... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


خلق الله للعوالم، وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده دون سواه:

الآية (١٦٤) من سورة (البقرة)

((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)).

الآثار
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: "أتت قريش محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا محمد، إنا نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، فنشتري به الخليل والسلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك. قال: ((أوثقوا لي لئن دعوتُ ربي فجعل لكم الصفا ذهبًا، لتؤمننّ بي)). فأوثقوا له، فدعا ربّه. فأتاه جبريل فقال: إن ربّك قد أعطاهم الصفا ذهبًا على: أنهم إن لم يؤمنوا بك عذّبهم عذابًا لم يعذّبه أحدًا من العالمين. قال محمد -صلى الله عليه وسلم: ((رب لا، بل دعْني وقومي فلأدْعُهم يومًا بيوم)). فأنزل الله هذه الآية:

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ...)) الآية. وزاد ابن أبي حاتم: "وكيف يسألونك الصفا، وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا؟!".
وعن أبي مالك في قوله: ((وَالْفُلْكِ)) قال: "السفينة".
عن السدي في قوله: ((وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ)) قال: "((بَثَّ)): خلَق".
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أقلوا الخروج إذا هدأت الرِّجل؛ إنّ الله يبث من خلقه بالليل ما شاء)).
عن قتادة في قوله: ((وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ)) قال: "إذا شاء جعلها رحمة لواقح للسحاب، ونشرًا بين يدي رحمته. وإذا شاء جعلها عذابًا ريحًا عقيمًا لا تلقح".
وعن أبيّ بن كعب قال: "كلّ شيء في القرآن من ((الرِّيَاح)) فهي رحمة. وكل شيء في القرآن من ((الرِّيح)) فهو عذاب.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((نُصرت بالصبا، وأهلِكت عاد بالدبور)).

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


وأخرج أبو الشيخ عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((الجنوب من ريح الجنة)).
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "السحاب"، وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((ريح الجنوب من الجنة، وهي من اللواقح وفيها منافع للناس. والشمال من النار، تخرج فتمر بالجنة فتصيبها نفحة من الجنة، فبردها من ذلك)).
وأخرج ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في "مسنديهما"، والبخاري في "تاريخه"، والبزار وأبو الشيخ عن أبي ذر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الله خلق في الجنة ريحًا بعد الريح بسبع سنين، من دونها باب مغلق؛ إنما يأتيكم الروح من خلل ذلك الباب. ولو فتح ذلك الباب، لأذْرت ما بين السماء والأرض. وهي عند الله: الأزيب، وعندكم: الجنوب)).
وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي في "سننه"، عن أبي هريرة قال: "أخذت لنا الريح بطريق مكة وعمر حاج، فاشتدت. فقال عمر لمن حوله: ما بلغكم في الريح؟ فقلت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((الريح من رَوْح الله، تأتي بالرحمة والعذاب؛ فلا تسبّوها وسَلوا الله من خيْرها وعوذوا بالله من شرِّها)).
وأخرج الشافعي عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبّوا الريح، وعوذوا بالله من شرها)).

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


وأخرج البيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عباس: "أن رجلًا لعن الريح، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تلعن الريح فإنها مأمورة. وإنه مَن لعَن شيئًا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه))".
وأخرج الشافعي وأبو الشيخ والبيهقي في المعرفة عن ابن عباس قال: "ما هبّت ريح قط إلا جثا النبي -صلى الله عليه وسلم- على ركبتيه وقال: ((اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذابًا. اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا))".
قال ابن عباس: "والله إن تفسير ذلك في كتاب الله: ((فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا))، ((أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ))، وقال: ((وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ))، ((أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ))".
وأخرج الترمذي والنسائي وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا الريح فإنها من روح الله، وسلوا الله خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وتعوّذوا بالله من شرها وشر ما فيها وشرّ ما أرسلت به)).
وعن مجاهد قال: "هاجت ريح فسبّوها. فقال ابن عباس: لا تسبوها؛ فإنها تجيء بالرحمة وتجيء بالعذاب، ولكن قولوا: اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذابًا".

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تسبوا الليل والنهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الريح؛ فإنها تبعث عذابًا على قوم ورحمة على آخرين)).

