13.3 مزايا النظم


مزايا النظم:
مزايا النظم أو محاسنه أو ما يمكن تسميته تفاوت مستويات النظم، إنما هي بحسب المعاني والأغراض التي تُؤَم (تُقصد)، فليس من فضل ولا مزية إلا بحسب الموضع الذي وقعت فيه، ويحسب المعنى الذي تريد والغرض الذي تؤم. فمن الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن، كالأجزاء من الصبغ تتلاحق، وينضم بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين، فأنت لذلك لا تكبر شأن صاحبه، ولا تقضي له بالحذق والأستاذية وسعة الذرع وشدة المنة حتى تستوفي القطعة وتأتي على عدة أبيات. ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، ويأتيك منه ما يملأ العين ضربة، حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفضل، وموضعه من الحذق، وتشهد له بفضل المنة "القوة والضبط" وطول الباع، وحتى تعلم، إن لم تعلم القائل، أنه من قيل شاعر فحل.

13.3 مزايا النظم


هكذا أوجز الجرجاني ما يجعل للنظم مزية. وضرب مثلًا للتفاوت بين النظمين ثم أخذ يذكر أمثلة للإبداع في النظم كموضع "الفاء" في قول الصحابي:               تـمنّانـا ليلقـانـا بقــومٍ               تخالُ بيـاضَ لأْمِهمُ السَرَابا
              فقـد لاقَيْتَنا فرأيتَ حَــرْباً               عَــواناً تمنعُ الشّيْخَ الشَرَابا
والفصل والاستئناف في قول ابن الدمينة: تعاللْتِ كي أشجَى وما بكِ علَّةٌ               تُريدين قتلِي قد ظفرتِ بذلكِ
              والإشارة والتعريف في قول ابن البواب:
              وإِن قَتلَ الهوى رجُلاً               فإِنّي ذلك الرجلُ

13.3 مزايا النظم


وبَيَّنَ أن من الأساليب ما يُحقق درجة الحسن لدقة صنعها، وتلاحم أجزئها، فيوصف بأنه "النظم العالي"، وذلك له صور شتى لا يمكن حصرها منها: أ- الإتيان بأسلوب شرط وترتيب معنيين متقابلين على كلٍّ مِن جزئيه، كما في قول البحتري:
              إِذا ما نَهى النّاهِي فَلجَّ بيَ الهوى                أصاخَتْ إِلى الوَاشِي فلجَّ بها الهَجْرُ
ففعل الشرط: "إذا ما نهى الناهي" رتب عليه إلحاح الهوى عليه، ورتب على فعل الجزاء "أصاخت إلى الواشي" إمعانٍ صاحبته في الهجر، وهما أمران متقابلان، فعلى حين يتأجج شوقه، ويزداد إقبالًا على حبيبته إثر نهي الناهي له عن الاستمرار في حبه، تستجيب هي لقول الواشي الذي يسعى بالوقيعة بينها وبين صاحبها، فتمعن في هجره والبعد عنه، وشبيهه قول القائل:
               إذا احْتَرَبَتْ يومًا ففاضَت دماؤُها                تذكَّرَتِ القُرْبَى ففاضتْ دموعُهَا

13.3 مزايا النظم


ب- تقسيم الشاعر لبعض الصفات ثم جمعها معًا وإضفاء حكم عليها، كقول حسان:
               قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمو                أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
               سَجِيَّةٌ تِلْكَ فِيهِمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ                إنَّ الْخَلائِقَ فَاعْلَمْ شَرُّهَا الْبِدَعُ
فقد قَسَّمَ حالهم بين صفتين: الضر والنفع، ضر الأعداء، ونفع الأنصار والأشياع، ثم جمع الصفتين في حكم واحد، وهو أن كلًّا من الضر والنفع سلوك فطري طُبِعُوا عليه، وليس أمرًا محدثًا.

