![]() |
قرأ حمزة والكسائي وخلَف ويعقوب: ((يَطَّوَّعْ)) على صيغة المضارع المجزوم لتضمّن ((مَنْ)) معنى الشرط، وأصله: يتطوع فأدغم. |
![]() |
وقرأ الآخرون: ((وَمَنْ تَطَوَّعَ)) بالماضي، على أنّ ((مَنْ)) موصولة بمعنى: الذي. |
![]() |
((الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ)): علَمان للجبلين بمكة، كالمقطّم. واللام لازمة فيهما. وقيل: سُمِّي ((الصَّفَا)) لأنه جلس عليه آدم صفِيُّ الله تعالى، وسُمِّي ((المروة)) لأنه جلست عليه امرأته حواء. |
![]() |
و((الصّفَا)) في الأصل: الحجر الأملس، مأخوذ من: صَفَا يَصْفو، إذا خلص. واحدته: صَفاة، كحصى وحصاة، ونوى ونواة. |
![]() |
وقيل: إنّ ((الصفا)) واحد. قال المبرّد: "وهو: كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو تراب، وأصله من الواو؛ لأنك تقول في تثنيته: "صفوان"، ولا يجوز إمالته". |
![]() |
و((الْمَرْوَة)) في الأصل: الحجر الأبيض الليّن. و"المَرْو" لغة فيه. وقيل: هو جمع مثل: تمْرة وتمْر. |
![]() |
و"الشعائر": جمع: شعيرة، أو شعارة. وهي: العلامة؛ والمراد: أعلام المتعبَّدات أو العبادات الحجِّيّة. |
![]() |
"الحج" لغة: القصد مطلقًا، أو إلى معظَّم. وقيّده بعضهم بكونه على وجه التكرار. |
![]() |
و"العمرة": الزيارة أخذًا من: العمارة، كأن الزائر يعمر المكان بزيارته، ثم غلبا على: قصْد البيت وزيارته للنُّسكين المعروفيْن، وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان. |
![]() |
((فَلا جُنَاحَ)): أصل "الجناح": الميل. ومنه: ((وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ)). وسُمِّي الإثم به؛ لأنه ميل من الحق إلى الباطل . |
![]() |
((يَطَّوَّفَ)): أصله: "يتطوَّف" فأدغم، من: الطوف وهو: المشي حول الشيء. |
![]() |
هذه الآية عَودٌ على ما تقدم ذكْره من حال بعض أهل الكتاب في كتمانهم الحق وتلبيسهم على الناس، وناسب ذلك هنا العطف على مقام الترغيب في قوله: ((وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)) بمقام الترهيب في هذه الآيات. هذا مجمل كلام البقاعي. |
![]() |
قلت: ويمكن أيضًا أن يكون الرابط متعلقًا بإخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن الصفا والمروة من شعائر الله، وهي من إرث إبراهيم -عليه السلام-؛ وهذا يقتضي نبوّته وتلقّيه الوحي عن الله واتّباعه لملّة أبيه إبراهيم، فناسب العود لهؤلاء المنكرين لنبوّته الكاتمين لصفته -صلى الله عليه وسلم. |
![]() |
وأما قوله: ((وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)) فهي: جملة معطوفة على: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ)) عطف القصة على القصة، والجامع أن الأولى مسوقة لإثبات نبوته -صلى الله عليه وسلم- وهذه لإثبات وحدانيته تعالى، وهما أمران لا ينفصلان. وناسب ذلك أيضًا ما تقدم من سياق جملة من أحكام الشريعة وبيان ثواب المطيع وعقاب العاصي؛ وهذا يقتضي تفرده سبحانه بالألوهية. |
![]() |
((يَكْتُمُونَ)): الكتم والكتمان: ترك إظهار الشيء قصدًا مع مساس الحاجة إليه وتحقق الداعي إلى إظهاره، وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه، وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر موضعه؛ واليهود -قاتلهم الله تعالى- ارتكبوا كلا الأمرين. |
![]() |
((مِنْ بَعْدِ)): الظرف متعلق بـ((يَكْتُمُونَ))، واللام في "الناس" صلة ((بَيَّنَّاهُ)) أو لام الأجل، والمراد بهم: الجنس أو الاستغراق. وفي تقييد الكتمان بالظرف: إشارة إلى شناعة حالهم بأنهم يكتمون ما وضح للناس، وإلى عظم الإثم بأنهم يكتمون ما فيه النفع العام. |
![]() |
وقوله: ((فِي الْكِتَابِ)): متعلق ((بَيَّنَّاهُ))، وتعلّق جارّين بفعل واحد عند اختلاف المعنى ممّا لا ريب في جوازه. |
![]() |
((يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ)): "اللعن": الطرد والإبعاد على سبيل السخط؛ وذلك من الله تعالى في الآخرة: عقوبة، وفي الدنيا: انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومن الإنسان: دعاء على غيره. |
![]() |
((وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ)): من: الإنظار وهو: الإمهال أي: لا يُمهلون ولا يُؤجّلون. وأصل النظر: تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، وقد يراد به: التأمل والفحص. ويراد به: المعرفة الحاصلة بعد الفحص وهو: الرّويّة. |
![]() |
يخبر -سبحانه وتعالى- عن جزاء الذين يُخفون ويسترون ما أنزله الله تعالى من دلائل واضحات وهدايات ظاهرات إلى الدين الحق والرسول الحق، بعد أن أظهرها الله تعالى ووضّحها أكمل توضيح فيما أنزل من كُتب على رسله، أنّهم مطرودون من رحمته، نائلون سخطه وعقابه، مستحقون لدعاء الخلائق عليهم من إنس وجن وملائكة بل وبهائم وهوام؛ لأنهم أفسدوا الأرض بصنيعهم ومنعوها الخير بفعلهم. |
![]() |
ثم استثنى سبحانه من تاب منهم ورجع عن كتمان الحق، وبيّن للناس ما أخفاه عنهم وستره، وأصلح ما أفسد من قبْل؛ فإن هذا يتوب الله عليه ويتجاوز عنه ويغفر له، ويعيده إلى حظيرته ويرفع عنه سخطه ولعنته؛ فهو التواب الذي يقبل التوبة عن عباده، الرحيم بهم. |
![]() |
ثم أكّد سبحانه شمول حكم اللعن والطرد والإبعاد من رحمته وإحاطته بمن مات على الكفر ولم يرجع عنه في الدنيا، وأن الدعاء عليه متحقق من الملائكة ومن الناس جميعًا يوم القيامة، وسوف يبقى في ذلك خالدًا لا ينفك عنه عذابه ولا يمهل ليعتذر أو يخفف عنه منه شيء. |
