٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف

الآيتان (١٨٣، ١٨٤) من سورة (البقرة)

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)).

الآثار

أخرج البخاري ومسلم، والترمذي والنسائي والبيهقي، عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج)).


٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


أقوال المفسرين
يقول تعالى مخاطبًا للمؤمنين من هذه الأمة، وآمرًا لهم بالصيام -وهو: الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع- بنية خالصة لله -عز وجل, لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة. وذكر أنه كما أوجبه عليهم، فقد أوجبه على مَن كان قَبلهم؛ فلهم فيه أسوة. ولْيجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل ممّا فعَله أولئك، كما قال تعالى: ((لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ))؛ ولهذا قال ههنا: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)).
وقوله: ((كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)) أي: الأنبياء والأمم مِن لَدُن آدم -عليه الصلاة والسلام- إلى يومنا، كما هو ظاهر عموم الموصول.
قال الزمخشري: "قال علي -رضي الله عنه-: "أوّلُهم آدم, يعني: إن الصوم عبادة قديمة أصلية، ما أخلى الله أمّة من افتراضها عليهم, لم يفرضها عليكم وحْدكم".
وجاء في الآثار: أن المراد: أهل الكتاب، أو النصارى.
وفيه: تأكيد للحكم وترغيب فيه، وتطييب لأنفس المخاطبين فيه؛ فإن الأمور الشاقة إذا عمّت طابت.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


وقوله: ((لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) بالمحافظة عليها وتعظيمها، لأصالتها وقِدمها.
أو لعلكم تتّقون المعاصي؛ لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان؛ ولهذا ثبت في "الصحيحين": ((يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فلْيتزوج. ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)).
أو لعلكم تنتظمون في زُمرة المتقين؛ لأن الصوم شعارهم.
ثم بيّن مقدار الصوم، وأنه ليس في كلّ يوم لئلَّا يشق على النفوس فتضعف عن حمْله وأدائه, بل في أيام معدودات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان كما سبق في الآثار.

المراد بالمماثلة
إمّا المماثلة في أصل الوجوب, وإما في الوقت والمقدار, بناء على: أنّ أهل الكتاب فُرض عليهم صوم رمضان، فتركه اليهود إلى صوم يوم من السنة زعموا أنه اليوم الذي أغرق فيه فرعون, وزاد فيه النصارى يومًا قبل ويومًا بعْد احتياطاً حتى بلغوا فيه خمسين يومًا, فصعُب عليهم في الحَر فنقلوه إلى زمن نزول الشمس بُرج الحمَل.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


وقيل: أصابهم موَتان فزادوا عشرًا قبْله وعشرًا بعْده, فجعلوه خمسين يومًا. وقيل: كان وقوعه في البرد الشديد والحَر الشديد, فشقّ عليهم في أسفارهم ومعايشهم فجعلوه بين الشتاء والربيع, وزادوا عشرين يومًا كفارة لتحويله عن وقته.
وقد روي: أن الصيام كان أولًا كما كان عليه الأمم قبلنا من كل شهر ثلاثة أيام. عن معاذ وابن مسعود وابن عباس، وعطاء وقتادة والضحاك بن مزاحم وزاد: "لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح، إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان".
وإما في الكيفية: فقيل: كُتب عليكم كما كُتب عليهم: أن يتّقوا المُفطر بعد أن يصلُّوا العشاء وبعد أن يناموا، ثم نسخ ذلك بقوله: ((أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ)) [البقرة: ١٨٧].
وتقدم عن ابن عمر أنه قال: "أنزلت: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)): كتب عليهم إذا صلّى أحدهم العتمة ونام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها".
قال ابن أبي حاتم: "وروي عن ابن عباس وأبي العالية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد، وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس وعطاء الخراساني نحو ذلك.


٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


مسائل حول الآيات
الأولى: انتصاب ((أَيَّامًا)): قال الزمخشري: "بالصيام, كقولك: "نويت الخروج يوم الجمعة".
وقال الألوسي: ليس بالصيام، لوقوع الفصل بينهما بأجنبي. قال: بل بمضمر دلَّ هو عليه, أعني: صوموا, إمَّا على الظرفية أو المفعولية اتساعًا.
وقيل: منصوب بفعل يستفاد من "كاف" التشبيه. وفيه: بيان لوجه المماثلة، كأنه قيل: كُتب عليكم الصيام مماثلًا لصيام الذين من قبلكم في كونه ((أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)) أي: المماثلة واقعة بين الصيامين من هذا الوجه, وهو تعلق كل منهما بمدة غير متطاولة؛ فالكلام من قبيل: "زيد كعمرو فقهًا".
وقيل: نُصب على أنه مفعول ثانٍ لـ((كُتِبَ)) على الاتساع, وردّه في "البحر" بأنّ الاتساع مبنيّ على جواز وقوعه ظرف الكَتْب, وإذا لا يصح؛ لأن الظرف محلّ الفعل والكتابة ليست واقعة في الأيام, وإنما الواقع فيها متعلقها وهو الصيام.
وأجيب: بأنه يكفي للظرفية ظرفية المتعلق كما في قوله: ((يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ))، وبأن معنى: ((كُتِبَ)): فُرض، وفرضيه الصيام واقعة في الأيام.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