أقوال المفسرين
يقول الله تعالى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)) أي: تلك في ارتفاعها ولطافتها واتّساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع.
((وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)): هذا يجيء ثم يذهب، ويخلفه الآخر ويعقبه لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: ((لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)) (يس: ٤٠). وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا، ثم يتعاوضان كما قال تعالى: ((يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)) أي: يزيد في هذا ومن هذا في هذا.
وقدّم الليل قيل : لسبقه في الخلق، أو لشرفه.

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


((وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ)) أي: في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب لمعايش الناس والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء.
((بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ)): "ما: إما مصدرية أي: بنفعهما، أو موصولة أي: بالذي ينفعهم. وعلى الأول: ضمير الفاعل إمّا للفلك لأنه مذكّر اللفظ مؤنث المعنى كما قيل، أو للجري، أو للبحر.
((وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)) كما قال تعالى: ((وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ)).
والمراد ((مِنَ السَّمَاءِ)): جهة العلو. ((فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ)) بتهييج قواها النامية، وإظهار ما أودع فيها من أنواع النبات والأزهار والأشجار ((بَعْدَ مَوْتِهَا)) وعدم ظهور ذلك فيها لاستيلاء اليبوسة عليها حسبما تقتضيه طبيعتها.
((وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ)) أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: ((وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)).

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


ومعنى بثهّا: تكثيرها بالتوالد والتولد. فالاستدلال بتكثير كل نوع ممّا يدب على الأرض وعدم انحصاره في البعض.
وقيل: ((مِنْ)): تبعيضية؛ لأن الله تعالى لم يبث إلا بعض الأفراد بالنسبة إلى ما في قدرته، على أنه أثبت الزمخشري دوابًّا في السماء أيضًا. وفيه: أنّ بث كل نوع مما يدب على الأرض لا ينافي كون بعض أفراده مقدّرا ولا وجود له في السماء.
وسببية إنزال الماء للبث باعتبار أن الماء سبب حياة المواشي والدواب، والبث فرع الحياة.
((وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ)) أي: فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشّرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرّقه، وتارة تصرفه. ثم تارة تأتي من الجنوب وهي: الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن، وتارة صبا وهي: الشرقية التي تصدم وجه الكعبة، وتارة دبورًا وهي: غربية تنفذ من ناحية دبر الكعبة. وفي أحوالها حارة وباردة، وعاصفة وليّنة، وعقيما ولواقح. وقيل: تارة بالرحمة وتارة بالعذاب.
وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبًا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، والله أعلم.
وعقَّب إحياء الأرض بالمطر وبث كل دابة فيها بتصريف الرياح؛ لأن في ذلك تربية النبات وبقاء حياة الحيوانات التي تدب على وجه الأرض. ولو أمسك الله تعالى الريح ساعة لأنتن ما بين السماء والأرض كما نطق به بعض الآثار.

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


((وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)) أي: سائر بين السماء والأرض مسخّر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى وسخر للرياح تقلبه في الجو بمشيئة الله يمطر حيث شاء.
ومعنى تسخيره: أنه لا ينزل ولا يزول، مع أن الطبع يقتضي صعوده إن كان لطيفًا وهبوطه إن كان كثيفًا.
وتعقيب تصريف الرياح بالسحاب؛ لأنه كالمعلول للرياح، كما يشير إليه قوله تعالى: ((وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا)) (فاطر: ٩)، ولأن في جعله ختم المتعاطفات مراعاة في الجملة لما بدئ به منها؛ لأنه أرضي سماوي، فينتظم بدء الكلام وختمه.
((لآياتٍ)) أي: في هذه الأشياء دلالات بيّنة على وحدانية الله تعالى ((لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)): ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون؛ لأنها دلائل على عظيم القدرة وباهر الحكمة، كما قال تعالى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)).
وفيها: تعريض بجعل المشركين الذين اقترحوا على النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- آية تصدّقه، وتسجيل عليهم بسخافة العقول، وإلا فمن تأمل في تلك الآيات وجد كلًّا منها مشتملًا على وجوه كثيرة من الدلالة على وجوده تعالى ووحدانيته وسائر صفاته الكمالية الموجبة لتخصيص العبادة به تعالى واستغنى عن سائرها.


... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


مسائل حول الآية
لماذا جمع الله ((السَّمَوَات)) وأفرد ((الأَرْض))؟
الجواب: قيل: للانتفاع بجميع أجزاء الأولى، باعتبار ما فيها من نور كواكبها وغيره، دون الثانية؛ فإنه إنما ينتفع بواحدة من آحادها وهي: ما نشاهده منها.
وقال أبو حيان: "لم تُجمع الأرض؛ لأن جمعها ثقيل، وهو مخالف للقياس. ورب مفرد لم يقع في القرآن جمعه لثقله وخفة المفرد، وجمْع لم يقع مفرده كـ((الألْبَاب)) وفي المثل السائر نحوه".
وقال بعض المحققين: جمَع ((السَّمَوَات)) لأنها طبقات ممتازة كلّ واحدة من الأخرى بذاتها الشخصية، كما يدل عليه قوله تعالى: ((فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)) سواء كانت متماسة أو لا، لما أن الاختلاف في الآثار المشار إليه بقوله تعالى: ((وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا)) يدل عليه. ولم يجمع ((الأَرْض))؛ لأنّ طبقاتها ليست متّصفة بجميع ذلك.


... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


النهي عن اتخاذ الأنداد لله, وعقوبة من فعل ذلك
الآيات (١٦٥- ١٦٧) من سورة (البقرة)
((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)).
الآثار
عن مجاهد في قوله: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)) قال: "مباهاة ومضارة للحق بالأنداد، ((وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)) قال: من الكفار لآلهتهم".
عن السدي في الآية قال: "الأنداد من الرجال يطيعونهم كما يطيعون الله، إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا الله".
-عن عكرمة: "((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا)) أي: شركاء ((يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)) أي: يحبون آلهتهم كحب المؤمنين لله، ((وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)) قال: من الكفار لآلهتهم أي: لأوثانهم".

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


عن قتادة في قوله: ((يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)) قال: "يحبون أوثانهم كحب الله. ((وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)) من الكفار لأوثانهم".
عن الزبير في قوله: ((وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)) قال: "ولو ترى -يا محمد- الذين ظلموا أنفسهم، فاتخذوا من دوني أندادًا يحبونهم كحبكم إياي، حين يعاينون عذابي يوم القيامة الذي أعددتُ لهم، لعَلمتم أنّ القوة كلها لي دون الأنداد والآلهة، وأن الأنداد والآلهة لا تغني عنهم هنالك شيئًا، ولا تدفع عنهم عذابًا أحللت بهم، وأيقنتم أني شديدٌ عذابي لمن كفرني وادّعى معي إلهًا غيري".
عن جعفر بن محمد قال: "كان في خاتم: إن القوة لله جميعًا".
عن قتادة في قوله: ((إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا)) قال: "هم الجبابرة والقادة والرؤوس في الشر والشرك. ((مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا)) وهم: الأتباع والضعفاء".
عن السدي في قوله: ((إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا)) قال: "هم الشياطين تبرؤوا من الإنس".
عن ابن عباس في قوله: ((وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ)) قال: "المودّة", وقال: "المنازل"، وقال: "الأرحام".
عن مجاهد في قوله: ((وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ)) قال: "الأوصال التي كانت بينهم في الدنيا والمودة".
عن الربيع: ((وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ)) قال: "أسباب المنازل".

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


عن قتادة في قوله: ((وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ)) قال: "أسباب الندامة يوم القيامة، والأسباب التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها ويتحابون بها؛ فصارت عداوة يوم القيامة يلعن بعضهم بعضًا".
عن قتادة في قوله: ((وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً)) قال: "رجعة إلى الدنيا".
عن أبي العالية في قوله: ((كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ)) يقول: "صارت أعمالهم الخبيثة حسرة عليهم يوم القيامة".
عن عكرمة في قوله: ((وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)) قال: "أولئك أهلها الذين هم أهلها".
عن ثابت بن معبد قال: "ما زال أهل النار يأملون الخروج منها، حتى نزلت: ((وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ))".