![]() |
ويقرر الله سبحانه: تفرّدَه باستحقاق العبادة والخوف والرهبة والرجاء والرغبة؛ فلا معبود في هذا الكون يستحق العبادة غيره. وهو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه وأفاضها على عباده المؤمنين. |
![]() |
قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: ((الرِّيحِ)) على الإفراد، وأريد به الجنس. |
![]() |
وقرأ الباقون: ((الرِّيَاحِ)) على الجمع. وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما: "الرياح للرحمة، والريح للعذاب". |
![]() |
وروي: أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- كان إذا هبّت ريح قال: ((اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا))، ولعله قصد بالأوّل والثاني: قوله تعالى: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ))، وقوله تعالى: ((وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ)). |
![]() |
((وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)) أي: اعتقابهما؛ لأن كل واحد منهما يعقب الآخر كقوله: ((جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً)) ]الفرقان: ٦٢[ لكون كل منهما خلفًا للآخر. أي: يجيء خلْفه، أو اختلاف كلّ منهما في أنفسهما ازديادًا وانتقاصًا، أو ظلمة ونورًا. |
![]() |
((وَالْفُلْكِ)): السفينة، أو السفن. وهو من الألفاظ التي استعملت مفردًا وجمعًا، وقدر بينهما تغاير اعتباري. فإن اعتبر أنّ ضمّته أصلية كضمّة "قُفْل" فمُفرد، وإن اعتبر أنها عارضة كضمّة "أُسْد" فجمْع. ومن الأوّل: قوله تعالى: ((فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ))، ومن الثاني: قوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ)). وقيل: إنه جمع "فَلْك" بفتح الفاء وسكون اللام. وقيل: ... |
| ... إنه اسم جمع. وزعم بعضهم: أنه قرئ: "فُلُك" بضمّتين. وهو عند البعض مفرد لا غير. وقال الكواشي: "الفُك" و"الفُلُك" بضمتين: لغتان، الواحد والجمع سواء في اللفظ، ويُعرف ذلك بجمع ضمير فعلهما وإفراده". | |
![]() |
((وَبَثَّ)): أصل "البث": التفريق وإثارة الشيء كبثّ الريح التراب، وبث النفس ما انطوت عليه من الغم والسر. والمراد هنا: إيجاد الله ما لم يكن موجودًا وإظهاره إياه. |
![]() |
((وَتَصْرِيفِ)): "الصّرف": رد الشيء من حالة إلى حالة، أو إبداله بغيره. و"التصريف": مثله إلا في التكثير. |
![]() |
((وَالسَّحَابِ)): اسم جنس، واحده: سحابة، سمِّي بذلك لانسحابه في الجو، أو لِجَرّ الريح له، أو لِجَرِّه الماء. وأصل "السَّحْب": الجر كسَحْب الذيل. |
![]() |
يذكر -سبحانه وتعالى- دلائل واضحات على استحقاقه لأن يُفرد بالعبادة. ومن ذلك: |
![]() |
إيجاده السموات بعجائبها والأرضين بغرائبها بعد أن كانت عدماً، وكذا تغاير الليل والنهار وتعاقبهما وما يترتب على ذلك من منافع عظيمة. | |
![]() |
وكذلك الآية العظمى في تمكينه سبحانه السفن بأنواعها المختلفة صغيرة وكبيرة من الجريان فوق مياه البحار محمّلة موقرة، تحمل الناس وتحمل أمتعتهم، وعليها يصطادون ويقتاتون وسائر ذلك من المنافع. | |
![]() |
وكذا الأمطار التي يرزق الله بها العباد فينزلها عليهم من فوقهم، فيُحيي بها الأرض الجدباء العطشى التي لا حياة فيها من نبات وحيوان، فإذا بها تهتز بها الحياة بأشكالها المختلفة. | |
![]() |
ثم الرياح التي غاير الله سبحانه بينها، فجعلها مختلفة الجهات، مختلفة الحالات، مختلفة المنافع. | |
![]() |
وأيضًا هذا السحاب الذي جعله الله طائعًا مذللًا بين السماء والأرض، لا يختفي لأعلى ولا يسقط لأسفل، يحمل مياه الأمطار بهذه الكميات الهائلة، ومع ذلك يسوقه الهواء بقدرة الله تعالى حيث يشاء الله. |
![]() |
فهذه كلها آيات ودلائل باهرات لأصحاب العقول على: الخالق الذي خلقها، وعلى ربوبيته، واستحقاقه للألوهية، لا رب سواه ولا إله غيره. |
![]() |
قرأ نافع وابن عامر ويعقوب وابن وردان: ((وَلَوْ تَرَى)) بالمثنّاة من فوق، خطابًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- و((الَّذِينَ)): مفعول به. |
![]() |
وقرأ الباقون بـ"الياء" التحتية على إسناد الفعل للظالمين، و((الَّذِينَ)) هنا: فاعله. وجواب ((لَوْ)): محذوف على القراءتين، وتقديره على القراءة الأولى: لرأيت أمرًا فظيعًا، وعلى القراءة الثانية: لعلموا أنّ القوة لله جميعًا. |
![]() |
وقرأ ابن عامر: ((إِذْ يُرَوْنَ)) بضم الياء على البناء للمفعول أي: يُريهم الله ذلك. |
![]() |
وقرأ الباقون: ((إِذْ يَرَوْنَ)) بالفتح على البناء للفاعل على ما تقدّم من قوله: ((وَلَوْ يَرَى)). |
![]() |
وقرأ أبو جعفر ويعقوب: ((إَِِّن الْقُوَّةَ للهِ جَمِيعًا)) بكسر همزة ((إِنَّ)) على تقدير أن جواب ((لَوْ)): لقُلتَ، في قراءة: ((وَلَوْ تَرَى))، ولقالُو،ا في قراءة: ((وَلَوْ يَرَى)). ويحتمل أيضًا أن تكون للاستئناف. |
![]() |
وقرأ الباقون: بفتح الهمزة على أنّ تقدير جواب ((لَوْ)): لعلمْتَ أو لعَلِموا. |
![]() |
((أَنْدَادًا)): نديد الشيء: مشاركه في جوهره؛ وهو ضرب من المماثلة؛ لأن المثل يقال في أيّ مشاركة كانت، فكلّ ند مثْل، وليس كل مثْل ندًّا. |
![]() |
((يُحِبُّونَهُمْ)): المحبة: ميْل القلب، من: الحَب: واحد الحبوب، استعير لحَبّة القلب وسويدائه؛ فيقال: "حببت فلانًا" بمعنى: أصبت حبّة قلبه. ثم اشتُق منه: الحُب؛ لأنه يؤثر في صميم القلب ويرسخ فيه. |