الثانية: قوله: ((مَعْدُودَاتٍ)): المراد بهذه الأيام إمّا رمضان؛ واختار ذلك ابن عباس والحسن، وأبو مسلم وأكثر المحققين، وهو أحد قولي الشافعي؛ فيكون الله -سبحانه وتعالى- قد أخبر أولًا: أنه كتب علينا الصيام, ثم بيّنه بقوله -عز وجل: ((أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ))، فزال بعض الإبهام، ثم بيّنه بقوله -عز من قائل-: ((شَهْرُ رَمَضَانَ)) توطينًا للنفس عليه.
واعترض: بأنه لو كان المراد ذلك، لكان ذكْر المريض والمسافر تكرارًا.
وأجيب: بأنه كان في الابتداء صوم رمضان واجبًا على التخيير بينه وبين الفدية, فحين نسخ التخيير وصار واجبًا على التعيين، كان مظنَّة أن يتوهّم أنّ هذا الحكم يعمّ الكل حتى يكون المريض والمسافر فيه كالمقيم والصحيح, فأعيد حكمهما تنبيهًا على: أن رخصتهما باقية بحالها لم تتغير كما تغير حكم المقيم والصحيح.
وأمّا ما وجب صومه قبل وجوبه وهو: ثلاثة أيام من كل شهر وهي: أيام البيض على ما روي عن عطاء, ونُسب إلى ابن عباس -رضي الله تعالى عنه, أو ثلاثة من كل شهر ويوم عاشوراء على ما روي عن قتادة, واتفق أهل هذا القول على: أن هذا الواجب قد نُسخ بصوم رمضان؛ فقد استشكل بأن فرضيته إنما ثبتت بما في هذه الآية. فإن كان قد عُمل بذلك الحكم مدة مديدة كما قيل به, فكيف يكون الناسخ متصلًا؟ وإن لم يكن عُمل به فلا يصحّ النسخ؛ إذ لا نسخ قبل العمل.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


وأجيب: أمّا على اختيار الأول، فبأنَّ الاتصال في التلاوة لا يدل على الاتصال في النزول. وأما على اختيار الثاني، فبأن الأصح: جواز النسخ قبل العمل.
قلت: والذي ثبتت به الروايات واضح في فرضية ذلك أولًا, وأنه عمل به ثم نسخ؛ فلا عدول عن ذلك لغيره.

الآية (١٨٥) من سورة (البقرة)

((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)).

الآثار

أخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ،والنسائي والبيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا دخل رمضان، فُتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب جهنم، وسُلسلت الشياطين)).


٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


أقوال المفسرين
يمدح تعالى شهر رمضان من بين سائر الشهور: بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم. وكما اختصّه بذلك، قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء .
وأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل، فنزل كلّ منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة. وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا, وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه, كما قال تعالى: ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ))، وقال: ((إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ)). ثم نزل بعْدُ مفرّقًا بحسب الوقائع على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وقيل: ((أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ)) أي: في شأنه القرآن؛ وهو قوله: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ))، كما تقول: "أنزل في عمر كذا، وفي عليّ كذا".
وقوله: ((هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)): هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدًى لقلوب العباد ممّن آمن به وصدّقه واتّبعه. ((وَبَيِّنَاتٍ)) أي: ودلائل وحجج بيّنة واضحة جليّة لمن فهمها وتدبرها، دالّة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال والرشد المخالف للغيّ, ومفرقًا بين الحق والباطل والحلال والحرام.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


وقال الألوسي: ((هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)): حالان لازمان من القرآن, والعامل فيهما: ((أُنْزِلَ)) أي: أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختصّ به, كما يُشعر بذلك التنكير، وآيات واضحات من جملة الكتب الإلهية الهادية إلى الحق والفارقة بين الحق والباطل باشتمالها على المعارف الإلهية والأحكام العملية, كما يشعر بذلك جعْله بيِّنات منه. فهو هادٍ بواسطة أمرين: مختص، وغير مختص. فالهدى ليس مكررًا, وقيل: مكرر تنويهًا وتعظيمًا لأمره وتأكيدًا لمعنى الهداية فيه كما تقول: "عالم نحرير".
ولما كان بين الصوم ونزول الكتب الإلهية مناسبة عظيمة، كان هذا الشهر المختص بنزولها مختصًّا بالصوم الذي هو نوع عظيم من آيات العبودية, وسبب قوي في إزالة العلائق البشرية المانعة عن إشراق الأنوار الصمدية.
وقوله: ((فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)) هذا: إيجاب حتم على مَن شهد استهلال الشهر, أي: كان مقيمًا في البلد حين دخل شهر رمضان, وهو صحيح في بدنه: أن يصوم لا محالة. ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدّمة لمن كان صحيحًا مقيمًا أن يفطر ويَفدي بإطعام مسكين عن كل يوم، كما تقدَّم بيانه.
((مِنْكُمُ)): في محل نصب على الحال من المستكنّ في: ((شَهِدَ)). والتقييد به لإخراج الصبي والمجنون. و((شَهِدَ)) من: الشهود. والتركيب يدل على: الحضور إما ذاتًا أو علمًا, وقد قيل: بكل منهما هنا.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


