![]() |
((خُطُوَاتِ)): بضمتين, و"خُطْوات" بضمة وسكون, وهما لغتان في جَمْعِ: خٌطْوة وهي: ما بين قدمي الماشي. |
![]() |
و"خَطَوات" بفتحتين, و"خَطْوات" بفتحة وسكون، و"الخَطْوة": المرَّة من الخَطْو. |
![]() |
وهما كالغَرْفة والغُرْفة والقَبْضة والقُبضة. |
![]() |
ويقال: اتّبع خطواته، ووطئ على عقِبه، إذا اقتدى به واستنَّ بسنته. | |
![]() |
و"السّوء" في الأصل: مصدر: ساءَه، يسوؤه، سُوءًا أو مَساءةً، إذا أحزنه، ثم أُطلق على جميع المعاصي، سواء كانت قولًا أو فعلًا أو عقدًا، لاشتراكها كلها في: أنها تسوء صاحبها. |
![]() |
و((الْفَحْشَاء)): أقبح أنواعها وأعظمها مساءة. وروي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما: "إن "السوء": ما لا حَدّ فيه، و((الْفَحْشاء)): ما فيه حَدّ". |
![]() |
وقيل: هما بمعنى واحد, وهو: ما أنكره العقل، وحكم بأنه ليس فيه مصلحة وعاقبة حميدة واستقبحه الشرع. |
![]() |
يأمر الله تعالى عباده ممتَنًّا عليهم بأن يأكلوا ممّا خلَقه لهم في هذه الأرض الواسعة من الأصناف المتنوّعة من الحلال الذي لم يُحرّمه عليهم، مما تستطيبه النفوس وتستلذ به ولا تتضرر منه ولا تتأذَّى، وألّا يسيروا وراء وساوس الشيطان ونزغاته في تحريم ما لم يُحرِّمه الله تعالى، بأيمان غضب أو شبهات باطلة أو افتراءات كاذبة؛ لأنه عدوّ لهم واضح ظاهر لا خفاء به, لا يريد لهم خيرًا؛ بل يأمرهم... |
| ... ويحثهم ويزيِّن لهم المعاصي بأنواعها المختلفة صغيرها وكبيرها ممّا يسوؤهم في دنياهم وأخراهم. وأعظم ذلك: الكذبُ على الله والافتراء عليه بلا دليل ولا برهان. | |
![]() |
ثم ذكر سبحانه: حال بعض هؤلاء الذين حرَّموا ما أحلَّ الله, وتقوَّلوا على الله ما لم يأذن به، وهم: اليهود ومَن سلك سبيلهم؛ حيث كان جوابهم عندما أُمروا باتّباع شريعة الله وما أنزل على نبيه -صلى الله عليه وسلم-: التعلُّق بالتقليد المذموم لِما وجدوا آباءهم عليه من الباطل؛ فهم يتّبعوهم على كل حال حتى ولو كانوا لا عقل لديهم يردعهم عن باطلهم، ولا سبيل لهم يتّبعونه يهديهم إلى الحق. |
![]() |
ثم بيّن تعالى: أن حال هؤلاء الكفار الذين أعرضوا عن دعوة الحق كحال الراعي الذي ينادي على بهائمه؛ حيث لا تعرف بهائمُه معنى ما يقال لهم، وإنما يسمعون صوتًا فقط يناديهم من بعيد أو من قريب. فهم في حقيقة الأمر كالذي فقَد سمْعه وقدرته على النطق والنظر؛ فكأنهم لا عقول لهم يَعُون بها الحق من الباطل لِفقدانهم حواسّهم الأساسية. |
![]() |
((أُهِلَّ)): أصل الإهلال عند كثير من أهل اللغة: رؤية الهلال؛ لكن لمّا جرت العادة أن يُرفع الصوت بالتكبير إذا رؤي سُمِّي بذلك: إهلالًا، ثم قيل لرفع الصوت وإن كان بغيره. |
![]() |
((اضْطُرَّ)): من: الضُّر وهو: سوء الحال, إمّا في النفس أو البدن. والإضرار: حمل الإنسان على ما يضرّه أو على أمر يكرهه. وذلك على ضربين: |
![]() |
أحدهما: إضرار بسبب خارجٍ, كمن يُضرب أو يُهدّد كما قال تعالى: ((ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ)). | |
![]() |
والثاني: بسبب داخل, وذلك إمّا بقهر قوّة له لا يناله بدفعها هلاك, كمن غلب عليه شهوة خمر مثلًا، وإمّا بقهر قوة يناله بدفعها الهلاك, كمن اشتد به الجوع فاضطر إلى أكل الميتة، وهو المراد ههنا. |
![]() |
((بَاغٍ)): "البَغْي": طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرَّى تجاوزه أو لم يتجاوزه. والمراد هنا: غير طالب ما ليس له طلبه، ولا متجاوز ما رُسم له. |
![]() |
((عَادٍ)): العَدْو: التجاوز، وقد عدا طوْرَه: تجاوزه وتعدَّى إلى غيره. والمراد هنا: غير متجاوز سَدّ الجوعة، وقيل: غير ذلك كما يأتي. |
![]() |
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بأوامره: بأن يأكلوا وينتفعوا بما رزقهم ممّا أحل لهم منه واستطابتْه نفوسهم، وأمَرهم بشكره والثناء عليه لجزيل نِعَمه عليهم؛ لأن عبادتهم إياه وخضوعهم له واعترافهم بربوبيته وألوهيته يستلزم منهم ذلك. |
![]() |
ثم بَيَّنَ سبحانه: ما حرَّمه عليهم من الأطعمة المستخبَثة وهي: كلّ ما مات دون ذكاة شرعية، ولم يرد في الشرع استثناؤه، وكذلك الدم والمراد المسفوح من كل حيوان, وكذا الخنزير بصفة عامَّة, سواء ذكِّي أم لم يذكَّ، وسواء لحمه أو شحمه أو عظمه أو جلده، وأيضًا كل ما ذُبِحَ لغير الله, وقُصد به: التقرب لغيره سبحانه، أو رُفع الصوت عند ذبحه باسم غيره, كما كان يفعل المشركون من الذبح للأنصاب والجن وغير ذلك. |
![]() |
ومن رحمته سبحانه وسِعَة مغفرته: استُثْنِيَ من هذا التحريم ومن لحوق الإثم بمَنْ يفعل ذلك: المضَّطر الذي ألجأه الجوعُ إلى أكل شيء من هذه المحرّمات, شريطة ألا يكون ذلك برغبة منه في أكل الميتة, أو يتجاوز حدَّ دفع الضرر عنه. |
![]() |
((فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)): تعجُّبٌ من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم, كما تقول لمن يتعرّض لما يوجب غضب السلطان: "ما أصبرك على القيد والسجن!": تريد أنه لا يتعرض لذلك إلّا مَن هو شديد الصبر على العذاب. |
![]() |
وقيل: ((فَمَا أَصْبَرَهُمْ)): فأيُّ شيء صبّرهم؟ يقال: أصبره على كذا، وصبَّره بمعنى. | |
![]() |
وهذا أصل معنى فعل التعجب. وروي عن الكسائي أنه قال: "قال لي قاضي اليمن بمكة: اختصم إليَّ رجلان من العرب، فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال له: ما أصبرك على الله! فمعناه: ما أصبرك على عذاب الله!". |
![]() |
((شِقَاقٍ)): "الشّق" هو: الخرم الواقع في الشيء، و"الشقاق": المخالفة, وكونك في شق غير شق صاحبك، أو من شقِّ العصا بينك وبينه. |
