13.4: فساد النظم


هناك بعض الأبيات الشعرية بها خلل في الصياغة والتركيب، جعل النقاد يصفون ما بها بفساد النظم، وهو عيب من جهة سوء التأليف نتج من تعاطي الشاعر معنى من معاني النحو على غير الصواب، وصنع في تقديم أو تأخير، أو حذف وإضمار، أو غير ذلك مما ليس له أن يصنعه، وما لا يسوغ ولا يصح على أصول علم النحو، وإذا ثبت أن سبب فساد النظم واختلاله ألَّا يعمل بقوانين النحو، ثبت أن سبب صحته أن يعمل عليها، ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم، ثبت أن الحكم كذلك في مزيته والفضيلة التي تعرض فيه، وإذا ثبت جميع ذلك ثبت أن حقيقة النظم توخي معاني النحو وأحكامه، فيما بين الكلم فبه يظهر الصحيح من الفاسد، وماله فرية من غيره. فالخلاصة أنَّ مَن خالف قوانين النحو ساء نظمه، وفسد تركيبه، وقد وقع في ذلك الفحول من الشعراء، ومن ذلك قول الفرزدق:
              وما مِثْلُه في الناسِ إلّا مُمَلَّكاً               أبُو أُمّه حَيٌّ أبُوه يُقَارِبُهْ

13.4: فساد النظم


وقول المتنبي:
               ولذا اسمُ أَغْطيةِ العُيونِ جُفونُها               منْ أنّها عَمَل السيُّوفِ عَوامِلُ
وقوله أيضًا:                الطّيبُ أنت إذا أصابَك طيبُه                والماءُ أنت إذا اغتسلْتَ الغاسلُ
وقول أبي تمام:                ثانيهِ في كبدِ السماءِ ولم يكنْ                لاثنْينِ ثانٍ إذْ هُما في الغَارِ

13.4: فساد النظم


فلك أن تشعر بهذ الخلل الناتج عن عدم توخي معاني النحو وأحكامه بين الكلمات، فقدَّم الشاعرُ وأخَّر، وفعل ما ليس له أن يصنعه، وما لا تُسوِّغَهُ له قوانينُ النحو، فتشعر بثقل وركاكة في الشطر الثاني لبيت الفرزدق، والطريقة التي عَبَّرَ بها المتنبي في بيته الأول عن معنى بسيط، وهو أن الجفون سُميت بذلك لأنها تعمل عمل السيوف، والبيت الثاني الذي يريد أن يقول فيه للممدوح أنت الطيب إذا تطيبت وأنت غاسل الماء إذا اغتسلت. وفي بيت أبي تمام شتان بين شطره الثاني وبين قوله تعالى: (( ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ )) ، فأحدث تقديمًا وتأخيرًا في العدد لا يُحمد عليه؛ لثقله في التركيب.