12.1 تعريف الغريب وذكر وأسبابه وذكر بعض ألفاظه.


المراد بغريب القرآن ونماذج له:
الغريب ما قل دورانه على الألسنة، فلم يستعمله الخطباء والشعراء استعمال غيره من الألفاظ. فليس المراد بالغربة أنها لفظة مُنكَرة أو نافرة أو شاذة، فإن القرآن مُنَزَّهٌ عن هذا جميعًا، وإنما هي حسنة مستغربة في التأويل، لا يتساوى في العلم بها أهلها وسائر الناس؛ فلذا لم يكن ما نسميه غريبًا بغريب عند هؤلاء الذين تحداهم القرآن، وما ورد من أخبار وآثار تشير إلى استغراب المشركين وبعض الصحابة الأخيار لبعض الألفاظ مرجعه لأسباب أهمها:
أولًا: تعنت مشركي قريش وتجاهلهم فهم الواضحات؛ تلبيسًا على القرآن والنبي الكريم، وكسؤالهم عن الرحمن وهم عالمون به.
ثانيًا: استهداف المشركين إظهار القرآن في مظهر المتهافت والعابث، كاستغرابهم إخراج شجرة في النار مع أن النار تأكل الشجر، وسخريتهم من الزقوم لأنه التمر بالزبد.

12.1 تعريف الغريب وذكر وأسبابه وذكر بعض ألفاظه.


ثالثًا: الفهم الخاطئ عن حسن قصد لبعض نصوص التنزيل كمسألة الخيط الأبيض والخيط الأسود. رابعًا: دوران الألفاظ بين العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والإجمال والتبيين.
خامسًا: تفرق اللغات واختلاف الدلالات داخل السياقات.
سادسًا: استعمال الألفاظ على وجه من وجوه الوضع يخرجها مخرج الغريب.
سابعًا: إيثار القرآن رفعة الأسلوب يجعله يُفضِّل لفظًا غير شائع على الألسنة؛ لما في الشائع من كراهة في اللفظ، أو ثقل في السمع؛ كاستخدامه "إلحافًا" بدلًا من "إلحاحًا" لعدم تكرار الحاء. وعمومًا ما عَدَّه المتقدمون غريبًا أقل بكثير مما عده المتأخرون؛ لتفاوت الفصاحة بين الفريقين والمعرفة بلغات العرب، فالبعض وضع ألفاظًا ليست من الغرابة في شيء سوى أنها مرتفعة عن مستوى الشائع، فأدرج نحو: "انفصام"، "إسرافًا"، "وادرءوا"، "إعصار".

12.1 تعريف الغريب وذكر وأسبابه وذكر بعض ألفاظه.


وأيضًا نشير إلى أن الألفاظ التي عدَّها العلماء من الغريب يحيط بها ما يزيل غرابتها، ويدل على معناها، وإن خفي على البعض؛ من ذلك "إِدًّا" بمعنى الأمر العظيم في قوله تعالى: (( لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا )) [مريم: 89] و"قضبًا" و"أبّا" فسياق الآيات يبين أنهما من المأكولات سواء لنا أو لأنعامنا، وكذلك "أركسوا" في قوله تعالى: (( كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا )) [النساء: 91] و"أكنة" في قوله تعالى: (( وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا )) [الأنعام: 25]، و"أمتا" في قوله تعالى: (( لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا )) [طه: 107]، "ألتنا" في قوله تعالى: (( وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ )) [الطور: 21]، وما شابه هذه الألفاظ.

12.1 تعريف الغريب وذكر وأسبابه وذكر بعض ألفاظه.


ولعلك تدرك السرَّ البلاغي في استخدام هذه الألفاظ؛ حيث يتجلى أنها لا يغني عنها غيرها من الشائع المستعمل لأحد سببين:
أولًا: تناسب الفواصل مما يعطي أثرًا موسيقيًّا في سمع ونفس المتلقي.
ثانيًا: تأدية هذه الألفاظ المعنى الدقيق المراد دون سواها.
وحسبك (( تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى )) [النجم: 22]، فهل تغني عنها "جائرة" وقعًا ومعنى؟!