![]() |
يذكر سبحانه جُرم كفار أهل الكتاب الذين يكتمون ما أنزل الله من حق في وصف نبيه -صلى الله عليه وسلم, والأمر باتّباعه؛ لكي يبقى لهم متاع الدنيا من جاهٍ ومالٍ. وبيَّن أنّ ما يدخل بطونهم من جرَّاء هذه الهدايا والرشاوى إنما هو في المآل نار سوف يصلَوْنها يوم القيامة، وسوف يُحرمون من كلامه سبحانه يوم القيامة, ومن ثنائه وتطهيره مما يخصّ به غيرهم من المؤمنين، ويكون لهم عوضًا عنه العذاب الأليم الموجع. |
![]() |
ثم بيَّن سبحانه: أنهم بفعلهم هذا قد اشتروا في دنياهم طريق الضلال والزيغ بما هو لديهم من الهدى والعلم الواضح؛ وبالتالي اشتروا عذاب الله في الآخرة بما كان محققًا لهم من مغفرة ورحمة، لو أدَّوا ما أمر به الله تعالى؛ فما أعجب حال هؤلاء وجَلَدهم في مخالفة أوامر الله على علم وبصيرة بما ينتظرهم من جرّاء ذلك من عذاب النار الفظيع! |
![]() |
وذلك العذاب كلّه بسبب أنه سبحانه بيَّن الحق ووضّحه في كتبه المنزلة، ولكن هؤلاء الكفرة الذين خالفوا هذا الكتاب وتنازعوا الأوصاف الباطلة له في جانب والحق في جانب آخر بعيد عنهم. |
![]() |
((الْبِرَّ)): الصدْق والطاعة، ومنه قول الشاعر: |
![]() |
تحزّ رؤوسهم في غير بِرّ | |
![]() |
أي: في غير طاعة. | |
![]() |
وقيل: الصلاح. وقيل: الخير. وفي شعر لبيد جَعل البِرّ: التقى قال: | |
![]() |
وما البِرُّ إلا مضمرات من التقى |
![]() |
((وَلَكِنّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)): على تأويل حذف المضاف أي: بِرّ مَن آمن، أو بتأوّل ((الْبِرّ)) بمعنى: ذي البِرّ، أو كما قالت الخنساء: |
![]() |
فإنما هي إقبال وإدبار | |
![]() |
وعن المبرد قال: لو كنت ممّن يقرأ القرآن لقرأت: "ولكن البَرّ" بفتح الباء. | |
![]() |
وقرئ: البار. |
![]() |
يبين الله سبحانه لعباده: ما هو العمل الذي يرضيه ويجب عليهم الانشغال بتحصيله، وأنه ليس ادّعاء أنه التوجه إلى جهة معيّنة كقِبلة كما يزعم اليهود والنصارى من توجّههم إلى المشرق والمغرب، أو كما أنكروا على المسلمين في تغيير القبلة في الصلاة؛ بل البِرّ والعمل المرضيّ لله تعالى هو: الإيمان والتصديق الكامل الشامل للعمل لله سبحانه بإفراده بالربوبية والألوهية, ونعْته بصفات الكمال التي وصف بها نفسه, وباليوم الآخِر وهو يوم المعاد على ما جاء من أخبار صادقة عنه, وبالكتب المنزَّلة كلها, وبجميع النبيين وعلى رأسهم خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم. وهذه جلّها إيمانيات يَتْبعها الأعمال الصالحة ومنها: التصدّق بالمال مع ما جُبلت عليه النفوس من حبّ له لذوي الحاجات من الأقرباء أولًا، ثم اليتامى الصغار الذين فَقدوا آباءهم، ثم سائر المساكين الذين لا يجدون ما يكفيهم فيحتاجون لغيرهم، وأيضًا ابن السبيل وهو: المسافر المنقطع عن أهله ووطنه ويحتاج ما يُبلغه غايته، وكذلك من جاء سائلًا وإن كان ظاهره الغِنى فالله أعلم بحاجته، وأخيرًا معاونة العبيد والإماء في تحرير رقابهم عن طريق المكاتبة وشراء الأنفس وفكاك الأسارى. |
![]() |
ولا يكفى هذا, وإنما لا بد من أداء حق الله تعالى؛ وأعظم ذلك: رُكنا الإسلام: الصلاة والزكاة؛ فلا بد من إقامة الصلاة على الوجه المطلوب شرعًا, وإيتاء الزكاة طيّبة بها النفس. |
![]() |
كما أنّ مَن فعَل ذلك كله لا بد أن يكون قد اتصف بالوفاء بالعهود، سواء بينه وبين ربه أو بينه وبين الخلق، وتحلّى بالصبر في مواطن الشدة؛ حيث يبتليه الله سبحانه بالفقر والبؤس، ويبتليه بالمرض والأسقام، ويبتليه بالحروب والقتال، فيجده صابرًا محتسبًا. |
![]() |
هؤلاء الذين جمعوا هذه الصفات هم: الذين صدقوا في دعواهم الإيمان وطلب رضَا الله، وهم فعلًا الذين تجنّبوا عذاب الله وغضبه ونقمته. |
![]() |
((كُتِبَ عَلَيْكُمُ)): أي فُرض وأُلزم. وأصل "الكتابة": الخط، ثم كنَّى به عن الإلزام, وكلمة "على" صريحة في ذلك. |
![]() |
((الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)): ((فِي)) هنا: السببية أي: بسببهم, كما في قوله: ((دخلت امرأة النار في هرّة)). وقيل: عدَّى ((الْقِصَاص)) بـ((فِي)) لتضمّنه معنى: المساواة؛ إذ معناه: أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل, ومنه سُمّي المقصّ مقصًا لتعادل جانبيه, والقصّة قصة لأن الحكاية تساوي المحكيّ، والقصاص قصاصًا لأنه يذكر مثل أخبار الناس. |
![]() |
((الْقَتْلَى)): جمع: قتيل، كجريح وجَرْحَى. |
![]() |
((فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)): قال الزمخشري: "من: العفو، على أنه كقولك: سير بزيد بعض السير وطائفة من السير". |
![]() |
يذكر الله تعالى: أنه شرَع لعباده المؤمنين على وجه الإلزام: أن يساوي بين القاتل وقتيله في العمد بقتل القاتل. فإذا كان المقتول حرًّا فيُقتل قاتله، ولا يزاد على ذلك فيُقتل به جماعة مثلًا. وإذا كان عبدًا فيُقتل قاتله, ولا يزاد على ذلك فيُقتل حرّ مثلًا. وإذا كان امرأة فيُقتل قاتلتها إن كانت امرأة, ولا يُزاد على ذلك فيُقتل رجل مثلًا, كما كان يفعل بعض القبائل في الجاهلية من أهل الكتاب أو غيرهم. |
![]() |
ثم ذكر سبحانه: أن القاتل إن تجاوز عنه أولياء المقتول وقبلوا بالعفو عنه وعدم قتله ورضوا بالدِّية، فالمشروع في هذه الحال: أن يطالب الأولياء بالدِّية دون تعنيف أو استعجال له مع عُسره, وأن يقوم هو بأدائها دون مماطلة أو إنقاص. وهذا التشريع من الله خاص بهذه الأمّة, خَفَّفَ عنها به ورحِمها دون ما سبقها من أمّة اليهود والنصارى؛ حيث لم يكن في شريعتهم قبول الدِّيات. |