أقوال المفسرين

يذكر الله تعالى حال المشركين به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة؛ حيث جعلوا له أندادًا -أي أمثالًا ونظراء- يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له، ولا ند له، ولا شريك معه.

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


ومعنى: ((يُحِبُّونَهُمْ)): يعظّمونهم ويخضعون لهم تعظيم المحبوب.
((كَحُبِّ اللَّهِ)): كتعظيم الله والخضوع له أي: كما يحَب الله تعالى.
وقيل: كحبهم الله أي: يسوون بينه وبينهم في محبتهم؛ لأنهم كانوا يقرّون بالله ويتقربون إليه.
وضمير الجمع المنصوب راجع إلى الأنداد. فإن أريد بها الرؤساء فواضح، وإلا فالتعبير عنها بضمير العقلاء باعتبار ذلك الزعم الباطل أنهم أنداد الله تعالى.
وفي "الصحيحين" عن عبد الله بن مسعود قال: "قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله ندًّا وهو خلَقك)).
وقوله: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)) لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره، بخلاف المشركين فإنهم يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد؛ فيفزعون إليه ويخضعون له، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه فيقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويعبدون الصنم زمانًا ثم يرفضونه إلى غيره أو يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها المصنوع من الحيس عام المجاعة.

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


ولحب المؤمنين لله وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه ويلجؤون في جميع أمورهم إليه.
ثم توعّد تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك، فقال: ((وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)).
و((الَّذِينَ ظَلَمُوا)): إشارة إلى متخذي الأنداد. وتقدير الكلام: لو عاينوا العذاب، لعلموا حينئذ: أنّ القوة لله جميعًا أي: أن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه. ((وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ))، كما قال: ((فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ)) يقول: لو يعلمون ما يعاينونه هنالك وما يحلّ بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم، لانتهوا عما هم فيه من الضلال.
وفائدة هذه الجملة: المبالغة في تهويل الخَطب وتفظيع الأمر؛ فإن اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدة العذاب، لجواز تركه عفواً مع القدرة عليه.
ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبرّؤ المتبوعين من التابعين فقال: ((إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا)).

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


والمعنى: إذ تبرأ الرؤساء المتّبَعون من الذين اتّبعوا أي: المرؤوسين، فتبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار الدنيا، فتقول الملائكة: ((تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ)). ويقولون: ((سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ)).
والجن أيضًا تتبرأ منهم ويتنصّلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ))، وقال تعالى: ((وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا)). وقال الخليل لقومه: ((إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)).

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


وقال تعالى: ((وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)).
وقال تعالى: ((وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)).
وقوله: ((وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ)) أي: عاينوا عذاب الله، وتقطّعت بهم الحيل وأسباب الخلاص، ولم يجدوا عن النار معدلًا ولا مَصرفًا.

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


والباء من ((بِهِمُ)) للسببية أي: تقطّعت بسبب كفرهم الأسباب التي كانوا يرجون منها النجاة. وقيل: للملابسة أي: تقطّعت الأسباب موصولة بهم، كقولك: "خرج زيد بثيابه". وقيل: بمعنى "عن". وقيل: للتعدية أي: قطعتْهم الأسباب، كما تقول:" تفرّقت بهم الطريق"، ومنه قوله تعالى: ((فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)).
وقوله: ((وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا)) أي: لو أنّ لنا عودة إلى الدار الدنيا، حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم؛ بل نوحد الله وحده بالعبادة.
((وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً)) أي: لو ثبت لنا عودة ورجوع إلى الدنيا، ((فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ)) أي: من المتبوعين كما تبرؤوا منا. تمنّوا الرجوع إلى الدنيا حتى يطيعوا الله تعالى فيتبرؤوا من متبوعيهم في الآخرة إذا حشروا جميعًا مثل تبرؤ المتبوعين منهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم أي: كما جعلوا بالتبرؤ غائظين متحيّرين على متابعتهم، نجعلهم أيضًا بالتبرؤ غائظين متحيّرين على ما حصل لنا بترك متابعتهم؛ ولذا لم يتبرؤوا منهم قبل تمنّي الرجوع؛ لأنه لا يغيظ المتبوعين حيث تبرؤوا من الأتباع أوّلاً.