![]() |
و"المحبة": إرادة ما تراه أو تظنه خيرًا، وهي على ثلاثة أنواع: |
![]() |
محبة للذة، كمحبة الرجل المرأة. | ||
![]() |
ومحبة للنفع، كمحبة الشيء يُنتفع به. | ||
![]() |
ومحبة للفضل، كمحبة أهل العلم. |
![]() |
وربّما فُسرت "المحبة" بالإرادة. |
![]() |
((وَرَأَوُا الْعَذَابَ)): الواو للحال، أي: تبرؤوا في حال رؤيتهم العذاب. |
![]() |
و((الأَسْبَابُ)): أصل "السبب": الحبل مطلقًا، أو الحبل الذي يُتوصّل به إلى الماء، أو الحبل الذي أحد طرفيه متعلق بالسقف، أو الحبل الذي يُرتقى به النخل. والمراد هنا: الوصائل التي كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد ومن الأنساب والمحاب وغير ذلك. |
![]() |
((لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً)): ((لَوْ)) في معنى: التمني؛ ولذلك أجيب بـ"الفاء" الذي يجاب به التمني؛ كأنه قيل: ليت لنا كرة فنتبرأ منهم. |
![]() |
و"الكرّة" من: الكَرّ وهو: العطف على الشيء بالذات أو بالفعل، والمراد: رجعة. |
![]() |
يُخبر -سبحانه وتعالى- عن فريق المشركين الذين اتخذوا من دون الله -جل وعلا- الشركاء والأنداد من الأصنام وغيرها، وقد أحبّوها وعظّموها كما يعظّمون الله أو كما يجب عليهم أن يعظّموا ربهم ويحبوه. |
![]() |
ثم بيّن سبحانه: أن عباده المؤمنين هم الذين أحبّوه حقيقة ورسخت محبته في قلوبهم، فلا يشركون به غيره. |
![]() |
وأردف ذلك سبحانه بالوعيد لهؤلاء الظَّلمة لأنفسهم بالشرك والكفر، فبيّن سبحانه: أن عذابهم الذي يعذَّبون به في الآخرة لو رأوه بأعينهم أو رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- أو أي أحد لعَلم وتيقّن وأقرّ بأن الله سبحانه هو المتفرِّد بالقوة والقاهر فوق عباده، وأنه -جل وعز- شديد العذاب لا عذاب أشد من عذابه. |
![]() |
وذكر سبحانه: أن في هذا الموقف العصيب يتبرأ المَتبوعون ممّن اتّبعهم، ويرى هؤلاء الأتباع عذاب الله وأنهم لم تنفعهم الوصائل والعلاقات والمودات التي كانت تربطهم بأولئك المتبوعين. وهنا يتمنّى هؤلاء الأتباع لو يعيدهم الله تعالى إلى الدنيا مرة أخرى، ليتبرّؤوا ممن اتّبعوهم وعبدوهم من دون الله، ويفردوا ربهم بالعبادة كما تبرأ أولئك منهم في هذا الموقف العصيب، وما ذلك إلا لكي يُشعرهم الله تعالى بالحسرة والندامة على ما فعلوا. ولن يخرجوا من هذه النار، ولن يرجعوا لهذه الدنيا أبدًا، ولو كانت لهم رجعة لعادوا لِما نُهوا عنه؛ فإنهم كاذبون. |
![]() |
أخرج مالك في "الموطأ"، وأحمد والبخاري ومسلم، وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وابن جرير وابن أبي داود، وابن الأنباري في "المصاحف" معًا، وابن أبي حاتم والبيهقي في "السنن"، عن عائشة: "أن عروة قال لها: أرأيت قول الله تعالى: ((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا))، فما أرى على أحد جناحًا أن يطوف بهما؛ فقالت عائشة: بئسما قلت يابن أختي! إنها لو كانت على ما أوّلْتَها كانت "فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما"، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يُهلّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا ... |
| ... عن ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية؛ فأنزل الله: ((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ...)) الآية". قالت عائشة: "ثم سنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الطواف بهما؛ فليس لأحد أن يَدَع الطواف بهما". | |
![]() |
وأخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي، وابن جرير وابن مروديه والبيهقي في "سننه"، من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "كان رجال من الأنصار ممّن كان يُهل لمناة في الجاهلية، ومناة صنم بين مكة والمدينة، قالوا: يا نبي الله، إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله: ((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ...)) الآية". قال عروة: "فقلت لعائشة: ما أبالي ألا أطوف بين الصفا والمروة، قال الله: ((فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا))؛ فقالت: يابن أختي ألا ترى أنه يقول: ((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ))؟". |
![]() |
وعن ابن عباس أنه قرأ "فلا جناح عليه أن يطوف" مثقلة فمن ترك فلا بأس. |
![]() |
وعن ابن عباس: "أنه أتاه رجل فقال: أبدأ بالصفا قبل المروة، وأصلّي قبل أن أطوف أو أطوف قبل، وأحلق قبل أن أذبح، أو أذبح قبل أن أحلق؟ فقال ابن عباس: خذوا ذلك من كتاب الله؛ فإنه أجدر أن يحفظ. قال الله: ((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)) فالصفا قبل المروة، وقال: ((وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)) فالذبح قبل الحلق، وقال: ((وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)) والطواف قبل الصلاة. |
![]() |
وعن سعيد بن جبير قال: "قلت لابن عباس: لِمَ بُدئ بالصفا قبل المروة؟ قال: لأن الله قال: ((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ))". |
![]() |
وأخرج مسلم والترمذي وابن جرير والبيهقي في "سننه"، عن جابر قال: "لما دنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الصفا في حَجّته قال: ((((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ))، ابدؤوا بما بدأ الله به))، فبدأ بالصفا فرقي عليه". |