![]() |
ثم توعَّد الله -جل وعلا- مَن اعتدى على القاتل بعد أخْذه منه الدية وقبوله بالعفو، بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة, فالقتل في الدنيا والنار في الآخرة. |
![]() |
هذه الآية كلام في غاية البلاغة, وكان أوجز كلام عند العرب في هذا المعنى: "القتلُ أنْفَى للقتل". وفضل هذا الكلام عليه من وجوه: |
![]() |
الأول: قلّة الحروف؛ فإن الملفوظ هنا عشرة أحرف إذا لم يعتبر التنوين حرفًا على حِدة، وهناك أربعة عشر حرفًا. | |
![]() |
الثاني: الاطّراد؛ إذ في كل قصاص حياة, وليس كل قتل أنفى للقتل؛ فإن القتل ظلمًا أدْعى للقتل. | |
![]() |
الثالث: ما في تنوين ((حَيَاةٌ)) من النوعية أو التعظيم. | |
![]() |
الرابع: صنعة الطباق بين القصاص والحياة؛ فإنّ ((الْقِصَاصِ)): تفويت الحياة فهو مقابلها. | |
![]() |
الخامس: النص على ما هو المطلوب بالذات, أعني: الحياة؛ فإنّ نفْي القتل إنما يطلب لها لا لذاته. | |
![]() |
السادس: الغرابة من حيث جعل الشيء فيه حاصلًا في ضدّه, ومن جهة أن المظروف إذا حواه الظرف صانه عن التفرّق, فكان ((الْقِصَاصِ)) فيما نحن فيه يحمي الحياة من الآفات. | |
![]() |
السابع: الخُلوّ عن التكرار مع التقارب؛ فإنه لا يخلو عن استبشاع. |
![]() |
الثامن: عذوبة اللفظ وسلاسته؛ حيث لم يكن فيه ما في قولهم من توالي الأسباب الخفيفة؛ إذ ليس في قولهم: حرفان متحرّكان على التوالي إلّا في موضع واحد؛ ولا شك أنه ينقص من سلاسة اللفظ وجريانه على اللسان. وأيضًا الخروج من "الفاء" إلى "اللام" أعدل من الخروج من "اللام" إلى الهمزة لبُعد الهمزة من "اللام". وكذلك الخروج من "الصاد" إلى "الحاء" أعدل من الخروج من "الألف" إلى "اللام". | |
![]() |
التاسع: عدم الاحتياج إلى الحيثية، وقولهم يحتاج إليها. | |
![]() |
العاشر: تعريف ((الْقِصَاصِ)) بـ"لام" الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم، المشتملة على الضرب والجرح والقتل وغير ذلك... وقولهم: لا يشمله. | |
![]() |
الحادي عشر: خُلوّه من "أفعل" الموهم: أن في الترك نفيًا للقتل أيضًا. | |
![]() |
الثاني عشر: اشتماله على ما يصلح للقتال وهو: "الحياة"، بخلاف قولهم فإنه يشتمل على نفي اكتنفه قتلان. | |
![]() |
الثالث عشر: خُلوّه عمَّا يوهمه ظاهر قولهم من كون الشيء سببًا لانتفاء نفسه وهو محال. إلى غير ذلك. |
![]() |
يبين الله سبحانه لعباده: الخير العميم في تشريعه القصاص؛ فهو في الحقيقة سبب في حفظ المُهَج وبقاء حياة أناس لولاه لما عاشوا؛ لأن مَن هَمَّ بالقتل يتذكّر القصاص فيرعوي وينزجر عن القتل, فيحيا من كان عازمًا على قتله ويحيا هو أيضًا حيث يسلم من الانتقام؛ بل ويحيا أفراد كثيرون لأن القتل يولِّد البغضاء والرغبة في الثأر, فربما تقاتلت أمّتان بسبب واحد فيفنى منهم كثيرون. |
![]() |
وقد بيّن سبحانه: أن الذي يَعي ذلك ويفهمه هم أصحاب العقول الواعية النيِّرة, ويكون ذلك رادعًا لهم عن الوقوع في القتل وسائر المعاصي, فيجتبون ما يُغضب الله تعالى, فيَسلمون من نقمته وعذابه. |
![]() |
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: "تُليت هذه الآية عند النبي -صلى الله عليه وسلم: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا))، فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله، ادْعُ الله أن يجعلني مستجابَ الدعوة! فقال: ((يا سعد، أطِبْ مَطعمَك تَكن مستجابَ الدعوة. والذي نفسُ محمّدٍ بيده! إن الرجل ليَقذف اللقمة الحرام في جوفه، فما يتقبل منه أربعين يومًا. وأيّما عبْدٍ نبت لحمُه مِن السُّحت والرِّبا فالنار أوْلى به)). |
![]() |
عن ابن عباس في قوله: ((وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ)) قال: "عمَله". |
![]() |
قوله: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا)) قيل: نزلت في المشركين الذين حرّموا على أنفسهم: البَحيرة والسائبة والوصيلة والحام. |
![]() |
وقيل: في عبد الله بن سلام وأضرابه؛ حيث حرَّموا على أنفسهم لحم الإبل لمّا كان حرامًا في دين اليهود. | |
![]() |
وقيل: في قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج؛ حيث حرَّموا التمر والأقِط على أنفسهم. |
![]() |
وقوله: ((حَلالًا)) أي: في حال كونه حلالًا من الله طيبًا أي: مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول. |
![]() |
ونهاهم عن اتّباع خطوات الشيطان وهي: طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم: البحائر والسوائب والوصائل ونحوها ممّا كان زينة لهم في جاهليتهم, كما في حديث عياض بن حمار الذي في "صحيح" مسلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((يقول الله تعالى: إن كلّ مال منحته عبادي فهو لهم حلال)), وفيه: ((وإني خلقْتُ عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجْتالتهم عن دينهم وحَرّمت عليهم ما أحْللتُ لهم)). |
![]() |
و"من" للتبعيض؛ لأنّ كل ما في الأرض ليس بمأكول. |
![]() |
وقوله: ((إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)): تنفير عنه وتحذير منه، كما قال: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)), وقال تعالى: ((أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)). |
![]() |
وقوله: ((إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)): تعليل للنهي. و((مُبِينٌ)): من: أبان بمعنى: بان وظهر أي: ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة، وإن كان يُظهر الولاية لمن يُغويه؛ ولذلك سُمِّي "وليًّا" في قوله تعالى: ((أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ)). وقيل: "أبان" بمعنى أظهر, أي: مظهر العداوة. |