13.3 مزايا النظم


أما الميدان الذي يظهر فيه تفاوت النظم هو ميدان "التخيُّر"، بمعنى العدول عن معنى من معاني النحو إلى معنى آخر لأدائه دلالة لا يعطيها المعنى الأول. هذ الميدان الذي بلغ القرآن فيه ذروة سنامه ولا يضاهيه ولا يدانيه فيه شعر شاعر ولا بلاغة قائل. هذا الباب الذي تستطيع أن تقف عليه مع كلِّ آية بل عبارة في كتاب الله؛ لتدرك يقينا روعة النظم القرآني، وهذا يظهر لك في مادتك الدراسية عامة، وإنما نذكرك الآن ببعض النماذج. أ- اختيار التنكير في لفظ "حياة" من قوله تعالى: (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ )) [البقرة: 179]، فإنه يضفي على الحياة من التفخيم والتعظيم ما لا يتأتى لها لو جاءت في صيغة أخرى، ووجه ذلك أن تنفيذ عقوبة القصاص من القاتل يردع الذين تسول لهم نفوسهم ارتكاب جريمة القتل، فيحجمون عن ارتكاب جرائمهم، ويأمن أبناء المجتمع جميعًا على أنفسهم وأهليهم وينصرفون إلى أداء أعمالهم، والمشاركة في إعمار الأرض وبناء الحياة التي هي رسالة الإنسان في هذا الكون.

13.3 مزايا النظم


ب- اختيار الاسم الموصول في قوله تعالى: (( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ )) [يوسف: 23]، فالفاعل جاء معرفًا بالموصولية، مع أنه كان من الممكن وضع اسم آخر مكانه، فيقال مثلًا "امرأة العزيز"، أو غيرها من الأسماء، فهو آكد في إثبات نزاهة يوسف عليه السلام وطهارته وعفته، وهو الغرض الذي تهدف إليه الآية، بدليل أنه لم يستجب لإغراء من كان في حوزتها، وقد هيأت له كل السبل لارتكاب الخطيئة فاستعصم.

13.3 مزايا النظم


ج- وكذا في قوله تعالى: (( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ )) [يس:78- 79]، فجاء الفاعل اسمًا موصولًا (( الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ )) ، وكان من الممكن أن يكون لفظ الجلالة مثلًا "الله"، وتكون الجملة حينئذ تامة المعنى، لكن اختيار الموصول على هذا النحو ينطوي على دليل مقنع بصحة الدعوى، وهو أن من قدر على الخلق ابتداء ووهب الحياة من عدم- قادر بالضرورة على إعادة الخلق، ورد الحياة مرة أخرى إلى من سلبت منه الحياة، فالأمر بيده ابتداء وانتهاء.

13.3 مزايا النظم


د. التقديم والتأخير في قوله تعالى: (( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ )) [الأنعام: 100]، فإنه ليس بخافٍ أن لتقديم "شركاء" حُسنًا وروعةً ومأخذًا من القلوب، لا تجد شيئًا منه إن أنت أخَّرتَ فقلت: "وجعلوا الجن شركاء لله"، وبيان ذلك أن جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجن شركاء وعبدوهم مع الله تعالى، وهذا المعنى يحصل مع التقديم أو التأخير، إلا أن التقديم أفاد هذا المعنى وأفاد معه معنى آخر، وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون له شريك، لا من الجن ولا غير الجن، هذا المعنى الآخر لا يتأتى مع التأخير "وجعلوا الجن شركاء لله"، فالمعنى حينئذ لم يكن فيه شيء أكثر من الإخبار عنهم بأنهم عبدوا الجن مع الله تعالى، فأما إنكار أن يعبد مع الله غيره، وأن يكون له شريك من الجن وغير الجن، فلا يكون في اللفظ مع تأخير "شركاء" دليل عليه.

13.3 مزايا النظم


هـ - تنكير كلمة حياة من قوله تعالى: (( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ )) [البقرة: 96]، فإذا أنت راجعت نفسك وأذكيت حِسَّك، وجدت لهذا التنكير حُسنًا وروعة ولطفَ موقعٍ لا يقادر قدره، وتجدك تعدم ذلك مع التعريف، وتخرج عن الأريحية والأنس إلى خلافها، والسبب في ذلك أن المعنى على الازدياد من الحياة لا الحياة من أصلها، وذلك أنه لا يحرص عليه إلا الحي، فأما العادم للحياة فلا يصح منه الحرص على الحياة ولا على غيرها. وقد مرَّ بك نموذج متكامل من الاختيار في تحليل آية الطوفان.