13.1 معنى النظم وما يستلزمه.


معنى النظم وما يستلزمه:
على الرغم من أنَّ كلمة "النظم" قد استخدمها بعض العلماء المتقدمين على عبد القاهر، وبخاصة الذين شُغلوا ببلاغة القرآن، وبيان إعجازه، وألفوا كُتُبًا تحمل في عناوينها تلك الكلمة نفسها كالباقلاني في كتابه إعجاز القرآن، فإنها لم تتحول إلى مصطلح بلاغي أسلوبي ذي دلالة خاصة إلا على يد عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس الهجري في كتابه دلائل الإعجاز الذي يُعد تطبيقًا عمليًّا لنظرية النظم التي بني عليها سرُّ الإعجاز في القرآن الكريم. فقد بَيَّنَ عبد القاهر معنى النظم بقوله: "اعلم أن ليس "النظم" إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه "علم النحو" وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخل بشيء منها".

13.1 معنى النظم وما يستلزمه.


فالنظم هو ترتيب مفردات اللغة ترتيبًا مبنيًّا على العلاقات النحوية، أو توخي معاني النحو كما يسميها، وهذا الترتيب يقع بين معاني الألفاظ المفردة، لا بين الألفاظ ذاتها، وإن كان لا بد من وقوع الترتيب فيها بالضرورة، وهذه العلاقة بين اللفظ والمعنى اللذين هما مادة النظم، سوف نوضحها في النقطة التالية، وهنا نؤكد أن النظم لا يقع بين الألفاظ دون معانيها، فإذا تناثرت العلاقات النحوية في مجموعة من الكلمات، وأخذت وضعًا يمتنع معه دخول أي معنى من معاني النحو فيها، لم يتحقق للنظم معنى من الأساس، وكما قال عبد القاهر: لو قال قائل في قول امرئ القيس: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل). (منزل – قفا – ذكرى – من – نبك – حبيب) لأخرجه من كمال البيان إلى مجال الهذيان.

13.1 معنى النظم وما يستلزمه.


فالمقصد أن المتكلم يدرك الفروق في المعاني النحوية ويعرف مواضعها، ويجيء بها حيث ينبغي لها، فإن المعاني النحوية تتنوع تنوعًا هائلًا، وثَمة فروق دقيقة بين الأوجه التي يأتي عليها بعض المعاني، ففي الإخبار مثلًا هناك فرق بين: "زيدٌ منطلق" و"زيدٌ ينطلق" و"ينطلق زيدٌ" و"منطلق زيد"، و"زيد المنطلق" و"المنطلق زيد" و"زيد هو المنطلق" و"زيد هو منطلق". وفي الشرط والجزاء فرق بين: "إن تخرج أخرج"، و"إن خرجتَ خرجتُ، و"إن تخرج فأنا خارج"، و"أنا خارج إن خرجت"، و"أنا إن خرجت خارج". وفي الحال فرق بين "أجاءني زيد مسرعًا؟"، و"جاءني يسرع"، و"جاءني وهو مسرع أو هو يسرع"، و"جاءني قد أسرع"، و"جاءني وقد أسرع".

13.1 معنى النظم وما يستلزمه.


فإن كان النحو يتحدث عن أنواع الخبر، وكونه مفردًا وجملة وشبه جملة، وكذا الحال، والشرط والجزاء؛ إما أن يكونا مضارعين أو ماضيين، وجملة الجزاء إمَّا تقترن بالفاء أو لا، وأنه قد يفصل بين المبتدأ والخبر ضمير فصل وقد لا يفصل، إلا أن المتكلم يتوصل من خلال ذلك إلى ما يستخدمه ويجعل لنظمه مزية عن غيره؛ حيث يضع الأشياء مواضعها فيحذف ويذكر، ويظهر ويضمر، ويعرف وينكر، ويقدم ويؤخر، ويصل ويفصل، ويكرر ويؤكد، ما يصيبه به تميُّزًا لنظمه أو أسلوبه. وهنا يأتي سؤال: هل يتطلب النظم معرفة سابقة بمعاني النحو؟! قد يتبادر إلى الذهن أن ربط مفهوم النظم أو الأسلوب بمعاني النحو يلزمه أنه لا يتأتى لأحد نظم كلام، إلا إذا كان لديه علم سَلفًا بمصطلحات النحو وأسماء المعاني النحوية، فيعرف المبتدأ والخبر، والحال، والتمييز، والأفعال الناسخة، وأفعال المقاربة، وما إلى ذلك.

13.1 معنى النظم وما يستلزمه.


والحق أنه لا ارتباط بين النظم وتأليف الأساليب، والعلم بمصطلحات المعاني النحوية التي تنتظمها، فثمة فرق بين استخدام ظاهرة لغوية؛ كإحدى الخبرات المكتسبة المخزونة في النفس، واكتشافها وتعريفها باسم معين؛ بدليل أن فصحاء العرب في الجاهلية، من شعراء وخطباء، كانوا على وعي دقيق بمعاني النحو وأحكامه والفروق بينهما، قبل أن تظهر أسماؤها الاصطلاحية، بفترة طويلة، ذلك الوعي الذي جعل الأعرابي ينكر على المؤذن قوله: "أشهد أن محمدًا رسولَ الله". بنصب "رسولَ"، فصاح قائلًا: صنع ماذا؟ "فأدرك بحاسته اللغوية أن النظم على هذا النحو لا يستقيم؛ لأن الكلام لم يفد، دون أن يعرف الاصطلاح النحوي لهذا اللفظ بأنه عطف بيان أو بدل مما يجعل الكلام غير تامٍّ لاحتياجه إلى الخبر.