![]() |
وقوله: ((إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ)): استئناف لبيان كيفية عداوته، وتفصيل لفنون شرّه وإفساده وانحصار معاملته معهم في ذلك، أو علّة للعلّة بضم: وكلّ مَن هذا شأنه فهو عدو مبين، أو علّة للأصل بضم: وكلّ من هذا شأنه لا يُتبع؛ فيكون الحكم معللًا بعلّتين: العداوة والأمر بما ذكر. |
![]() |
والمعنى: إنما يأمركم عدوّكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها: الفاحشة كالزنا ونحوه. |
![]() |
((وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)) أي: ويأمركم الشيطان بأن تفتروا على الله الكذب بأنه حرّم هذا وأحلّ هذا, أو بأنه أمر باتّخاذ الأنداد, ورضي بما أنتم عليه من الإفساد. ويدخل فيه: كلّ ما يضاف إلى الله تعالى ممّا لا يجوز عليه, فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضًا. |
![]() |
والتنصيص على الأمر بالتقول مع دخوله فيما سبق للاهتمام بشأنه. ومفعول العلم محذوف, أي: ما لا تعلمون الإذن فيه منه تعالى. والتحذير عن ذلك مستلزم للتحذير عن التقوّل عليه سبحانه بما يعلمون عدم الإذن فيه, كما هو حال كثير من المشركين استلزامًا ظاهرًا. |
![]() |
وقوله: ((إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ)): بيان لوجوب الإنهاء عن اتّباعه، وظهور عداوته, أي: لا يأمركم بخير قط. |
![]() |
((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ)): الضمير للناس, وعدل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات للنداء على ضلالهم؛ لأنه لا ضال أضل من المقلد, كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون. |
![]() |
قيل: هم المشركون، وقيل: هم طائفة من اليهود دعاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام, فقالوا: "بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا". | |
![]() |
وقيل: إنه راجع إلى من يتخذ, أو إلى المفهوم من الذين يكتمون. وأنت تعلم أن النزول في حق اليهود أو المشركين لا يقتضي تخصيص الضمير بهم. |
![]() |
يقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء الكفرة من المشركين: اتّبعوا ما أنزل الله على رسوله, واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل, قالوا في جواب ذلك: ((بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا)) أي: وجدنا، ((عَلَيْهِ آبَاءَنَا)) أي: من عبادة الأصنام والأنداد. قال الله تعالى منكرًا عليهم: ((أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ)) أي: الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم، ((لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ)) أي: ليس لهم فهْم ولا هداية. | |
![]() |
ثم ضرب لهم تعالى مثلًا كما قال تعالى: ((لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ)) فقال: ((وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: فيما هم فيه من الغيّ والضلال والجهل, كالدّواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها؛ بل إذا نعق بها راعيها, أي: دعاها إلى ما يرشدها، لا تفقه ما يقول ولا تَفهمه, بل إنما تسمع صوته فقط. | |
![]() |
ولا بد من مُضاف محذوف تقديره: ومَثَل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق, أو: ومثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق. | |
![]() |
والمعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودويّ الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار، كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجْر لها, ولا تفقه شيئًا آخر ولا تعي كما يفهم العقلاء ويَعُون. | |
![]() |
ويجوز أن يراد ((بِمَا لا يَسْمَعُ)): الأصمّ الأصلخ الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه إلا النداء والتصويت لا غير، من غير فهْم للحروف. |
![]() |
وقيل: معناه: ومثلهم في اتّباعهم آباءهم وتقليدهم، كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت، ولا تفهم ما تحته؛ فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون أهُم على حق أم باطل. | |
![]() |
وقيل: إنما هذا مثل ضُرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تُبصر ولا تعقل شيئًا؛ اختاره ابن جرير. والأوّل أوْلى؛ لأن الأصنام لا تسمع شيئًا ولا تعقله ولا تبصره, ولا بطش لها ولا حياة فيها. | |
![]() |
قال الألوسي: "أو تمثيلهم في دعائهم الأصنام بالناعق في نعقه, وهذا يغني عن الإضمار؛ لكن لا يساعده قوله تعالى: ((إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً))؛ لأن الأصنام بمعزل عن ذلك؛ فلا دخل للاستثناء في التشبيه إلّا أن يُجعل من التشبيه المركّب, ويلتزم كون مجموع ((لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً)) كناية عن عدم الفهم والاستجابة. |
![]() |
وقوله: ((صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ)) أي: صُمٌّ عن سماع الحق، بُكْم لا يتفوّهون به، عُمْي عن رؤية طريقه ومسلكه. ((فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ)) أي: لا يعقلون شيئًا ولا يفهمونه، كما قال تعالى: ((وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)). |
![]() |
((فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ)) أي: لا يدركون شيئًا لفقدان الحواس الثلاثة. وقد قيل: مَن فقد حسًّا فَقَدْ فَقَدَ علمًا, وليس المراد نفي العقل الغريزي باعتبار انتفاء ثمرته كما قيل به، لعدم صحّة ترتّبه بـ"الفاء" على ما قبله. |
![]() |
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالأكل من طيّبات ما رزقهم تعالى, وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده. | |
![]() |
والأكل من الحلال سبب لتقبّل الدعاء والعبادة, كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة. | |
![]() |
والآية: إمّا أمر للمؤمنين بما يليق بشأنهم من طلب الطيبات وعدم التوسع في تناول ما رزقوا من الحلال؛ إذ لم يُستفد من الأمر السابق في قوله: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا)). وإمّا أمْر لهم على طبق ما تقدَّم, إلّا أن فائدة تخصيصهم بعد التعميم: تشريفهم بالخطاب، وتمهيد لطلب الشكر. |
![]() |
الأولى: قوله: ((كُلُوا)): الأمر للوجوب فيما إذا كان الأكل لقوام البنْية مثلًا، وللندب كما إذا كان لمؤانسة الضيف مثلًا، وللإباحة فيما عدا ذلك. |
![]() |
الثانية: قوله: ((مِمَّا فِي الأَرْضِ)) يجوز أن تكون "مِن" هنا: ابتدائية؛ بل قال بعضهم: هي متعيّنة, وفي ذلك دليل على: أن الأصل في الأشياء: الإباحة؛ وهو الصحيح، بخلاف العبادات فالأصل فيها: المنع. |
![]() |
وقوله تعالى: ((طَيِّبًا)): صفة ((حَلالًا)) ومعناه كما قال الإمام مالك: "ما يجده في الشرع لذيذًا لا يعافه ولا يكرهه, أو تراه عينه طاهرًا عن دنس الشبهة". | |
![]() |
وفائدة وصف الحلال به: تعميم الحكم كما في قوله تعالى: ((وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ))، ليحصل الرد على من حرَّم بعض الحلال؛ فإن النكرة الموصوفة بصفة عامة تعمّ، بخلاف غير الموصوفة. | |
![]() |
وقال الإمام الشافعي: "المراد به: ما تستطيبه الشهوة المستقيمة الناشئة من المزاج الصحيح". | |
![]() |
ورُدَّ بأن ما لا تستطيبه إمّا حلال لا شبهة فيه فلا منع، وإلا خرج بقيد الحلال. | |
![]() |
وأجيب: بأن المراد بـ"الحلال": ما نصَّ الشارع على حِلِّه، وبـ"الطّيِّب": ما لم يَرِدْ فيه نص, ولكنه مما يستلذ ويشتهيه الطبع المستقيم ولم يكن في الشرع ما يدل على حرمته كإسكار وضرر. والأوْلى نظرًا للمقام أن يقال: إن التقييد ليس للاحتراز عمَّا تستطيبه الشهوة الفاسدة, بل لكونه معتبرًا في مفهومه؛ إذ لا يقال الطيب واللذيذ إلّا على ما تستلذّه الشهوة المستقيمة, وتكون فائدة التوصيف حينئذ التنصيص على إباحة ما حرّموه. |
![]() |
الثالثة: إن قلت: كيف كان الشيطان آمرًا مع قوله: ((لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ))؟ [الحجر: ٤٢]. |
![]() |
قلت: شبّه تزيينه وبعثه على الشر بأمْر الآمر, كما تقول: "أمرَتْني نفسي بكذا"، وتحته رمز إلى: أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسَه؛ ولذلك قال: ((وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ)) [النساء: ١١٩]، وقال الله تعالى: ((إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)) [يوسف: ٥٣]، لمّا كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت. كذا قال الزمخشري. | |
![]() |
والذي يظهر: أن الأمر هنا متعلق بالكفار والمشركين ومَن تبعه، وأمّا نفي السلطان فإنما هو عن المؤمنين, كما قال تعالى: ((إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ))، وقال: ((إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)). | |
![]() |
كما أنه لا مانع إن قيل بالعموم: إن يأمر فيُعْصَى من البعض, ويطاع من البعض الآخر, وأمره إنما هو وسوسته وتزيينه الباطل. |
![]() |
الرابعة: ظاهر الآية: المنع من اتّباع الظن رأسًا؛ لأنّ الظن مقابل للعلم لغةً وعرفًا. ويشكل عليه: أن المجتهد يعمل بمقتضى ظنه الحاصل عنده من النصوص, فكيف يسوغ اتّباعه للمقلد؟ |
![]() |
وأجيب: بأن الحكم المظنون للمجتهد يجب العمل به للإجماع على ذلك. وخلاصته: إن الظن كافٍ في طريق تحصيله، ثم بواسطة الإجماع على وجوب العمل صار المظنون معلومًا, وانقلب الظن علمًا؛ فتقليد المجتهد ليس من اتّباع الظن في شيء, وتحقيق ذلك في الأصول. |
![]() |
الخامسة: قيل: في الآية دليل على: المنع من التقليد لمَن قدر على النظر. وأمّا اتّباع الغير في الدين بعد العلم بدليل ما إنه مُحقّ فاتباع في الحقيقة لما أنزل الله تعالى, وليس من التقليد المذموم في شيء. وقد قال سبحانه: ((فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)). |
![]() |
وعن ابن عباس في قوله: ((فَمَنِ اضْطُرَّ)): "يعني: إلى شيء ممّا حرّم، ((غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ)) يقول: من أكل شيئًا من هذه وهو مضطر فلا حرج, ومن أكله وهو غير مضطر فقد بغَى واعتدى". وقال: ((غَيْرَ بَاغٍ)): "في الميتة، ((وَلا عَادٍ)) قال: "في أكله". |
![]() |
وعن مجاهد في قوله: ((غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ)) قال: "غير باغ على المسلمين، ولا مُعتدٍ عليهم مَن خرج يقطع الرحم أو يقطع السبيل، أو يفسد في الأرض، أو مفارقًا للجماعة والأئمة، أو خرج في معصية الله، فاضطر إلى الميتة لم تحلّ له". |
![]() |
وعن سعيد بن جبير في قوله: ((فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ)) قال: "العادي الذي يقطع الطريق لا رخصة له. ((فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)) يعني: في أكله حين اضطُر إليه. (( إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) يعني: لمّا أكل من الحرام, رحيم به إذ أحلّ له الحرام في الاضطرار". |
