب الله، بل ينزه عنه كلام الفصحاء والأدباء، إلَّا أنه ربما يقع نادرًا في كلامهم، كقول أبي نواس:
              أقمنا بها يومًا ويومًا وثالثًا          ويومًا له يوم الترحُّل خامس
وقول الآخر:
              أَلَا حبَّذا حبَّذا حبَّذا          حبيبٌ تمنَّيتُ منه الأَذَى
أما القرآن فليس فيه مكرر لا فائدة في تكريره، فإن رأيت شيئًا منه تكرر من حيث الظاهر فأمعن نظرك فيه، فانظر إلى سوابقه ولواحقه؛ لتنكشف لك الفائدة منه. بالإضافة إلى أنهم ألحقوا بعض الآيات بالتكرير, فظنوا بها ذلك وليست كذلك,

17.2 التكرير: حقيقته, وما جاء منه في التنزيل


كقوله تعالى: (( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ )) [النحل: 110 ]، وقوله تعالى: (( لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ )) [آل عمران: 188]؛ وذلك لأن طول الفصل بين الكلام مع افتقار أوله إلى تمام لا يُفهم إلَّا به، يقتضي إعادة اللفظ الأول مرة ثانية في حكم البلاغة والفصاحة؛ كي لا يجيء الكلام منثورًا. وظاهرة التكرار في القرآن شغلت البلاغيين, وصُنِّفت لبيانها مصنفات واهتمت ببيانها أشد الاهتمام؛ إذِ التكرار مليءٌ بالحِكَم والأسرار.