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


وهم كاذبون في هذا؛ بل لو ((رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)) كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك. ولهذا قال: ((كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ)) أي: تذهب وتضمحل كما قال تعالى: ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا))، وقال تعالى: ((مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ...)) الآية، وقال تعالى: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً...)) الآية؛ ولهذا قال تعالى: ((وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)).
وقوله: ((كَذَلِكَ)) أي: مثل ذلك الإراء الفظيع ((يُريهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ)) أي: ندامات، ومعناه: أن أعمالهم تنقلب حسرات عليهم، فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم.
و((حَسَرَاتٍ)): مفعول ثالث لـ"يُرِي" إن كانت الرؤية قلبية، وحال من أعمالهم إن كانت بصرية. ومعنى رؤية هؤلاء المشركين أعمالهم السيئة يوم القيامة حسرات: رؤيتها مسطورة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وتيقن الجزاء عليها؛ فعند ذلك يندمون على ما فرّطوا في جنب الله تعالى.


... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


مسائل حول الآيات
الأولى: محبة العباد لله تعالى: نوع من الإرادة سواء قلنا: إنها نفس الميل التابع لاعتقاد النفع، أو صفة مرجحة مغايرة له.
ومحبة العبد له سبحانه: إرادة طاعته وتحصيل مراضيه. وقال جماعة: إن الله سبحانه محبوب لذاته أيضًا، فالعبد يحبّ الله تعالى لذاته؛ لأنه الكامل المطلق الذي لا يداني كمالَه كمال، وأمّا محبة خدمته وثوابه فمرتبة نازلة.
وأما محبة الله تعالى للعباد فهي: صفة له -عز شأنه- تليق به بلا تتكيف ولا يحوم طائر الفكر حول حماها، ويترتب عليها لا شك إرادة إكرامه سبحانه للعبد واستعماله في الطاعة وصونه عن المعاصي. وليس معنى المحبة التي هي صفة فعلية من صفاته سبحانه: نفس إرادة الثواب والإكرام كما يقوله مؤوِّلة الصفات.
الثانية: الترجيح بين المحبتين في قوله: ((أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)) باعتبار رسوخ إحداهما دون الأخرى؛ فإن المراد بشدة محبة المؤمنين: شدتها في المحل وهو: رسوخها فيهم وعدم زوالها عنهم بحال، لا كمحبة المشركين لآلهتهم؛ حيث يعدلون عنها إلى الله تعالى عند الشدائد، ويتبرؤون منها عند معاينة الأهوال.

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده


وليس المراد من شدة المحبة: شدّتها وقوتها في نفسها ليرد أنا نرى الكفار يأتون بطاعات شاقة لا يأتي بشيء منها أكثر المؤمنين، فكيف يقال: إن محبتهم أشد من محبتهم. ومن هذا ظهر وجه اختيار ((أَشَدُّ حُبًّا)) على "أحبّ"؛ إذ ليس المراد الزيادة في أصل الفعل، بل الرسوخ والثبات؛ وهو ملاك الأمر.
الثالثة: استدل بقوله تعالى: ((كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ)) مَن ذهب إلى: أن الكفار مخاطبون بالفروع؛ وهي مسألة خلافية بين أهل العلم. والأرجح: أنهم مخاطبون بها؛ ولكن ليس بعد الكفر ذنب، وتحرير المسألة في كتب الأصول.
الرابعة: قوله: ((وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)): المتبادر في أمثاله: حصر النفي في المسند إليه نحو: ((وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا))، ((وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)) ففيه إشارة إلى: عدم خلود عصاة المؤمنين الداخلين في قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)) في النار. وإذا أريد من ((الّذِينَ ظَلَموا)): الكفار مطلقًا دون المشركين فقط، كان الحصر حقيقيًّا، ويكون المقصود منه: المبالغة في الوعيد بأنه لا يشاركهم في الخلود غيرهم؛ فإن الشركة تهوِّن العقوبات.

... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده



... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده



... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده



... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده



... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده



... ٢.١ خلق الله للعوالم وتصريف أمر الكون يدلّ على ألوهيّته وحده