17.3 صور التكرار, وأنواعه


صور التكرار, وأنواعه
للتكرار في القرآن الكريم صور شتى، وفي كل صورة من صوره سرٌّ بلاغي وآية إعجاز بياني، وهذا ما سنعرضه في النماذج التطبيقية، أما الآن فنكتفي بعرض صور التكرار. تكرار حرف، كقوله تعالى: (( فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا )) [الحشر: 17]، (( فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ )) [القصص: 19]، فكرر حرف "في" في الأولى، و"أن" في الثانية. تكرار اسم، كتكرار المسند إليه في قوله تعالى: (( أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )) [الرعد: 5]، وتكرار لفظ "الناس" في سورة الناس. ومنه عند ابن هشام: "دكًّا دكًّا", و"صفًّا صفًّا"؛ لأن المعنى: دكًّا بعد دكٍّ، وصفًّا بعد صفٍّ، فلا يكون توكيدًا.

17.3 صور التكرار, وأنواعه


ج- تكرار جملة فعلية أو اسمية، وله ثلاث صور: 1- جملة داخل آية, كقوله تعالى: (( يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ )) [آل عمران: 42]، وقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )) [الحشر: 18]. 2- جملة هي آية، كتكرار "فبأي آلاء ربكما تكذبان" في سورة الرحمن نيفًا وثلاثين مرة، وتكرار (( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ )) في سورة الشعراء، وتكرار (( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ )) في سورة المرسلات.

17.3 صور التكرار, وأنواعه


جملة في آيتين متتاليتين، كقوله تعالى: (( لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا، وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا )) [النساء: 131، 132]. د- تكرار آية تشتمل على أكثر من جملة, كتكرار (( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ )) في سورة الشعراء، وتكرار (( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ )) في سورة القمر أكثر من مرة، وقد يأتي التكرار في سورة مرة واحدة، كقوله تعالى: (( فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ )) [المدثر: 19]، وقوله تعالى: (( أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى )) [القيامة: 34، 35].

17.3 صور التكرار, وأنواعه


هـ- تكرار آية أو قصة, أو مشهد من مشاهدها في أكثر من سورة، مع تغيير في بعض الألفاظ, وأنكر الإمام ابن تيمية أن يكون هناك تكرار في القصص القرآني. ز- تكرار آية في سور مختلفة، كتكرار (( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )) في يس، والملك, ويونس, وتكرار (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )) في التوبة، والصف. أما أنواع التكرار أو أقسامه فهو قسمان، يندرج تحتهما نوعان، للأول منهما فرعان. القسم الأول: تكرار في اللفظ والمعنى، كقولك: أسرع أسرع، وينقسم إلى ضربين: مفيد، وغير مفيد، والمفيد منه فرعان:

17.3 صور التكرار, وأنواعه


الأول: أن يدل التكرار في اللفظ والمعنى على معنى واحد، والمقصود به غرضان مختلفان، كقوله تعالى: (( وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ 7 لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ )) [الأنفال: 7، 8]، فتكرر "يحق الحق"، والمراد من كلٍّ مختلف، فالأولى: (( أن يحق الحق )) للتمييز بين الإرادتين؛ إرادة أهل الإيمان (( وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُم )) [الأنفال: 7]، وإرادة الرحمن في إحقاق الحق، والثانية: (( ليحق الحق )) ، بيان لغرضه فيما فعل سبحانه من اختيار ذات الشوكة على غيرها، وأنه ما نصرهم وخذل أولئك إلَّا لهذا الغرض.

17.3 صور التكرار, وأنواعه


وكذا تكرار النفي في سورة "الكافرون" (( لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد )) فالنفي واقع على زمنين مختلفين؛ الماضي والمستقبل، وصلوات الله وسلامه عليه ما كان عابدًا قط فيما سلف ما عبدوه، فكيف يرجى ذلك منه في الإسلام، وهم لم يكونوا عابدين في الماضي ما هو على عبادته الآن؟ الثاني: أن يدل التكرير في اللفظ والمعنى على معنى واحد، والمراد به غرض واحد, كقوله تعالى: (( فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ )) [المدثر: 19, 20 ]، فالتكرير للدلالة على التعجب وتقديره وإصابته الغرض. ونظيره قوله تعالى: (( أوْلَى لكَ فأوْلَى ثم أوْلَى لكَ فأوْلَى )) ، فالغرض تأكيد هلاكه وتحقق ذلك.

17.3 صور التكرار, وأنواعه


وقوله تعالى: (( أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ )) [النمل: 5]، فتكرر لفظ "هم"؛ للإيذان بتحقيق الخسار، فلما أريد تأكيد الخسار أعيد اللفظ "هم"، وهو كثير في القرآن. أما غير المفيد فليس في التنزيل، ومنه قول المتنبي:
              وقلقلتُ بالهمِّ الذِي قَلقَل الحشَا           قَلاقِلُ عيسَى كلُّهن قلاقِلُ
القسم الثاني: تكرار في المعنى دون اللفظ، كقولك: أطعني ولا تعصني، وهو أيضًا ضربان: مفيد وغير مفيد، والمفيد منه نوعان: الأول: أن يدل التكرير في المعنى على معنيين مختلفين, كقول الصحابي: "ما فعلتُ ذلك كفرًا، ولا ارتدادًا عن دينِي، ولا رِضًا بالكفر بعد الإسلام", فقد يُظنُّ أن الكفرَ والرضا به والارتداد عن الدين سواءٌ, وليس الأمر كذلك.

17.3 صور التكرار, وأنواعه


ومنه أن يدل التكرير على معنيين: أحدهما خاص، والآخر عام، كقوله تعالى: (( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) [آل عمران: 104]، فإن الأمر بالمعروف خير، وليس كل خير أمرًا بالمعروف، وذاك أن الخير أنواع كثيرة، من جملتها الأمر بالمعروف. الثاني: أن يدل التكرير في المعنى على معنى واحد لا غير، كقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )) [التغابن: 14]

17.3 صور التكرار, وأنواعه


فالعفو والصفح والغفران بمعنى واحد، وكرر للزيادة في تحسين عفو الوالد عن ولده، والزوج عن زوجته، وكذا قوله تعالى حكاية عن يعقوب -عليه السلام: (( قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ )) [يوسف: 86]، فالبث والحزن بمعنى واحد، وإنما كرره ههنا لشدة الخطب النازل به، وتكاثر سهامه النافذة في قلبه، وهذا القسم يستقيم عند من يرى الترادف في القرآن، والصحيح: عدم وجود الترادف، ومن ثم فلا تكرار في المعنى؛ إذ كل لفظ له معنى يخصه. أما غير المفيد فكقول عنتره:               حُيِّيت من طلل تقادم عهدُه          أقوى, وأقفر بعد أُمِّ الهيثم
فقوله: أقوى وأقفر معيب؛ لأنهما لفظان وردا بمعنى واحد لغير ضرورة.