و((الشَّهْرَ)) على الأوّل: مفعول فيه، والمفعول به متروك لعدم تعلّق الغرض به. فتقدير البلد أو المصر ليس بشيء. وعلى الثاني: مفعول به بحذف المضاف, أي: هلال الشهر و"أل" فيه على التقديرين: للعهد.
والمعنى: فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافرًا فليصمْ فيه, أو مَن علِم هلال الشهر وتيقن به فلْيصم. ومفاد الآية على هذا: عدم وجوب الصوم على مَن شك في الهلال.
ولما حتم الصيام، أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر في الإفطار بشرط القضاء، فقال: ((وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ)) معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشقّ عليه الصيام معه أو يؤذيه, أو كان على سفر أي: في حالة السفر, فله أن يفطر. فإذا أفطر، فعليه عِدّة ما أفطره في السفر من الأيام؛ ولهذا قال: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)) أي: إنما رخَّص لكم في الفطر في حال المرض والسفر مع تحتّمه في حق المقيم الصحيح، تيسيرًا عليكم ورحمة بكم.
ومعنى قوله: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)) أي: إنما رخّص لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار، لإرادته بكم اليسر. وإنما أمَركم بالقضاء لتكملوا عِدّة شهركم.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


وقوله: ((وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ)) أي: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال: ((فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)), وقال: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)), وقال: ((وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)).

مسائل حول الآيات
الأولى: في تسمية الشهر: ((شَهْرُ رَمَضَان)) هكذا، أو ((رَمَضَان)) مجردًا من كلمة ((شَهْر)), قال الزمخشري:
"فإن قلت: فإذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعًا, فما وجه ما جاء في الأحاديث من نحو قوله -عليه الصلاة والسلام: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا))، ((من أدرك رمضان فلم يغفر له))؟
قلت: هو من باب الحذف لأمن الإلباس".
قال ابن كثير: "وقد روي عن بعض السلف: أنه كرِه أن يقال إلّا: "شهر رمضان" ولا يقال "رمضان", ثم ذكر الآثار في ذلك. ثم قال:

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


"وقد انتصر البخاري -رحمه الله- في كتابه لهذا, فقال في "كتاب الصوم": "باب: يقال: "رمضان", وساق أحاديث في ذلك منها: ((مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدّم من ذنبه)) ونحو ذلك".
قال الألوسي: "ومنع بعضهم أن يقال: "رمضان" بدون "شهر"، لما أخرجه ابن أبي حاتم". فذكر حديث أبي هريرة ثم قال: "وإلى ذلك ذهب مجاهد, والصحيح: الجواز. فقد روي ذلك في الصحيح، والاحتياط لا يخفى".
قلت: بل والاحتياط لا داعي له؛ فالحديث باطل, وفعْل النبي -صلى الله عليه وسلم- وسلف الأمة وعلمائها كله ضد ذلك؛ وهذا منسحب على سائر الشهور كذلك, وليس مقتصرًا على رمضان فقط.
الثانية: قال الزمخشري: "((فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)): فمن كان شاهدًا أي: حاضرًا مقيمًا غير مسافر في الشهر، فليصم فيه ولا يفطر.
و((الشَّهْرَ)): منصوب على الظرف, وكذلك "الهاء" في ((فَلْيَصُمْه)), ولا يكون مفعولا به، كقولك: "شهدت الجمعة"؛ لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر".
قلت: أما المعنى الأول فتقدَّم وهو متّجه. وأمّا نفي أن يكون الشهر مفعولًا به فليس مقبولًا؛ بل هو المتبادر. وتعليل نفيه بأن المقيم والمسافر شاهدان للشهر: عجيب؛ لأنهما إنما استثنيا لدخولهما فيما سبق، لا لخروجهما منه أصلًا".

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


الثالثة: ذهب طائفة من السلف إلى: أنّ من كان مقيمًا في أول الشهر ثم سافر في أثنائه، فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه، لقوله: ((فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ))، وإنما يباح الإفطار لمسافر استهلّ الشهر وهو مسافر.
قال ابن كثير: "وهذا القول غريب، نقله أبو محمد بن حزم في كتابه "المحلّى" عن جماعة من الصحابة والتابعين, وفيما حكاه عنهم نظر -والله أعلم-؛ فإنه قد ثبتت السنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح فسار حتى بلغ الكديد ثم أفطر, وأمر الناس بالفطر؛ أخرجه صاحبا الصحيح".
قلت: ما قاله ابن كثير هو عين الصواب، وإن ثبت عن بعض السلف خلافُه. وحمْل الآية على إلزام من دخل عليه الشهر وهو مقيم ألا يسافر, أو إذا سافر أن يصوم ولا يفطر، فيه بُعد لا يخفى, ويعارض التيسير ومراعاة مصلحة العباد, مع مخالفته لما ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن حثِّه على العمرة في رمضان وسفره هو شخصيًّا وفطْره وأمْره الناس بالفطر. وقد ثبت عن غير هؤلاء من السلف ما يوافق الهدي النبوي, وليس بعضهم بأولى من بعض, وقول الموافق مقدَّم، والله أعلم.
الرابعة: ذهب جمع من الصحابة والتابعين إلى: وجوب الإفطار في السفر، لقوله: ((فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)).