![]() |
وأخرج الشافعي وابن سعد، وأحمد وابن المنذر وابن قانع والبيهقي، عن حبيبة بنت أبي تجرأة قالت: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: ((اسعوا، فإن الله -عز وجل- كتب عليكم السعي)). |
![]() |
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((إن الله كتب عليكم السعي فاسعوْا)). |
![]() |
وعن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: سألت ابن عباس عن السعي بين الصفا والمروة قال: "فعَله إبراهيم عليه السلام". |
![]() |
وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سعى بين الصفا والمروة، وأن ذلك سُنّة. قال: "صدقوا. إن إبراهيم لمّا أُمِر بالمناسك اعترض عليه الشيطان عند المسعى، فسابقه فسبقه إبراهيم". |
![]() |
وعن ابن عباس: أنه رآهم يطوفون بين الصفا والمروة فقال: "هذا ممّا أورثتكم أمّ إسماعيل". |
![]() |
ذكر محمد بن إسحاق في كتاب "السيرة": أن إسافًا ونائلة كانا بشَرين فزَنيا داخل الكعبة، فمُسخا حجرين. فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس. فلما طال عهدهما عُبدا، ثم حُوِّلا إلى الصفا والمروة فنُصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما؛ ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة: |
![]() |
قلت: صحّ عن عائشة: أنها قالت: "كنا نتحدث أنّ إسافًا ونائلة أحدثا في الكعبة، فمسخهما الله حجرين". | |
![]() |
وتقدّم في الآثار تحرّج المسلمين من الطواف بهما، فبيّن الله تعالى: أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله أي: ممّا شرع الله تعالى لإبراهيم في مناسك الحج. | |
![]() |
والمعنى: إنّ الطواف بين هذين الجبلين من علامات دين الله تعالى، أو أنهما من المواضع التي يقام فيها دينه، أو من علاماته التي تعبّد بالسعي بينهما، لا من علامات الجاهلية. |
![]() |
وقد تقدم في حديث ابن عباس: أن أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لمّا نفد ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم -عليه السلام- هنالك وليس عندهما أحد من الناس. فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك ونفد ما عندهما، قامت تطلب الغوث من الله -عز وجل-. فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متذللة خائفة وجِلة مضطرة فقيرة إلى الله -عز وجل-، حتى كشف الله كربتها وآنس غربتها وفرّج شدّتها وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طُعم وشفاء سقم. فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذلّه وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله -عز وجل- لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يُثبّته عليه إلى مماته، وأن يحوّله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر عليها السلام. |
![]() |
((وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا)): أي من انقاد انقيادًا خيرًا أو بخير أو آتيًا بخير، فرضًا كان أو نفلًا، وهو عطف على: ((فَمَنْ حَجَّ...)) إلخ، مؤكّد أمر الحج والعمرة والطواف تأكيد الحكم الكلي للجزئي، أو من تبرّع تبرعًا خيرًا أو بخير أو آتيًا بخير من حج أو عمرة أو طواف لقرينة المساق، وعليه تكون الجملة مسوقة لإفادة شرعية التنفل بالأمور الثلاثة، وفائدة ((خَيْرًا)) على الوجهين مع أن التطوع لا يكون إلا كذلك التنصيص بعموم الحكم، بأن من فعل خيرًا أيّ خير كان يثاب عليه، أو من تبرع تبرعًا خيرًا أو بخير أو آتيًا بخير من السعي فقط بناءً على أنه سنة، والجملة حينئذ تكميل لدفع ما يتوهّم من نفي الجناح من الإباحة، وفائدة القيد التنصيص بخيرية الطواف دفعاً لحرج المسلمين. |
![]() |
وقوله: ((فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا)) قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب ثامنة وتاسعة، ونحو ذلك. وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوّع أو عمرة تطوّع. وقيل: المراد تطوّع خيرًا في سائر العبادات؛ حكى ذلك الرازي، وعزي الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم. |
![]() |
قوله: ((فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)) أي: يثيب على القليل بالكثير، عليم بقدر الجزاء، فلا يبخس أحدًا ثوابه ولا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا. |
![]() |
وقوله: ((عَلِيمٌ)): مبالغة في العلم بالأشياء؛ فيعلم مقادير أعمالهم وكيفياتها، فلا ينقص من أجورهم شيئًا. وبهذا ظهر وجه تأخير هذه الصفة عما قبلها. |
![]() |
ومنهم من قال: أتى بالصفتين هاهنا لأن التطوع بالخير يتضمن الفعل والقصد، فناسب ذكر الشكر باعتبار الفعل، وذكر العلم باعتبار القصد. وأخّر صفة العلم وإن كانت متقدّمة على الشكر، كما أن النية متقدّمة على الفعل، لتواخي رؤوس الآي. |
![]() |
وهذه الجملة علة لجواب الشرط المحذوف قائم مقامه؛ كأنه قيل: ومن تطوع خيرًا جازاه الله تعالى أو أثابه؛ فإن الله شاكر عليم. |
![]() |
اختلف في السعي: |
![]() |
فمن قائل: هو تطوّع، بدليل رفع الجناح، وما فيه من التخيير بين الفعل والترك كقوله: ((فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا)) [البقرة: ٢٣٠] وغير ذلك... ولقوله: ((وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا)) كقوله: ((فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)) [البقرة: ١٨٤]. |
