13.2 العلاقات بين مادة النظم.


العلاقات بين مادة النظم :
النظم في حقيقته عبارة عن التعبير عن معانٍ مكنونة في النفوس بألفاظ تؤدي هذه المعاني. ومن ثم كان الاهتمام بالكشف عن العلاقة بين مادة النظم (اللفظ والمعنى). وقضية اللفظ والمعنى قضية قديمة حديثة، نشأت مع نشأة الفكر الفلسفي في مذاهب المتكلمين من معتزلة وأشاعرة، ومن أبرز ثماراتها قضية المجاز في القرآن، ومذاهبهم في خلق القرآن، وبطبيعة الحال تلقى الدرس البلاغي هذه القضية إذ أئمة البلاغة ما هم إلا فريق من فرق المتكلمين، فهذا أشعري، وذاك معتزلي. وألقت الفلسفة بظلالها على الدرس البلاغي فنشأت فكرة الفصل بين اللفظ والمعنى، وهل هما مقترنان- أي جسد واحد- أم مختلفان وأحدهما يفضل الآخر، وخلص لنا من ذلك الجدال ثلاثة مذاهب:

13.2 العلاقات بين مادة النظم.


الأول: مذهب يرى أن اللفظ أعلى من المعنى وأعظم قيمة، وأعزُّ مطلبًا، فالجاحظ يعلق على استحسان الشيباني لمعنى هذين البيتين.
          لا تَحسَبَنَّ المَوتَ مَوتَ البِلى                فَإِنَّما المَوتُ سُؤالُ الرِّجال
          كِلاهُمــا مَوتٌ وَلَكِنَّ ذا               أَشَدُّ مِن ذاكَ لِذُلِّ السُؤال
بقوله: "وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وصحة الطبع، وجودة السبك". ويؤيد كلامه أبو هلال العسكري ويعلل له بقوله: "ولهذه تأنق الكاتب في الرسالة، والخطيب في الخطبة، والشاعر في القصيدة؛ يبالغون في تجويدها، ويغلون في ترتيبها؛ ليدلوا على براعتهم، وحذقهم بصناعتهم، ولو كان الأمر في المعاني لطرحوا أكثر ذلك، فربحوا كدًّا كثيرًا، وأسقطوا عن أنفسهم تعبًا طويلًا".

13.2 العلاقات بين مادة النظم.


الثاني: يرى تفضيل المعنى، فالآمدي يعقب في موازنته على مَن أنصفوا البحتري في وجهة نظره بقوله: "فقد سلموا له الشيء الذي هو ضآلة الشعراء وطلبتهم، وهو لطيف المعاني، وبهذه الخلة دون سواها فُضِّل امرؤ القيس؛ لأن الذي في شعره من دقيق المعاني، وبديع الوصف، ولطيف التشبيه، وبديع الحكمة، فوق ما في أشعار سائر الشعراء في الجاهلية والإسلام؛ إذ ليست له فصاحة توصف بالزيادة على فصاحتهم، ولا لألفاظه من الجزالة والقوة ما ليس لألفاظهم". الثالث: يرى أن تلك الثنائية حرث في بحر، فسوَّى بين اللفظ والمعنى في القيمة وفي التقرير؛ فالصورة الأدبية كالكائن الحي، فكما لا يصح فصل الجسم عن الروح، فكذلك لا يصح فصل اللفظ عن المعنى، فكلاهما مُكمل للآخر.

13.2 العلاقات بين مادة النظم.


وفي ذلك يقول ابن طباطبا: "والكلام الذي لا معنى له كالجسد الذي لا روح فيه، كما قال بعض الحكماء: للكلام جسد وروح، فجسده النطق وروحه معناه". فجاء عبد القاهر ليظهر لنا عدم ارتياحه إلى هذه القضية أصلًا، فليس القضية لفظًا ومعنى، وإنما هناك هدف أسمى وغاية عظمى يجب أن تكون الغاية والنهاية، ألا وهي شرح قضية النظم وأسرار البلاغة التي نجدها في العلاقة بين الألفاظ في العبارات من جهة، وبينها وبين المعاني من جهة أخرى، ومن ثم يصعب على الفاحص والدارس أن يستخلص حقيقة رأيه أو يهتدي إلى صريح مذهبه في قضية اللفظ والمعنى في كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة"، فإنك تجد كلامًا له يؤكد أفضلية المعنى، وآخر يؤيد أفضلية اللفظ، وتارة تجد كلامًا مغشيًّا بالغموض والإبهام فلا تدري أيهما يؤيد.