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


قال ابن كثير: "والصحيح: قول الجمهور: أنَّ الأمر في ذلك على التخيير، وليس بحتم؛ لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان, قال: "فمنا الصائم، ومنا المفطر. فلم يَعِب الصائمُ على المفطر, ولا المفطرُ على الصائم". فلو كان الإفطار هو الواجب، لأنكر عليهم الصيام؛ بل الذي ثبت من فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنه كان في مثل هذه الحالة صائمًا لِما ثبت في "الصحيحين" عن أبي الدرداء قال: "خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان في حر شديد, حتى إن كان أحدنا لَيضع يده على رأسه من شدة الحر, وما فينا صائم إلّا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعبد الله بن رواحة".
الخامسة: قالت طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار، لفعْل النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقالت طائفة: بل الإفطار أفضل، أخذًا بالرخصة، ولِما ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: ((مَن أفطر فحَسَن, ومن صام فلا جناح عليه))، وقال في حديث آخر: ((عليكم برخصة الله التي رخّص لكم)).
وقالت طائفة: هما سواء، لحديث عائشة: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله, إني كثير الصيام, أفأصوم في السفر؟ فقال: ((إن شئت فصُمْ, وإن شئت فأفطِر))، وهو في "الصحيحين".

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


وقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل, لحديث جابر: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا قد ظلل عليه فقال: ((ما هذا؟)) قالوا: صائم. فقال: ((ليس من البِرِّ الصيام في السفر))، أخرجاه.
قلت: بل التفصيل الذي ذكرته في درس فائت هو الأرجح؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما رأى مَن شق عليه الصوم في السفر ولم يفطر قال: ((أولئك العصاة، أولئك العصاة)). والحديث في "الصحيح". فدل ذلك على وجوب الفطر على مَن شق عليه الصوم. ثم قوله -صلى الله عليه وسلم: ((ليس من البِرّ الصيام في السفر)): دليل على أولوية الفطر مطلقًا. وأمّا سائر النصوص فتدل على: جواز الأمرين لمَن لا يشق عليه الصوم. والله أعلم.
قال ابن كثير: "فأمَّا إن رغب عن السنة، ورأى أنّ الفطر مكروه إليه, فهذا يتعيّن عليه الإفطار ويَحرم عليه الصيام والحالة هذه، لما جاء في "مسند" الإمام أحمد وغيره، عن ابن عمر وجابر وغيرهما: ((مَن لم يَقبل رخصة الله، كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة)).

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


السادسة:
هل يجب القضاء متتابعًا أو يجوز فيه التفريق؟
فيه قولان:
أحدهما: أنه يجب التتابع؛ لأن القضاء يحكي الأداء.
والثاني: لا يجب التتابع؛ بل إن شاء فرَّق وإن شاء تابع. وهذا قول جمهور السلف والخلف؛ وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر, فأمَّا بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عِدّة ما أفطر, ولهذا قال تعالى: ((فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)).
السابعة: استدل المعتزلة بقوله تعالى: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)) على: أنه قد يقع من العبد ما لا يريده الله تعالى؛ وذلك لأن المريض والمسافر إذا صاما حتى أجهدهما الصوم فقد فعلا خلاف ما أراد الله تعالى؛ لأنه أراد التيسير, ولم يقع مراده ورد بأن الله تعالى أراد التيسير وعدم التعسير في حقهما بإباحة الفطر, وقد حصل بمجرد الأمر بقوله -عز شأنه-: ((فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)) من غير تخلف.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


قلت: الإرادة نوعان: شرعية دينية، وكونية قدَرية. والمذكورة هنا: الشرعية الدينية، لا الكونية القدَرية, وهي كقوله تعالى: ((يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)), وقوله: ((وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)).
وأمّا الكونية القدَرية فهي كقوله: ((فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)).

الآية (١٨٧) من سورة (البقرة)

((أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)).


٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


الآثار

أخرج وكيع وعبد بن حميد، والبخاري وأبو داود، والترمذي، والنحاس في "ناسخه"، وابن جرير وابن المنذر، والبيهقي في "سننه"، عن البراء بن عازب قال: "كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي. وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، فكان يومه ذاك يعمل في أرضه, فلمَّا حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟, قالت: لا, ولكن أنطلق فأطلب لك, فغلبتْه عينه فنام. وجاءت امرأته فلمَّا رأته نائمًا قالت: خيبة لك, أنمتَ؟ فلمَّا انتصف النهار غُشي عليه. فذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم-, فنزلت هذه الآية: ((أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ...)) إلى قوله: ((مِنَ الْفَجْرِ))، ففرحوا بها فرحًا شديدًا".

