17.1 من أدوات التوكيد: اللام، والجملة الاسمية، والأحرف الزائدة، وضمير الفصل


بعض أدوات التوكيد.
تنوعت الأدوات المستخدمة كوسيلة من وسائل التوكيد في القرآن الكريم، ومن ذلك: أولًا: استخدام ضمير الفصل كضرب من ضروب التوكيد، ومن ثم فهو لا يجامع التوكيد، فلا يقال: زيد نفسه هو الفاضل، وقد سماه بعضهم: دعامة؛ لأنه يدعم به الكلام، أي: يقوي ويؤكد. ومن أمثلته قوله تعالى: (( وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ، مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ، وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى ،وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ،وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ،وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ،وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ، وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى )) [النجم:43-52 ] .

17.1 من أدوات التوكيد: اللام، والجملة الاسمية، والأحرف الزائدة، وضمير الفصل


فإذا تأملت مواضع ذكره وتركه، تبين لك وظيفته في توكيد المعنى المراد، فقد ذكر في الأفعال التي هي مظنة الاشتراك؛ كالإضحاك والإبكاء، والإماتة والإحياء، والإغناء والإقناء، أما حيث لا تُدَّعى الشركة فلا يذكر، كما في خلق الزوجين، وإهلاك القرون الأولى، ثم أعيد ذكره لبيان جرم من طال عليهم الأمد، فلما لم يستجيبوا لنوح -عليه السلام- مع مكثه فيهم ألف سنة إلَّا خمسين عامًا, كانوا مبالغين في الظلم والطغيان.

17.1 من أدوات التوكيد: اللام، والجملة الاسمية، والأحرف الزائدة، وضمير الفصل


ومن ذلك: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم -عليه السلام- متحدثًا عن ربه: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين،َالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ )) [الشعراء: 78 - 82], فتجد الضمير حيث يتوهم في الفعل شركة، كما في الهداية والإطعام والشفاء، أما حيث لا تدَّعى الشركة فلا يأتي الضمير كما في الخلق والإماتة والإحياء، فإن قلت: كيف تكون الإماتة والإ-حياء مظنة الشركة في الآيات الأولى، ولا تدَّعى فيها الشركة في الآيات الثانية؟ قلت: الأولى حديث رب العالمين لمن جحده، وقد يظن أن له قدرة على الإماتة والإحياء، كما قال النمرود: (( أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ )) [البقرة: 258]، أما الثانية فكلام الخليل -عليه السلام- الذي لا مظنة عنده, في أن الله وحده هو الذي يستطيع الإماتة والإحياء.

17.1 من أدوات التوكيد: اللام، والجملة الاسمية، والأحرف الزائدة، وضمير الفصل


وقد يقوى التوكيد بضمير الفصل, حتى يصل للدلالة على القصر والاختصاص، كما يظهر ذلك مما سبق، وتأمل قول عيسى -عليه السلام: (( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ )) [المائدة: 117]، فبعد رفع عيسى -عليه السلام- لم يكن الرقيب عليهم سوى الله وحده. ثانيًا: استخدام الجملة الاسمية الخطاب بالجملة الفعلية أو الاسمية، وهناك فرق بينهما؛ فإنه لا يعدل عن أحد الخطابين إلى الآخر إلَّا لضربٍ من التأكيد والمبالغة، ولك أن تتأمل قوله تعالى: (( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ )) [البقرة: 14]، فإن المنافقين خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية "آمنا"، وخاطبوا إخوانهم بالجملة الاسمية المؤكدة" "إنا معكم"؛ لأنهم في مخاطبة إخوانهم بما أخبروا به من الثبات على اعتقاد الكفر، والبعد من أن يزلوا عنه على صدق ورغبة ووفور نشاط، فكان ذلك مستقبلًا منهم ورائجًا عند إخوانهم.

17.1 من أدوات التوكيد: اللام، والجملة الاسمية، والأحرف الزائدة، وضمير الفصل


أما خطابهم للمؤمنين، قالوه تكلفًا وإظهارًا للإيمان؛ خوفًا ومراجاةً، ويعلمون أنهم لو قالوه بأوكد لفظ وأسدِّه؛ لما راج لهم عند المؤمنين، وهم أيضًا لا يعتقدون ضرورة توكيد الإيمان في خطاب المؤمنين، فاكتفوا بالإخبار "آمنَّا". ثالثًا: استخدام لام التوكيد؛ لضربٍ من المبالغة, والتعبير عن أمر يعز وجوده أو فعل يكثر وقوعه، فتأتي اللام لإفادة تحقيق ذلك. وانظر إلى قوله تعالى: (( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ )) [المنافقون: 1]، فوردت لامات ثلاثة في خبر "إن"، ففي الأولى أكد المنافقون كلامهم؛ لأنهم يظهرون التصديق ويبطنون خلافه؛ ومن ثم أكَّدوا للتملق والمبالغة في ذلك, فقابل المولى كلامهم بتأكيدين؛ الأول: صدق الرسالة، والثاني: كذبهم فيما يدَّعون.

