12.3 الترادف في القرآن الكريم.


الترادف في القرآن الكريم:
الترادف يعني: صِحة إحلال كلمة مكان الأخرى، وروعة النظم القرآني تتجلى في عدم إمكانية إحلال لفظ مكان الآخر، ومن ثم اختلف العلماء في وقوع الترادف في القرآن الكريم، وعنون الزركشي له بقوله: "هناك ألفاظٌ يظن بها الترادف وليست منه"، وبيان ذلك أن اللفظة في القرآن الكريم لا يقوم مرادفها مقامها مما يجعل القطع بعدم الترادف أولى، فإنه وإن جاز في الوضع اللغوي، فإنه لا يجوز في النظم القرآني، فالترادف يجوز في الإفراد لا في التراكيب.
وبالنظر والتأمل يجد المرء فرقًا بين الألفاظ التي يدعى فيها الترادف، وما قيل من عطف المترادفات بالواو في نحو (( شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا )) [المائدة: 48] (( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي )) [يوسف: 86]، ونحو ذلك قيل على سبيل الاتساع، وإلا فهناك فروق بين اللفظين، ومن ثم اهتم العلماء ببيان الفروق بين هذه الألفاظ؛ كالخوف والخشية، والقعود والجلوس، والتمام والكمال، والإتيان والإعطاء.

12.3 الترادف في القرآن الكريم.


الخوف والخشية:
ولا شك أن الخشية أعلى من الخوف، وهي أشد من الخوف ومن ثمة خُصَّت الخشية بالله تعالى. وفرق بينهما أيضًا بأن الخشية تكون من عظيم المخشي منه، والخوف يكون من ضعف الخائف.
وقال تعالى: (( يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ )) [الرعد: 21]، فإن الخوف من الله لعظمته يخشاه كل أحد كيف كانت حاله، وسوء الحساب ربما لا يخافه من كان عالمًا بالحساب وحاسب نفسه قبل أن يُحاسب.
وفيه حكمة وهي: أنَّ الله تعالى لما ذكر الملائكة وهم أقوياء، وذكر صفاتهم بين يديه، قال: (( يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )) [النحل: 50]، فَبَيَّن أنهم عند الله ضعفاء، ولما ذكر المؤمنين من الناس وهم ضعفاء، لا حاجة إلى بيان ضعفهم ذكر ما يدل على عظمة الله تعالى فقال: (( يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ )) ، ولما ذكر ضعف الملائكة بالنسبة إلى قوته تعالى قال: (( رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ )) .

12.3 الترادف في القرآن الكريم.


القعود والجلوس:
إن القعود لا يكون معه لبثة، والجلوس لا يعتبر فيه ذلك؛ ولهذا تقول: (قواعد البيت).
ولا تقول: "جوالسه"؛ لأن مقصودك ما فيه ثبات؛ ولهذا قالوا في قعد يَقْعُد (بضم الوسط) وقالوا: جلس يَجْلِس (بكسرة) فاختاره الثقيل لما هو أثبت.
قالوا: إشارة إلى أنه يجلس فيه زمانًا يسيرًا ليس بمقعد؛ ولهذا لا يُقال قعيد الملوك، وإنما يُقال: جليسهم؛ لأن مجالسة الملوك يستحب فيه التخفيف، والقعيدة للمرأة؛ لأنها تلبث في مكانها.

12.3 الترادف في القرآن الكريم.


التمام والكمال:
اجتمعا في قوله تعالى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي )) [المائدة: 3]، والعطف يقتضي المغايرة. فقِيل: الإتمام: لإزالة نقصان الأصل والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل؛ ولهذا كان قوله تعالى: (( تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ )) [البقرة: 196] أحسن من "تامة"، فإن التمام فيه العدد قد علم وإنما أيقن احتمال نقصان في صفاتها.

12.3 الترادف في القرآن الكريم.


الإتيان والإعطاء:
الإتيان أقوى من الإعطاء في إثبات مفعوله قال تعالى: (( آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي )) [الحجر: 87] لعظم شأن القرآن، قال تعالى: (( إنا أعطيناك الكوثر )) [الكوثر: 1]؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- وأمته يَرِدون على الحوض ورُود النازل على الماء، ويرتحلون إلى منازل العز والأنهار الجارية في الجنان.
والحوض للنبي وأمته عند عطش الأكباد قبل الوصول إلى المقام الكريم، فقال فيه (( إنا أعطيناك )) ؛ لأنه يترك ذلك عن قرب وينتقل إلى ما هو أعظم منه.
وقال تعالى: (( حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ )) [التوبة: 29]؛ لأنها موقوفة على قبول مِنَّا، وهُم لا يؤتون عن طيب قلب، وإنما هو عن كره؛ إشارة إلى أن المؤمن يبتغي أن يكون إعطاؤه للزكاة بقوة، لا يكون كإعطاء الجزية.
وقد قطع الإمام ابن تيمية يرحمه الله بعدم وقوع الترادف في القرآن الكريم.