وأخرج البخاري عن البراء قال: "لما نزل صوم شهر رمضان، كانوا لا يقربون النساء رمضان كله. فكان رجال يخونون أنفسهم, فأنزل الله: ((عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ))".


٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


أقوال المفسرين

هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين, ورفْع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام. فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحلّ له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء, أو ينام قبل ذلك. فمتى نام أو صلَّى العشاء، حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة, فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة. و((الرَّفَث)) هنا: هو الجماع.

مسائل حول الآيات
الأولى: في إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر: دليل على: استحباب السحور؛ لأنه من باب الرخصة، والأخذ بها محبوب؛ ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالحث على السحور.
وقد ورد في الحديث: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمّاه "الغذاء المبارك".
ووردت في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة، حتى ولو بجرعة من ماء تشبّهاً بالآكلين. ويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


وأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة، من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن حذيفة قال: "تسحّرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان النهار إلّا أن الشمس لم تطلع"، فهو حديث تفرّد به عاصم بن أبي النجود؛ قاله النسائي وحمَله على: أن المراد: قرب النهار, كما قال تعالى: ((فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)) أي: قاربن انقضاء العدة، فإمّا إمساك بمعروف أو ترك للفراق.
قال ابن كثير: "وهذا الذي قاله هو المتعيّن حمْل الحديث عليه: أنهم تسحروا ولم يتيقّنوا طلوع الفجر, حتى إن بعضهم ظن طلوعه, وبعضهم لم يتحقق ذلك".
وقد روي عن طائفة كثيرة من السلف: أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر؛ روي مثل هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعن طائفة كثيرة من التابعين منهم: محمد بن علي بن الحسين، وأبو مجلز، وإبراهيم النخعي، وأبو الضحى، وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود، وعطاء، والحسن، والحاكم، وابن عيينة، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد. وإليه ذهب الأعمش ومعمر بن راشد. وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب "الصيام" المفرد، ولله الحمد.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


وفي ذلك: دليل على: جواز الأكل مثلًا لمن شك في طلوع الفجر؛ لأنه تعالى أباح ما أباح مغيًّا بتبيّنه ولا تبيّن مع الشك، خلافًا لمالك ومجاهد، فلا قضاء عليه والحال هذه، إذا بان أنه أكل بعد الفجر؛ لأنه أكل في وقت أُذن له فيه.
وحكى أبو جعفر بن جرير في "تفسيره" عن بعضهم: أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس، كما يجوز الإفطار بغروبها.
قال الألوسي: "والأئمة الأربعة -رضي الله تعالى عنهم- على: أنّ أوّل النهار الشرعي: طلوع الفجر، فلا يجوز فعل شيء من المحظورات بعده. وخالف في ذلك الأعمش, ولا يتّبعه إلّا الأعمى. فزعم: أنّ أوّله طلوع الشمس كالنهار العرفي, وجوَّز فعل المحظورات بعد طلوع الفجر, وكذا الإمامية, وحمل ((مِنَ الْفَجْر)) على: التبعيض وإرادة الجزء الأخير منه. والذي دعاه لذلك: خبر "صلاة النهار عجماء، وصلاة الفجر ليست بها فهي في الليل". وأيّده بعضهم بأن شوب الظلمة بالضياء كما أنه لم يمنع من الليلية بعد غروب الشمس, ينبغي أن لا يمنع منها قبل طلوعها, وتساوي طرفي الشيء مما يستحسن في الحكمة, وإلى البدء يكون العود. وفيه: أن النهار في الخبر بعد تسليم صحته يحتمل أن يكون بالمعنى العرفي, ولو أراده -سبحانه وتعالى- في هذا الحكم لقال: كلوا واشربوا إلى النهار ((ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ))، مع أنه أخصر وأوفق ممّا عدل إليه؛ فحيث لم يفعل فُهم أن الأمر مربوط بالفجر لا بطلوع الشمس، سواء عُدّ ذلك نهارًا أم لا.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


قال ابن كثير: طوهذا القول ما أظن أحدًا من أهل العلم يستقر له قدَم عليه، لمخالفته نص القرآن في قوله: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ))، وقد تقدمت الأحاديث والآثار في ذلك".
الثانية: دلت الآية على: نفي كون الليل محلّ الصوم, وأن يكون صوم اليومين صومة واحدة, وقد سبق حديث امرأة بشير بن الخصاصية في ذلك.
قال ابن كثير: "ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة: النهي عن الوصال, وهو: أن يَصل بيوم آخر، ولا يأكل بينهما شيئًا.
فقد ثبت النهي عنه من غير وجه, وثبت أنه من خصائص النبي -صلى الله عليه وسلم-, وأنه كان يَقوى على ذلك ويُعان. والأظهر: أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويًّا لا حسيًّا, وإلا فلا يكون مواصلًا مع الحس, ولكن كما قال الشاعر:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها     عن الشراب وتُلهيها عن الزاد
وأمّا من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر، فله ذلك.
وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير وغيره من السلف أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة, وحمله بعضهم على أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم, لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة، والله أعلم".

