12.5 الأحرف المقطعة في فواتح السور وسر إعجازها.


إنما ذكرت الحروف المقطعة في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف، فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع، (( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ )) [ق: 1]، (( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ )) [ص: 1]، (( حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ )) [الزخرف:1- 2]، (( يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ )) [يس: 1- 2]، (( الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ )) [البقرة: 1- 2]، (( الم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) [السجدة:1- 2].

12.5 الأحرف المقطعة في فواتح السور وسر إعجازها.


وقد اهتم العلماء ببيان وجه الإعجاز في هذه الحروف التي جمعها بعضهم في قولهم: نصٌّ حكيمٌ قاطعٌ له سِرّ، فذكروا من ذلك أن هذه الأحرف المذكورة في أوائل السور هي نصف الحروف الهجائية التي تتركب منها الكلمات.
وهي أشرف النصفين، والنصف الآخر لا يوجد في القرآن إلا ضمن الأسماء، أو الأفعال، أو حروف المعاني، وإن كان في القرآن آيتان اشتملتا على أحرف الهجاء الثمانية والعشرين، إحداهما في آل عمران، وهي قوله تعالى: (( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ )) [آل عمران: 154]،

12.5 الأحرف المقطعة في فواتح السور وسر إعجازها.


والثانية في سورة الفتح وهي قوله تعالى: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا )) [الفتح: 29]، وهذا أيضًا وجه إعجاز في اجتماع حروف الهجاء جميعًا في آية واحدة.

12.5 الأحرف المقطعة في فواتح السور وسر إعجازها.


وبالنظر لهذه الحروف نجده أيضًا نصف الحروف في صفاتها ومخارجها، فهي نصف المجهورة، والمهموسة، والمستعلية، والمطبقة، والشديدة، والرخوة، وغير ذلك من أجناس الحروف.
وقد أسهب الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن في بيان الإعجاز في هذه الحروف بأن القرآن نبه بما ذكر على ما لم يذكر، وأن هناك حكمة ثابتة في ذكر هذه الحروف على حدٍّ يتعلق به الإعجاز، وإذا تأملت فاتحة كل سورة تجد بها فائدة تخصها في النظم، ففي نحو (( الم )) تجد الألف المبدوء بها هي أقصى الحروف مطلعًا، واللام متوسطة والميم متطرفة، ففيه يذكرها على غيرها من الحروف، وتبين أنه إنما أتاهم بكلام منظوم مما يتعارفون من الحروف التي تترد بين هذين الطرفين.