17.1 من أدوات التوكيد: اللام، والجملة الاسمية، والأحرف الزائدة، وضمير الفصل


وانظر لقوله تعالى عن إخوة يوسف: (( إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا )) [يوسف: 8 ]، فوقعت لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة بعدها؛ لإثبات أن زيادة حبه إياهما أمر ثابت لا مِرَاء فيه, ولتأكدهم من ذلك استخدموا التوكيد في كلامهم مع أبيهم: (( قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) [ يوسف: 11،12]، فأدخلوا اللام؛ لزيادة التوكيد في إظهار المحبة ليوسف -عليه السلام- والإشفاق عليه، ليبلغوا الغرض من أبيهم في السماحة بإرساله معهم.

17.1 من أدوات التوكيد: اللام، والجملة الاسمية، والأحرف الزائدة، وضمير الفصل


وتأمل كيف أن الله -سبحانه وتعالى- استخدم اللام في بث معاني التحقق والتثبيت في النفوس، وأن ما وعد به كائنٌ لا محالة في خطابه لأهل الإيمان (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا )) [النور: 55]، فالاستخلاف، والتمكين، وتبديل الحال، كائن لا محالة. ومن استخدام اللام؛ اللام الداخلة على جواب القسم؛ لتأكيد تحققه، وأن المقسم عازم على تحقيق ما أقسم عليه (( وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ )) [يس: 57]، أو متأكِّد منهم تمام التأكد (( قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا )) ، (( قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ )) [التغابن: 7].

17.1 من أدوات التوكيد: اللام، والجملة الاسمية، والأحرف الزائدة، وضمير الفصل


رابعًا: القسم: من أدوات التوكيد القسم, وذلك لتوكيد الأخبار، لتستقر في النفس، ويتزعزع فيها ما يخالفها. وتتجلى فائدة القسم في أنه وإن لم ينجح أحيانا في حمل المخاطب على التصديق، فإنه كثيرًا ما يوهم في النفس الفكرة المخالفة، ويدفع إلى الشك فيها، ويبعث المرء على التفكير القوي فيما ورد القسم من أجله. فأقسم القرآن بلفظ "رب"، مضافا إلى السماء والأرض (( فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ )) [الذاريات: 23]؛ للإشارة إلى خضوع السماء والأرض لأمره، وفي ذلك تعظيم لشأنه, وإيحاءٌ بأن من كان هذا أمره لا يُزجُّ باسمه إلَّا فيما هو حق لا مِرْية فيه، ومضافًا إلى المشارق والمغارب؛ للإيحاء بالقدرة البالغة على تسخير هذا الجرم الهائل وهو الشمس, فيشرق ويغرب في دقة وإحكام، ومضافًا إلى ضمير الرسول الكريم (( فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ )) [مريم: 68]؛ للإيحاء بأن أرباب المشركين لا يقسم بهم, وأنهم ليسوا محل الإجلال والتقدير.

17.1 من أدوات التوكيد: اللام، والجملة الاسمية، والأحرف الزائدة، وضمير الفصل


وأقسم القرآن بمخلوقات الله -عز وجل- للتنبيه إلى ما فيها من روعة, تدفع إلى التفكير في خالقها، وكذا في كل ما أقسم به الله, تجد مظهرًا من مظاهر قدرته وعظمته. وأقسم القرآن، لتأكيد عظم شأن المرسل (( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ )) [الحجر: 72 ] والمرسل به، وعند ربه (( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ )) [الواقعة: 77 ]، وهناك أسرار في الأقسام يتذوقها من سبر غور الفصاحة والبيان. خامسًا: الأحرف الزائدة أو حروف الصلة المؤكدة، وما أكثر حديث البلاغيين عنها وما تفيده من تأكيد في الجملة، كزيادة الباء في خبر "ليس" (( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ )) [البقرة: 144]، (( وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ )) [المجادلة: 10]، فتراها قد نفت كل صلة تربط بين المولى سبحانه وتعالى وبين الغفلة في الآية الأولى، وبين السحر والضمير في الآية الثانية، فلا صحبة بينهما ولا تلاقي.

17.1 من أدوات التوكيد: اللام، والجملة الاسمية، والأحرف الزائدة، وضمير الفصل


ولك أن تتأمل قوله تعالى: (( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ )) [المؤمنون: 91]، وتوازن بينه وبين أن يقال: "ما اتخذ الله ولدًا وما كان معه إله"، لترى كيف تم التأكيد والتحقيق, لما أريد نفيه من وجود الولد والشريك بإدخال "من" الزائدة. وتأمل زيادة "ما" بين الجار والمجرور في قوله تعالى: (( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ )) [آل عمران: 159]؛ لتتأكد من عظم الرحمة التي ألانت قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو زيادة "أن" في قوله تعالى: (( فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ )) [يوسف: 96]؛ ليتبين لك مدى انتظار البشارة، التي كان يعقوب -عليه السلام- يتشوف إليها مع وجود الفاصل؛ لبعد المسافة بين يوسف -عليه السلام- وأبيه. وللكلام عن الزوائد تفصيل سيأتي بعد -إن شاء الله.