![]() |
وقال سعيد في رواية عنه ومقاتل بن حيان: "((غَيْرَ بَاغٍ)) يعني: غير مستحلّ". |
![]() |
وقوله: ((إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)) بمنزلة التعليل لطلب الشكر؛ كأنه قيل: واشكروا له؛ لأنكم تخصّونه بالعبادة, وتخصيصكم إياه بالعبادة يدل على: أنكم تريدون عبادة كاملة تليق بكبريائه, وهي لا تتم إلّا بالشكر؛ لأنه من أجلّ العبادات؛ ولذا جُعل نصف الإيمان. وورد من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: ((يقول الله تعالى: إني والإنس والجنّ لفي نبأ عظيم: أخْلق ويُعبد غيري, وأرزق ويشكر سواي)). |
![]() |
ولما امتنَّ تعالى عليهم برزقه, وأرشدهم إلى الأكل من طيِّبه, ذكَر أنه لم يُحرِّم عليهم من ذلك إلّا الميتة وهي: التي تموت حتف أنفها من غير تذكية, وسواء قضاء أو موقوذة أو متردّية أو نطيحة أو عدا عليها السبع. |
![]() |
وقوله: ((إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ)) أي: أكْلها والانتفاع بها. وأضاف الحرمة إلى العين مع أنّ الحرمة من الأحكام الشرعية التي هي من صفات فعْل المكلّف وليست ممّا تتعلق بالأعيان، إشارة إلى حرمة التصرف في الميتة من جميع الوجوه, إلا ما خصّه الدليل كالتصرف بالمدبوغ. |
![]() |
وقوله: ((وَالدَّمَ)): قُيِّد في سورة (الأنعام) بالمسفوح. |
![]() |
وكذلك حرّم عليهم لحم الخنزير سواء ذُكِّيَ أم مات حتف أنفه, ويدخل شحمه في حُكم لحمه، إما تغليبًا, أو أن اللحم يشمل ذلك, أو بطريق القياس على رأي. | |
![]() |
وكذلك حرَّم عليهم ما أُهِلَّ به لغير الله وهو: ما ذُبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام, ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له. |
![]() |
((وَمَا أُهِلَّ بِهِ)) أي: برفْعه الصوت لغير الله تعالى؛ وذلك مثل قول أهل الجاهلية: "باسم اللات والعزى". |
![]() |
قال الألوسي: "والمراد بـ"غير الله تعالى": الصنم وغيره كما هو الظاهر. وذهب عطاء ومكحول والشعبي والحسن وسعيد بن المسيب إلى تخصيص "الغير" بالأوّل أي: بالصنم. وأباحوا ذبيحة النصراني إذا سمّى عليها باسم المسيح؛ وهذا خلاف ما اتفق عليه الأئمة من التحريم". | |
![]() |
ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها عند فقْد غيرها من الأطعمة, فقال: ((فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ)) أي: في غير بغْي ولا عدوان وهو: مجاوزة الحد. وقيل: غير باغٍ على مضطرّ آخَر بالاستيثار عليه, ولا عاد سد الجوعة. وقيل غير ذلك. | |
![]() |
وخالف في ذلك الإمام مالك فقال: "يأكل منها حتى يشبع ويتزوّد, فإن وجد غنًى عنها طرحها". ونُقِلَ عن الشافعي: أن المراد: ((غَيْرَ بَاغٍ)) على الوالي، ((وَلا عَادٍ)) بقطع الطريق. وجعل من ذلك: السفر في معصية؛ فالعاصي في سفره لا يباح له الأكل من هذه المحرّمات؛ وهو المرويّ عن الإمام أحمد أيضًا. | |
![]() |
واستدل بعموم الآية على: جواز أكل المضطر ميتة الخنزير والآدمي، خلافًا لمَن مَنَع ذلك. |
![]() |
((فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)) أي: في أكل ذلك. ((إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)). |
![]() |
الأولى: قال الزمخشري: ((مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)): مِن مستلذّاته؛ لأن كلّ ما رزقه الله لا يكون إلا حلالًا. |
![]() |
قلت: هذا على مذهب المعتزلة في اختصاص الرزق بالحلال, وقد سبق في أول السورة: أن الصواب: شمول الرزق للحلال والحرام. |
![]() |
الثانية: إن قلت في المَيتات ما يَحل وهو: السمك والجراد، لقوله تعالى: ((أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ))، وكما في الحديث في البحر: ((هو الطّهور ماؤه، الحِلُّ ميْتته)), وحديث العنبر في الصحيح, وحديث: ((أُحِلَّ لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال)). فكيف نوفّق بينه وبين الآية؟ |
![]() |
قلت: قصَد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة. ألا ترى أن القائل إذا قال: "أكل فلان ميْتة" لم يسبق الوهم إلى السمك والجراد, كما لو قال: "أكل دمًا" لم يسبق إلى الكبد والطحال. ولاعتبار العادة والتعارف قالوا: مَن حلف لا يأكل لحمًا فأكل سمكًا لم يَحنث, وإن أكل لحمًا في الحقيقة؛ قال الله تعالى: ((لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا)) [النحل: ١٤]، وشبّهوه بمن حلف لا يركب دابة فركب كافرًا لم يَحنث, وإن سمّاه الله تعالى "دابة" في قوله: ((إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا)) [الأنفال: ٥٥]. |
![]() |
نعم حرَّم بعضهم ميتة السمك الطافي، وما مات من الجراد بغير سبب؛ وعليه أكثر المالكية. واستُدل بعموم الآية على: تحريم الأجنّة، وتحريم ما لا نفس له سائلة، خلافًا لمن أباحه من المالكية. |
![]() |
الثالثة: ألحق بـ((الْمَيْتَةَ)) ما أُبِين من حيّ، للحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي وحسّنه، عن أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم-: ((ما قُطع من البهيمة وهي حيّة فهي ميتة)). |
![]() |
الرابعة: لبَن الميتة وبيْضها المتّصل بها نَجس عند الشافعي وغيره؛ لأنه جزء منها. وقال مالك في رواية: "هو طاهر، إلا أنه ينجس بالمجاورة". وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف, والمشهور عندهم: أنها نجسة. وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جُبن المجوس, فقال القرطبي في "التفسير": "ههنا يخالط اللبن منها يسير ويُعفى عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع". |