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


ويحتمل: أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشاد من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: "رحمة لهم:. فكان ابن الزبير وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشّمون ذلك ويفعلونه؛ لأنهم كانوا يجدون قوّة عليه. وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أوّل ما يفطرون على السّمن والصبر لئلّا تتخرق الأمعاء بالطعام أولًا. وقد روي عن ابن الزبير: أنه كان يواصل سبعة أيام, ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم. وقال أبو العالية: "إنما فرض الله الصيام بالنهار, فإذا جاء بالليل فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل".
الثالثة: في جعله تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام، يستدل به على: أنه من أصبح جنبًا فليغتسل وليتمّ صومه ولا حرج عليه؛ وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا؛ لأنه يلزم من إباحة المباشرة إلى تبيّن الفجر إباحتها في آخر جزء من أجزاء الليل متصل بالصبح, فإذا وقعت كذلك أصبح الشخص جُنبًا, فإن لم يصحّ صومه ما جازت المباشرة؛ لأن الجنابة لازمة لها، ومنافي اللازم منافٍ للملزوم.
ولا يردّ خروج المني بعد الصبح بالجماع الحاصل قبله؛ لأنه إنما يفسد الصوم لكونه مكمل الجماع, فهو جماع واقع في الصبح وليس بلازم للجماع كالجنابة.
قال الألوسي: "وخالف في ذلك بعضهم ومنع الصحة، زاعمًا: أن الغاية متعلقة بما عندها, واحتجَّ بآثار صحَّ لدى المحدثين خلافها".

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


قال ابن كثير: "فأمَّا الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إذا نودي للصلاة: صلاة الصبح, وأحدكم جُنب فلا يصم يومئذ))، فإنه حديث جيّد الإسناد على شرط الشيخين كما ترى, وهو في "الصحيحين" عن أبي هريرة عن الفضل بن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم, وفي "سنن" النسائي عنه عن أسامة بن زيد والفضل بن عباس ولم يرفعه.
فمن العلماء من علّل هذا الحديث بهذا، ومنهم: من ذهب إليه. ويُحْكَى هذا عن أبي هريرة وسالم وعطاء، وهشام بن عروة والحسن البصري.
ومنهم: من ذهب إلى التفرقة بين: أن يصبح جُنبًا نائمًا فلا عليه، لحديث عائشة وأم سلمة، أو مختارًا فلا صوم له, لِحديث أبي هريرة؛ يحكى هذا عن عروة وطاوس والحسن.
ومنهم: مَن فرَّق بين الفرض فيتمّ فيقضيه. وأما النفل فلا يضره؛ رواه الثوري عن منصور عن إبراهيم النخعي، وهو رواية عن الحسن البصري أيضًا.
ومنهم: مَن ادّعى نسخ حديث أبي هريرة بحديثي عائشة وأم سلمة, ولكن لا تاريخ معه. وادّعى ابن حزم: أنه منسوخ بهذه الآية، وهو بعيد أيضًا؛ إذ لا تاريخ, بل الظاهر من التاريخ خلافه.
ومنهم: مَن حمل حديث أبي هريرة على نفي الكمال في قوله: ((فلا صوم له)), لحديث عائشة وأم سلمة الدالين على الجواز".

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


قال ابن كثير: "وهذا المسلك أقرب الأقوال وأجمَعها، والله أعلم".
قلت: حديث أبي هريرة فيه كلام كثير، وهو لا يصمد أمام ما تدل عليه الآية وسائر الأحاديث, مع أنه يمكن حمله أيضًا على مَن طلع عليه الفجر وهو في جماع لم ينزع منه، والله أعلم.
الرابعة: النهي في قوله: ((وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ)): عطف على أوّل الأوامر، والمباشرة فيه كالمباشرة فيه. وقد تقدّم أن المراد بها الجماع، إلّا أنه لزم من إباحة الجماع إباحة اللمس والقُبلة وغيرهما، بخلاف النهي فإنه لا يستلزم النهي عن الجماع النهي عنهما, فهما إما مباحان اتفاقًا بأن يكونا بغير شهوة, وإما حرامان بأن يكون بهما يبطل الاعتكاف ما لم ينزل، وصحح معظم أصحاب الشافعي البطلان.
قال ابن كثير: "الأمر المتفق عليه عند العلماء: أن المعتكِف يحرم عليه النساء ما دام معتكفاً في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها فلا يحل له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك, من قضاء الغائط أو الأكل, وليس له أن يقبّل امرأته ولا أن يضمّها إليه, ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه. ولا يعود المريض, لكن يسأل عنه وهو مارّ في طريقه. وللاعتكاف أحكام مفصَّلة في بابها, منها: ما هو مجمع عليه بين العلماء, ومنها ما هو مختلف فيه, وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب "الصيام"، ولله الحمد والمنة".