![]() |
ويُروى ذلك عن أنس وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، وتَنصُره قراءة ابن مسعود: "فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما". | |
![]() |
وعندهم لا شيء على من تَركه. | |
![]() |
وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين، وحكي عن مالك في"العتبية". |
![]() |
وقيل: إنه واجب وليس بركن؛ فإن تركه عمدًا أو سهوًا جبَره بدم؛ وهو رواية عن أحمد. وبه تقول طائفة، وحكاه البعض عن أبي حنيفة. |
![]() |
وعند مالك والشافعي، وفي رواية عن أحمد هو: ركن لقوله -عليه السلام-: ((اسعَوْا، فإن الله كتب عليكم السعي)). |
![]() |
ورجّح ابن كثير وغيره: الركنية؛ لأنه -عليه السلام- طاف بينهما وقال: ((لتأخذوا عنِّي مناسككم)). |
![]() |
فكل ما فعَله في حجّته تلك واجب لا بد مِن فعْله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم. |
![]() |
وقال الألوسي: وقد وقع الإجماع على: مشروعية الطواف بينهما في الحج والعمرة، لدلالة نفي الجناح عليه قطعاً؛ لكنهم اختلفوا في الوجوب. فروي عن أحمد: أنه سنة؛ وبه قال: أنس وابن عباس وابن الزبير؛ لأن نفي الجناح يدل على: الجواز. |
![]() |
والمتبادر منه: عدم اللزوم كما في قوله تعالى: ((فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا))، وليس مباحًا بالاتفاق، ولقوله تعالى: ((مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ))؛ فيكون مندوبًا. وضُعف بأنّ نفي الجناح وإن دل على الجواز المتبادر منه عدم اللزوم، إلا أنه يُجامع الوجوب فلا يدفعه ولا ينفيه، والمقصود ذلك. فلعل هاهنا دليلًا يدل على الوجوب كما في قوله تعالى: ((فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)). ولعل هذا كقولك لمن عليه صلاة الظهر مثلًا وظن أنه لا يجوز فعلها عند الغروب، فسأل عن ذلك: "لا جناح عليك إن صلّيتها في هذا الوقت"؛ فإنه جواب صحيح، ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر. |
![]() |
وعن الشافعي ومالك: أنه ركن، وهو رواية عن الإمام أحمد. واحتجوا بما أخرج الطبراني عن ابن عباس قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((إن الله تعالى كتب عليكم السعي، فاسعَوْا)). |
![]() |
ومذهب إمامنا أبي حنيفة -رضي الله تعالى عنه-: أنه واجب يُجبر بالدم؛ لأن الآية لا تدل إلا على نفي الإثم المستلزم للجواز، والركنية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به، ولم يوجد. والحديث إنما يفيد حصول الحكم معللًا ومقررًا في الذهن، ولا يدل على بلوغه غاية الوجوب بحيث يفوت الجواز بفوته لتتحقق الركنية. وهو ظني السند، وإن فُرض قطعي الدلالة فلا يدل على الفرضية. وما روى مسلم عن عائشة أنها قالت: "لعمري ما أتم الله تعالى حجّ من لم يسعَ بين الصفا والمروة ولا عمرته" ليس فيه دليل على الفرضية أيضًا، سلمنا لكنه مذهب لها. والمسألة اجتهادية، فلا تلزم به. | |
![]() |
على أنه مُعارَض بما أخرجه الشعبي عن عروة بن مضرس الطائي: أنه قال: "أتيت النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بالمزدلفة فقلت: يا رسول الله، جئت من جبل طيء، ما تركت جبلًا إلا وقفت عليه؛ فهل لي من حج؟ فقال: ((من صلى معنا هذه الصلاة، ووقف معنا هذا الموقف وقد أدرك عرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجّه وقضى تفثه)). فأخبر -صلى الله تعالى عليه وسلم- بتمام حجّه وليس فيه السعي بينهما، ولو كان من فروضه لبيّنه للسائل لعلْمه بجهله. وقرأ ابن مسعود وأبيّ: "أن لا يطوّف"، ولا تصلح أن تكون ناصرة للقول الأول؛ لأنها شاذة لا عمل بها مع ما يعارضها ولاحتمال أن "لا": زائدة كما يقتضيه السياق. |
![]() |
قلت: تحرير المسألة ليس هذا مجاله، ولم أرَ في شيء من الأدلة ما يدلل على الركنية. وأما الوجوب فنعم، إلا أن احتجاج الألوسي بحديث عروة بن مضرس متهافت؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما أخبر فيه عما مضى من المناسك لا ما يستقبل. وليت شعري أين الطواف بالبيت؟ وأين النحر؟ والحلق؟ والرمي؟ والمبيت بمنى؟ وما هذا إلا كقول البعض بالاكتفاء بالوقوف بعرفة عن سائر أعمال الحج. |
![]() |
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: "سأل معاذ بن جبل أخو بني سلمة وسعد بن معاذ أخو بني الأشهل وخارجة بن زيد أخو الحارث بن الخزرج نفراً من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه وأبوْا أن يخبروهم، فأنزل الله فيهم: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى...)) الآية. |
![]() |
وعن مجاهد في قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى)) قال: هم أهل الكتاب. |
![]() |
وعن قتادة في قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى...)) الآية، قال: "أولئك أهل الكتاب كتموا الإسلام وهو دين الله، وكتموا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنحيل". |
![]() |
وعن أبي العالية في الآية قال: "هم أهل الكتاب كتموا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ونعتَه، وهم يجدونه مكتوباً عندهم، حسدًا وبغيًا". |
![]() |
وعن السدي في الآية قال: "زعموا أن رجلًا من اليهود كان له صديق من الأنصار يقال له: ثعلبة بن غنمة، قال له: هل تجدون محمدًا عندكم؟ قال: لا". |