![]() |
وقد روى ابن ماجة من حديث سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان -رضي الله عنه: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن السّمن والجُبن والفراء فقال: ((الحلال ما أحلّ الله في كتابه, والحرام ما حرّم الله في كتابه, وما سَكت عنه فهو ممّا عفا عنه)). | |
![]() |
قلت: الحديث لا يثبت. |
![]() |
الخامسة: فإن قلت: فما له ذكَر لحم الخنزير دون شحمه؟ |
![]() |
قلت: لأنَّ الشحم داخل في ذكر اللحم؛ لكونه تابعًا له وصفة فيه, بدليل قولهم: "لحم سمين" يريدون أنه شحيم. | |
![]() |
وقال الألوسي: "خصَّ اللحم بالذكْر مع أن بقية أجزائه أيضًا حرام، خلافًا للظاهرية؛ لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر أجزائه كالتابع له". | |
![]() |
قلت: ظلم الألوسي أهل الظاهر لأنهم يحرمون كلّ الخنزير مثل الجمهور، ولكن كما ذكر ابن حزم لرجوع الضمير في قوله تعالى: ((أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ)) إلى: الخنزير لا إلى لحمه لأنه أقرب مذكور. | |
![]() |
واستدل بعض أهل العلم بعموم الخنزير على: حرمة خنزير البحر. وقال الشافعي: لا بأس به. وروي عن الإمام مالك أنه قال له شخص: ما تقول في خنزير البحر؟ فقال: حرام. ثم جاء آخر فقال له: ما تقول في حيوان في البحر على صورة الخنزير؟ فقال: حلال. فقيل له في ذلك، فقال: "إن الله تعالى حرّم الخنزير، ولم يحرّم ما هو على صورته, والسؤال مختلف في الصورتين". | |
![]() |
قلت: لا شك أن تحريم خنزير البحر من أبطل الباطل, ولو سمَّى الناس الخنزير دجاجة لما حلَّ, فالعبرة بحقيقة الشيء لا بما يطلق عليه من أسماء. |
![]() |
السادسة: في معرض الكلام على ما أهلَّ به لغير الله: |
![]() |
ذكر القرطبي عن ابن عطية: أنه نقل عن الحسن البصري: "أنه سئل عن امرأة عملت عرسًا للُعبها فنحرت فيه جزورًا فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم". وأورد القرطبي عن عائشة -رضي الله عنه-: "أنها سئلت عمَّا يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين، فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه, وكلوا من أشجارهم". |
![]() |
السابعة: إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى, فإنه لا يحل له أكل الميتة؛ بل يأكل طعام الغير بغير خلاف. وإذا أكله والحالة هذه، هل يضمن أم لا؟ فيه قولان هما روايتان عن مالك. وفي "سنن" ابن ماجة عن عباد بن شرحبيل العنزي قال: "أصابتنا عامًا مخمصة, فأتيت المدينة فأتيت حائطًا فأخذت سنبلًا ففركْته وأكلته, وجعلت منه في كسائي. فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي. فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، فقال للرجل: ((ما أطعمتَه إذ كان جائعًا ولا ساعيًا، ولا علّمتَه إذ كان جاهلًا. فأمَره فردّ إليه ثوبه. وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق)). |
![]() |
قال ابن كثير: "إسناد صحيح قويّ جيّد، وله شواهد كثيرة. ومن ذلك: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الثمر المعلّق فقال: ((من أصاب منه من ذي حاجة بِفيه غير متّخذ خبْنة، فلا شيء عليه)). |
![]() |
الثامنة: قول مسروق: "من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات، دخل النار" يقتضي: أن أكْل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة. قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا الهراسي رفيق الغزالي في الاشتغال: "وهذا هو الصحيح عندنا، كالإفطار للمريض ونحو ذلك". |
![]() |
عن عكرمة في قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ)) والتي في (آل عمران): ((إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا)) [آل عمران: ٧٧] نزلتا جميعًا في يهود. |
![]() |
وعن السدي في الآية، قال: "كتموا اسم محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأخذوا عليه طمعًا قليلًا". |
![]() |
يقول تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ)) يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد -صلى الله عليه وسلم- في كتبهم التي بأيديهم، ممّا تشهد له بالرسالة والنبوّة, فكتموا ذلك لئلَّا تذهب رياستهم, وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم آباءهم, فخشوا -لعنهم الله- إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم, فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل من ذلك وهو نزر يسير, فباعوا أنفسهم بذلك, واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله بذلك النزر اليسير, فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة. |
![]() |
أما في الدنيا، فإن الله أظهر لعباده صدْق رسوله بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات, فصدّقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه, وصاروا عونًا له على قتالهم, وباؤوا بغضب على غضب, وذمّهم الله في كتابه في غير موضع. فمن ذلك: هذه الآية الكريمة: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا)) وهو عرَض الحياة الدنيا. |
![]() |
((أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلّا النَّارَ)) أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارًا تأجّج في بطونهم يوم القيامة, كما قال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا)). |