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


قلت: الذي دلت عليه الآثار في سبب النزول: أن المراد هنا في الآية هو: الجماع, ولا ذكر لمقدّماته، والله أعلم. وأما ما ينبغي على المعتكف من عدم الاشتغال بما ذكر الحافظ, وخروجه لحاجته, فمسألة أخرى تأتي.
وقد استدل بعضهم بالآية على: أن المعتكِف إذا خرج من المسجد فباشر خارجًا جاز؛ لأنه حصر المنع من المباشرة حال كونه فيه. وأجيب بأن المعنى ((وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ)) حال ما يقال لكم: إنكم ((عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)).
قال الألوسي: "استدل بها أيضًا على: أن الوطء يفسد الاعتكاف؛ لأن النهي للتحريم، وهو في العبادات يوجب الفساد. وفيه: أن المنهيّ عنه هنا: المباشرة حال الاعتكاف, وهو ليس من العبادات.
الخامسة: في تقييد الاعتكاف بالمساجد: دليل على: أنه لا يصح إلّا في المسجد؛ إذ لو جاز شرعًا في غيره لجاز في البيت، وهو باطل بالإجماع.
ويختص بالمسجد الجامع عند الزهري؛ وروي عن أبي حنيفة عنه: أنه مختص بمسجد له إمام ومؤذّن راتب. وعن حذيفة: "لا اعتكاف إلّا في المساجد الثلاثة", يعني: المسجد الحرام، ومسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-, وبيت المقدس. وعن علي: "لا يجوز إلّا في المسجد الحرام". وعن ابن المسيب: لا يجوز إلّا فيه، أو في المسجد النبوي. ومذهب الشافعي: أنه يصح في جميع المساجد مطلقًا، بناءً على عموم اللفظ في الآية.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


قلت: وهذا هو الراجح، لحديث عائشة أيضًا. وقد روي حديث حذيفة مرفوعًا وتكلم فيه, ومع التسليم هو محمول على نفي الكمال لا نفي الصحة, كما في قوله: ((لا رقية إلا من عين أو حمة)).
واستدل بالآية على: صحة اعتكاف المرأة في غير المسجد بناءً على أنها لا تدخل في خطاب الرجال.
قلت: من ناحية الخطاب، فالنساء يلحقن بالرجال تبعًا, وقد همَّ نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاعتكاف معه فقال: ((ألبر أردتنّ؟))، وترك الاعتكاف بسببهن؛ فيظهر أنه مع صحة اعتكاف المرأة في المسجد ومساواتها للرجل في اعتبار المسجد، إلا أنّ الأوْلى لها: مُكثها في بيتها، لعموم أدلة ذلك. وقد ثبت: أن نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتكفْن بعد وفاته.
السادسة: المعتكِف يخرج لحاجته كما دلّت على ذلك الآثار, وفي "الصحيحين": أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو معتكف في المسجد, فتحدثت عنده ساعة ثم قامت لترجع إلى منزلها, وكان ذلك ليلًا. فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- ليمشي معها حتى بلغ دارها, وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة. فلما كان ببعض الطريق، لقيَه رجلان من الأنصار. فلمَّا رأيا النبي -صلى الله عليه وسلم- أسرعا, وفي رواية: تواريا, أي: حياء من النبي -صلى الله عليه وسلم- لكون أهله معه. فقال لهما -صلى الله عليه وسلم: ((على رِسْلِكما. إنها صفيّة بنت حيي)) أي: لا تسرعا، واعلما أنّها صفية بنت حيي, أي: زوجتي, فقالا: ...

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


... سبحان الله يا رسول الله, فقال -صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم, وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا)) أو قال: شرًّا. قال الشافعي -رحمه الله: "أراد -عليه السلام- أن يُعلم أمّته التبري من التهمة في محلها لئلّا يقعا في محذور, وهما كانا أتقى لله من أن يَظنا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًاز والله أعلم".
السابعة: استدل بالآية على اشتراط الصوم في الاعتكاف؛ قيل: لأنه قصَر الخطاب على الصائمين, فلو لم يكن الصوم من شرطه لم يكن لذلك معنى؛ وهو المرويّ عن نافع مولى ابن عمر وعائشة, وعلى أنه لا يكفي فيه أقل من يوم، كما أن الصوم لا يكون كذلك. والشافعي لا يشترط يومًا ولا صومًا, لِما أخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس: أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- قال:((ليس على المعتكف صيام، إلّا أن يجعله على نفسه))، ومثله عن ابن مسعود. وعن علي روايتان: الاشتراط، وعدمه.
قال ابن كثير: "ولهذا كان الفقهاء المصنّفون يُتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداءً بالقرآن العظيم؛ فإنه نبّه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم. وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام: إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام، أو في آخر شهر الصيام، كما ثبتت في السنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفّاه الله -عز وجل. ثم اعتكف أزواجه من بعده"، أخرجاه من حديث عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