![]() |
وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة: "((وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)) يعني: تلعنهم ملائكة الله والمؤمنون". |
![]() |
وعن عطاء في قوله: ((أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)) قال: "الجن والإنس، وكل دابة. |
![]() |
وعن مجاهد في قوله: ((وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)) قال: "إذا أجدبت البهائم، دعَتْ على فُجّار بني آدم. فقالت: "تحبس عنا الغيث بذنوبهم". |
![]() |
وعن مجاهد في قوله: ((وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)) قال: "إن البهائم إذا اشتدت عليهم السنة، قالت: "هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم". |
![]() |
وعن مجاهد في قوله: ((وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)) قال: "دواب الأرض: العقارب والخنافس يقولون: "إنما مُنعنا القطر بذنوبهم"، فيلعنونهم". |
![]() |
وعن عكرمة في قوله: ((وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)) قال: "يلعنهم كل شيء، حتى الخنافس والعقارب يقولون: "مُنعنا القطر بذنوب بني آدم". |
![]() |
وعن أبي جعفر في قوله: ((وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)) قال: "كل شيء، حتى الخنفساء". |
![]() |
وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن البراء بن عازب قال: "كنا في جنازة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((إن الكافر يضرب ضربتين بين عينيه فيسمعه كل دابة غير الثقلين فتلعنه كل دابة سمعت صوته فذلك قول الله: ((وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)))) يعني: دواب الأرض". |
![]() |
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ((وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)) قال: "قال البراء بن عازب: إن الكافر إذا وُضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قِدران من نحاس، معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه، فيصيح لا يسمع أحد صوته إلا لعَنه. ولا يبقى شيء إلا سمع صوته، إلا الثقلين: الجن والإنس. |
![]() |
وعن الضحاك في قوله: ((وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)) قال: الكافر إذا وضع في حفرته ضرب ضربة بمطرق فيصيح صيحة يسمع صوته كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس، فلا يسمع صيحته شيء إلا لعَنه. |
![]() |
وعن عبد الوهاب بن عطاء في قوله: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ...)) الآية، قال: "سمعت الكلبيّ يقول: هم اليهود، قال: ومَن لعن شيئًا ليس هو بأهل، رجعت اللعنة على يهودي؛ فذلك قوله: ((وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ))". |
![]() |
وأخرج البيهقي في "شعب الإيمان" من طريق محمد بن مروان: أخبرني الكلبي عن أبي صالح، عن ابن مسعود في هذه الآية قال: "هو الرجل يلعن صاحبه في أمر يرى أن قد أتى إليه، فترتفع اللعنة في السماء سريعا فلا تجد صاحبها التي قيلت له أهلاً، فترجع إلى الذي تكلّم بها فلا تجده لها أهلا، فتنطلق فتقع على اليهود فهو قوله: ((وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)). فمن تاب منهم ارتفعت عنهم اللعنة فكانت فيمن بقي من اليهود وهو قوله: ((إِلا الَّذِينَ تَابُوا...))" الآية. |
![]() |
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن ماجة والحاكم، عن أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من سئل عن علم عنده فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة)). |
![]() |
وأخرج ابن ماجة عن أنس بن مالك: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)). |
![]() |
وأخرج ابن ماجة والمرهبي في "فضل العلم" عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من كتم علما مما ينفع الله به الناس في أمر الدين، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)). |
![]() |
وأخرج ابن ماجة عن جابر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا لعن آخَرُ هذه الأمّة أوّلها، فمن كتم حديثا فقد كتم ما أنزل الله)). |
![]() |
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أيما عبد آتاه الله علما فكتمه لقي الله يوم القيامة ملجما بلجام من نار)). |
![]() |
وأخرج أبو يعلى والطبراني قال السيوطي: "بسند صحيح"، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من سُئل عن علْم فكتمه، جاء يوم القيامة مُلجَماً بلجام من نار)). |
![]() |
وأخرج الطبراني من حديث ابن عمر وابن عمرو مثله. |
![]() |
وذكر ابن كثير هذا الحديث وقال: "ورد في الحديث المسند من طرائق يشدّ بعضها بعضًا". |
![]() |
وأخرج الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يحدِّث به، كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه)). |
![]() |
وعن سلمان قال: "علْم لا يقال به، ككنز لا يُنفق منه". |
![]() |
وعن أبي هريرة قال: "لولا آية في كتاب الله، ما حدّثت أحدًا بشيء أبدًا. ثم تلا هذه الآية: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى...)) الآية". |
![]() |