![]() |
وفي الحديث الصحيح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجرجر في بطنه نار جهنم)). |
![]() |
وقوله: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَاب)) المشتمل على فنون الأحكام التي من جملتها: أحكام المحلّلات والمحرمات. |
![]() |
((وَيَشْتَرُونَ بِهِ)) أي: يأخذون بدله في نفس الأمر, والضمير للكتاب، أو لما أنزل، أو للكتمان، ((ثَمَنًا قَلِيلًا)) أي: عوضًا حقيرًا. |
![]() |
((أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلّا النَّارَ)): إمّا في الحال كما هو أصل المضارع؛ لأنهم أكلوا ما يتلبس بـ((النَّارَ)) وهو: الرّشا لكونها عقوبة لها؛ فيكون في الآية استعارة تمثيلية. وإما في المآل أي: لا يأكلون يوم القيامة إِلا النَّار. فالنار في الاحتمالين مستعمل في معناه الحقيقي. |
![]() |
وقيل: إنها مجاز عن الرّشا إذا أريد الحال والعلاقة السببية والمسببية، وحقيقة إذا أريد المآل, ولا يخفى أن الأوّل هو الأليق بمقام الوعيد. |
![]() |
((وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) أي: كلام رحمة كما قال الحسن, فلا ينافي سؤاله سبحانه إياهم. وقيل: لا يكلّمهم أصلًا لمزيد غضبه -جل جلاله- عليهم؛ لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقّوا الغضب، والسؤال بواسطة الملائكة. فلا ينظر إليهم. |
![]() |
((وَلا يُزَكِّيهِمْ)) أي: لا يطهّرهم من دنس الذنوب، أو لا يثني عليهم ويمدحهم. ((وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) أي: مؤلم. |
![]() |
وقد جاءت هذه الأخبار مرتبة بحسب المعنى؛ لأنه لما ذكّر سبحانه اشتراءهم بذلك الثمن القليل، وكان كناية عن مطاعمهم الخبيثة الفانية، بدأ أولًا في الخبر بقوله تعالى: ((مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ))، ثم قابل كتمانهم الحق وعدم التكلم به بقوله تعالى: ((وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ)) تعالى. وابتنى على كتمانهم واشترائهم بما أنزل الله تعالى ثمنًا قليلًا: أنهم شهود زور وأحبار سوء آذوا بهذه الشهادة الباطلة رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- وآلموه، فقوبلوا بقوله سبحانه: ((وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)). | |
![]() |
وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه ها هنا حديث أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ثلاثة لا يكلّمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملِك كذاب، وعائل مستكبر)). |
![]() |
ثم قال تعالى مخبرًا عنهم: ((أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى)) أي: اعتاضوا عن الهدى وهو: نشْر ما في كُتبهم من صفة الرسول، وذكْر مبعثه، والبشارة به من كُتب الأنبياء، واتّباعه وتصديقه, استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه: الضلالة وهو: تكذيبه والكفر به، وكتمان صفاته في كُتبهم. |
![]() |
((وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ)) أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب وهو: ما تعاطوه من أسبابه المذكورة. |
![]() |
وقوله تعالى: ((فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)): يخبر تعالى: أنهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجّب مَن رآهم فيها مِن صبْرهم على ذلك، مع شدّة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال، عياذًا بالله من ذلك. |
![]() |
وقيل: معنى قوله: ((فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)) أي: فما أدْومهم لعمل المعاصي التي تُفضي بهم إلى النار. |
![]() |
وقوله تعالى: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)) أي: إنما استحقوا هذا العذاب الشديد؛ لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- وعلى الأنبياء قبْله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل, وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوًا. فكِتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشْره، فخالفوه وكذّبوه. وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى, ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن... |
| ...المنكر، وهم يُكذبونه ويخالفونه ويجحدونه ويكتمون صفته, فاستهزؤوا بآيات الله المنزلة على رسله؛ فلهذا استحقوا العذاب والنكال، ولهذا قال: ((ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)). |
![]() |
الأولى: لماذا قال: ((يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ))؟ وهل يكون الأكل إلا في البطون؟ |
![]() |
الجواب: هذا من باب التأكيد مثل: قوله تعالى: ((يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ)) [البقرة: ٧٩]، وقوله: ((يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ)) [آل عمران: ١٦٧]. | |
![]() |
وتصوّر النار في داخل البطون يطبع في مخيّلة السامع تمكّن العذاب منهم؛ حيث تأكلهم النار من داخلهم فلا يستطيعون الانفكاك عنها. | |
![]() |
والظرفية بلفظة ((في))، وإن لم تقتض استيعاب المظروف الظرف, لكنه شاع استعمال ظرفية البطن في الاستيعاب كما شاع ظرفية بعضه في عدمه كقوله: |
![]() |
الثانية: في الآية إثبات لصفة الكلام لله سبحانه، خلافًا لمَن نفاها من الفِرق المنحرفة عن طريق أهل السنة والجماعة. وهي صفة تليق بجلاله سبحانه، لا تشبه صفة المخلوق. نُثبتها له من غير تكييف، ولا تعطيل، ولا تشبيه. |