قلت: ما ذكره ابن كثير هو الوجه المعتبر في الآية, وهو سبب المناسبة لذكر الاعتكاف هنا, وليس لارتباط الاعتكاف بالصوم؛ فلا يصح دليل عليه. وقد اعتكف النبي -صلى الله عليه وسلم- عشرًا من شوال السنة التي ترك فيها اعتكاف رمضان لأجل أزواجه؛ أفصام يوم العيد؟ ثم قد دلّت الأحاديث على صحة اعتكاف الليلة الواحدة, أفيُصام الليل؟
كما أن القول بأن الخطاب للصائمين: عجيب؛ بل الخطاب للمؤمنين بصفة شاملة, وإلا فكيف يخاطب الصائمين ويقول لهم: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا))؟
الثامنة: في الآية مسائل أصولية نشير إليها إشارة سريعة وبحثها في مظانها.
ومن ذلك: أن في هده الأوامر الواردة في الآية دليل على: جواز نسخ السنة بالكتاب, بل على وقوعه بناءً على القول بأن الحكم المنسوخ من حرمة الوقاع والأكل والشرب كانت ثابتة بالسنة, وليس في القرآن ما يدل عليها و((أُحِلَّ)) أيضًا يدل على ذلك إلا أنه نسخ بلا بدل وهو مختلف فيه.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


وحديث سهل بن سعد الساعدي في الصحيح: أن الآية نزلت ولم ينزل ((مِنَ الََْفَجْر)), فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدُهم في رجْله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبيّن له, فنزل بعد ذلك ((مِنَ الََْفَجْر)), فعلموا أنه إنما يعني بذلك: الليل والنهار.
يدل على تعلق الآية بمسألتين أصوليّتين هما: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة أم لا يجوز؟ والأخذ بالظاهر إذا لم تكن هناك قرينة تصرف النص عن ظاهره.
التاسعة: قوله تعالى: ((فَلا تَقْرَبُوهَا)): ما الفرق بينه وبين قوله في آية أخرى: ((فَلا تَعْتَدُوهَا))؟
قال الزمخشري في قوله: ((فَلا تَعْتَدُوهَا)): "مَن كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرّف في حيِّز الحق, فنُهي أن يتعدّاه؛ لأن مَن تَعَدّاه وقع في حيِّز الباطل. ثم بولغ في ذلك, فنُهي أن يقرب الحدّ الذي هو الحاجز بين حيِّزَي الحق والباطل لئلّا يُداني الباطل, وأن يكون في الواسطة متباعدًا عن الطرف فضلًا عن أن يتخطّاه, كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنّ لكلِّ ملِك حِمًى, وحمَى الله محارمُه؛ فمَن رتَع حول الحِمَى يوشِك أن يقَع فيه)). فالرتع حول الحِمى وقُربان حيِّزه واحد".

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


قال الألوسي: "والنهي عن القرب من تلك الحدود التي هي الأحكام: كناية عن النهي عن قرب الباطل لكَون الأوّل لازمًا للثاني، وهو أبلغ من "(لا تَعْتدوها"؛ لأنه نهْي عن قرْب الباطل بطريق الكناية التي هي أبلغ من الصّريح؛ وذلك نهي عن الوقوع في الباطل بطريق الصريح.
وفي الآية مسائل أخرى, ولكن نكتفي بهذا القدر، والله الموفق.

النهي عن أكل أموال الناس بالباطل

الآية (١٨٨) من سورة (البقرة)

((وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)).


٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل


الآثار
عن ابن عباس في قوله: ((وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ)) قال: "هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بيِّنة, فيَجْحَد المال ويُخاصمهم إلى الحكام وهو يَعرف أن الحق عليه, وقد علم أنه إثم أكل حرام.
وعن مجاهد في قوله: ((وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ)) قال: "لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم".
وعن قتادة في الآية قال: "لا تُدْل بمال أخيك إلى الحكّام وأنت تعلم أنك ظالم, فإنّ قضاءه لا يُحِلّ لك شيئًا كان حرامًا عليك".

أقوال المفسرين
قوله: ((وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ)) أي: لا يَأكُلْ بعضُكم مال بعض؛ فهو على حدّ ((وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ))، وليس من تقسيم الجمع على الجمع كما في: "ركبوا دوابّهم".
والمراد من الأكل: ما يعمّ الأخذ والاستيلاء, وعبّر به لأنه أهم الحوائج, وبه يحصل إتلاف المال غالبًا.
وقوله: ((بِالْبَاطِلِ)): "الباء" للسببية، والمراد من "الباطل": الحرام كالسرقة والنّصب وكل ما لم يَأذن بأخذه الشرع.

٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل



٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل



٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل



٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل



٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل



٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل



٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل



٢.٣ الأحكام المتعلقة بالصيام والاعتكاف, والنهي عن أكل أموال الناس بالباطل