((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ)) أي: من أحبار اليهود ((مَا أَنْزَلْنَا)) في التوراة، أو على الأنبياء، ((مِنَ الْبَيِّنَاتِ)) أي: الآيات الواضحة الدالة على الحق، ومن ذلك: ما أنزلناه على موسى وعيسى -عليهما الصلاة والسلام- في أمر محمد -صلى الله عليه وسلم-. |
![]() |
((وَالْهُدَى)): عطف على ((الْبَيِّنَاتِ))، والمراد به :ما يهدي إلى الرشد مطلقًا، ومنه ما يهدي إلى وجوب اتّباعه -صلى الله عليه وسلم- والإيمان به وهي: الآيات الشاهدة على صدقه -صلى الله عليه وسلم-. والعطف باعتبار التغاير في المفهوم، كجاءني الآكل فالشارب. وقيل: إنه عطف على ((مَا أَنْزَلْنَا...)) إلخ. والمراد بالأول: الأدلة النقلية وبالثاني: ما يدخل فيه الأدلة العقلية. |
![]() |
((مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ)) ولخّصناه للناس ((فِي الْكِتَابِ)) أي: في التوراة، لم نَدَع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد منهم. وقيل: ((الِكِتاب)) المراد به: الجنس، وقيل: التوراة والإنجيل، وقيل: القرآن، فعمدوا إلى ذلك المبين الملخّص فكتموه ولبسوا على الناس، والمراد منهم: أمة محمد -صلى الله عليه وسلم. |
![]() |
((أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ)): أي يُبعدهم عن رحمته ويُذيقهم أليم نقمته. والالتفات إلى الغيبة بإظهار اسم الذات: لتربية المهابة، والإشعار بأن مبدأ صدور اللعن: صفة الجلال المغايرة لما هو مبدأ الإنزال والتبيين من صفة الجمال. |
![]() |
((وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)): أي من ّيتأتى منه اللعن عليهم من الملائكة والثقلين. فالمراد بـ((اللاعِنُون)): معناه الحقيقي والاستغراق عرفي أي: كل فرد ممّا يتناوله اللفظ بحسب متفاهم العُرف، وليس بحقيقي حتى يرد أنه لا يلعنهم كل لاعن في الدنيا ويحتاج إلى التخصيص، وإنما أعاد الفعل لأنّ لعنة اللاعنين بمعنى: الدعاء عليهم بالإبعاد عن رحمة الله تعالى. |
![]() |
قال الألوسي: "والأقرب أنها نزلت في اليهود، والحُكم عامّ كما تدل عليه الأخبار. وكونها نزلت في اليهود لا يقتضي الخصوص؛ فإن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب؛ فالموصول للاستغراق، ويدخل فيه من ذُكر دخولًا أوليًّا". اهـ. | |
![]() |
وهذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البيّنة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بيّنه الله تعالى لعباده في كُتبه التي أنزلها على رسله. | |
![]() |
ثم أخبر أنهم يلعنهم كلّ شيء على صنيعهم ذلك. فكما أنّ العالِم يستغفر له كلّ شيء حتى الحوت في الماء والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. | |
![]() |
وقد جاء في الحديث: أنّ العالِم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر. وجاء في هذه الآية: أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون، واللاعنون أيضًا وهم: كل فصيح وأعجمي إمّا بلسان المقال أو الحال أن لو كان له عقل ويوم القيامة، والله أعلم. |
![]() |
ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء: من تاب إليه فقال: ((إِلا الَّذِينَ تَابُوا)) أي: رجعوا عن الكتمان أو عنه وعن سائر ما يجب أن يتاب عنه، بناءً على أنّ حذف المعمول يفيد العموم. وفيه: إشارة إلى: أن التوبة عن الكتمان فقط لا يوجب صرف اللعن عنهم ما لم يتوبوا عن الجميع؛ فإن للعنهم أسبابًا جمة. |
![]() |
((وَأَصْلَحُوا)): أي ما أفسدوا بالتدارك فيما يتعلق بحقوق الحق والخَلْق. ومن ذلك: أن يصلحوا قومهم بالإرشاد إلى الإسلام بعد الإضلال، وأن يزيلوا الكلام المحرّف ويكتبوا مكانه ما كانوا أزالوه عند التحريف. |
![]() |
((وَبَيَّنُوا)) أي: أظهروا ما بيّنه الله تعالى للناس معاينة. وبهذين الأمرين تتم التوبة. وقيل: أظهروا ما أحدثوه من التوبة ليمحًوا سمة الكفر عن أنفسهم ويقتدي بهم أضرابهم؛ فإن إظهار التوبة ممّن يقتدى به شرط فيها على ما يشير إليه بعض الآثار. |
![]() |
وفيه: إن الصحيح أن إظهار التوبة إنما هو لدفع معصية المتابعة، وليس شرطًا في التوبة عن أصل المعصية، فهو داخل في قوله تعالى: ((وَأَصْلَحُوا)). |
![]() |
((فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ)): بالقبول وإفاضة المغفرة والرحمة ((وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)). |
![]() |
ثم أخبر تعالى عمّن كفر به واستمر به الحال إلى مماته، يعني: الذين ماتوا من هؤلاء الكاتمين ولم يتوبوا، بأن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فذكر لعنتهم أحياء أوّلاً ثم لعنتهم أمواتًا ثانيًا. |
![]() |
والآية مشتملة على الجمع والتفريق: جمع الكاتمين في حكم واحد وهو: أنهم ملعونون. ثم فرّق فقال: أما الذين تابوا فقد تاب الله تعالى عليهم وأزال عنهم عقوبة اللعنة. وأما الذين ماتوا على الكتمان ولم يتوبوا عنه، فقد استقرّت عليهم اللعنة ولم تَزُل عنهم. | |
![]() |
قال الزمخشري: "فإن قلت: ما معنى قوله: ((وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)) وفي الناس: المسلم والكافر؟ | |
![]() |
قلت: أراد بالناس من يُعتدّ بلعْنه وهم: المؤمنون. وقيل: يوم القيامة يَلعن بعضهم بعضًا". |
![]() |
((خَالِدِينَ فِيهَا)): أي في اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي لا يخفّف عنهم العذاب فيها أي: لا ينقص عما هم فيه. |
![]() |
وقيل: ((فيها)) أي: في النار، إلا أنها أُضمِرت تفخيماً لشأنها وتهويلًا. |
![]() |
((وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ)) أي: لا يغيّر عنهم ساعة واحدة ولا يَفتر؛ بل هو متواصل دائم. فنعوذ بالله من ذلك. |
![]() |
وإمّا مِن "النظر" بمعنى: الانتظار أي: لا يُنتظرون ليعتذروا. وإمّا من "النظر" بمعنى: الرؤية أي: لا ينظر الله تعالى إليهم نظر رحمة. |
![]() |
((وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)): قيل: نزلت -كما روي عن ابن عباس- لما قال كفار قريش للنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-: صف لنا ربك، والخطاب عام لكلّ من يصح أن يخاطب كما هو الظاهر، غير مختص بشأن النزول. |
![]() |
وفيها يخبر تعالى عن تفرّده بالإلهية، وأنه لا شريك له ولا عديل له، ولا يصح أن يسمّى غيره إلهاً؛ بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله إلا هو، تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته. | |
![]() |
وأكثر الناس على: أن "الواحد" هنا بمعنى: لا نظير له ولا شبيه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وقيل: إن المراد به: ما ليس بذي أبعاض ولا يجوز عليه الانقسام ولا يحتمل التجزئة أصلًا، وليس المعنى به هنا مبدأ العدد. وأصح الأقوال عند ذوي العقول السليمة: أنه الذي لا نظير له ولا شبيه له في استحقاق العبادة، وهو مستلزم لكل كمال. | |
![]() |
وأنه الرحمن الرحيم المولي لجميع النِّعم: أصولها وفروعها، دنيا وأخرى، ولا شيء سواه بهذه الصفة. |
![]() |
الأولى: استدل بهذه الآية على: وجوب إظهار علم الشريعة وحرمة كتمانه؛ لكن اشترطوا لذلك: أن لا يخشى العالِم على نفسه، وأن يكون متعيّنا، وإلا لم يحرم عليه الكتم إلا إن سئل فيتعيّن عليه الجواب ما لم يكن إثمه أكبر من نفعه. |
![]() |
قلت: ونحن الآن في أمسّ الحاجة للاهتداء بمثل هذه الآية لمَا تمر به الأمة من ظروف عصيبة أسكتت الكثير عن كلمة الحق. | |
![]() |
قالوا: وفيها دليل أيضًا على: وجوب قبول خبر الواحد؛ لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله. | |
![]() |
قلت: وهذا هو الحق الذي لا يجوز خلافه، وقد تكاثرت الأدلة عليه. | |
![]() |
وقد يُستدل بها على: عدم وجوب ذلك على النساء، بناءً على أنهن لا يدخلن في خطاب الرجال. | |
![]() |
قلت: يسلّم بأن الخطاب أساسًا للرجال، ولكن يلحق بهم النساء ما لم يظهر من الملابسات وسائر النصوص ما يدلل على عدم الإلحاق. ولا شك أن الأمر إذا وصل إلى كلمة الحق عند السلطان الجائر، فلا يدخل النساء؛ لأنه لا جهاد عليهن. |
![]() |
الثانية: استدل بالآية على: أن الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه، وقد ورد: أن الأمم السالفة لم تكن التوبة تقبل من مثل هؤلاء منهم، ولكن هذا من شريعة نبيّ التوبة ونبيّ الرحمة صلوات الله وسلامه عليه. |
![]() |
قلت: والأدلة على ذلك كثيرة، والله سبحانه يقبل التوبة من العبد ما لم يغرغر، ويغفر الذنوب جميعًا، ولا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. |
![]() |
الثالثة: قال ابن كثير: "لا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ومَنْ بعده مِنْ الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره". |
![]() |
فأمّا الكافر المعيّن فقد ذهب جماعة من العلماء إلى: أنه لا يُلْعن؛ لأنا لا ندري بما يختم الله له. واستدل بعضهم بالآية: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)). | |
![]() |
وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعيّن، واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي؛ ولكنه احتج بحديث فيه ضعف. واستدل غيره بقوله -عليه السلام- في قصة الذي كان يُؤتى به سكران فيحدّه فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((لا تلعَنْه؛ فإنه يحب الله ورسوله)) فدل على أنّ من لا يحبّ الله ورسوله يُلعن، والله أعلم. |
![]() |
قلت: يعني أخذ ذلك من باب مفهوم المخالفة، ولا شك أنّ لعن المسلم الفاسق بغير تعيين ثابت في نصوص كثيرة كلعن السارق والمصوِّر والكاسيات العاريات وغير ذلك... أما المسلم الفاسق المعيّن فلا يجوز؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لعْن المسلم كقتْله)). وأما الكافر فلا يوجد دليل على المنع من ذلك؛ بل الأدلة تؤيّده كما لُعن إبليس ولُعن أبو لهب ولعن النبي -صلى الله عليه وسلم- قبائل كافرة بعينها، ولكن ينظر فيه للمصلحة؛ لأنه ليس على سبيل الوجوب، والله أعلم. |
![]() |
الرابعة: اختلف في المنفي في قوله تعالى: ((لا إِلَهَ إِلا هُوَ)): هل المعبود بحق؟ أو المعبود بباطل؟ |
![]() |
فقال بعضهم: النفي إنما تسلط على الآلهة المعبودة بباطل، تنزيلًا لها منزلة العدم. وقال آخرون: إنما تسلط على الآلهة المعبودة بحق. |
![]() |
والراجح: أنّ الحق مع الثاني؛ لأن المعبود بباطل له وجود في الخارج ووجود في ذهن المؤمن بوصف كونه باطلًا، ووجود في ذهن الكافر بوصف كونه حقًّا؛ فهو من حيث وجوده في الخارج في نفسه لا يُنفى؛ لأن الذات لا تُنفى. وكذا من حيث كونه معبودًا بباطل لا ينفى أيضًا؛ إذ كونه معبودًا بباطل أمْر حق لا يصحّ نفيه وإلا كان كذبًا. وإنما يُنفى من حيث وجوده بوصف كونه معبودًا بحق؛ فالمعبودات الباطلة لم تُنفَ إلا من حيث كونها معبودة بحق، فلم يُنفَ في هذه الكلمة إلا المعبود بحق غيره تعالى. |