... ٣.١٠ انتصار الزمخشري لمذهب المعتزلة في حرية الإرادة وخلق
٣.١٠ انتصار الزمخشري لمذهب المعتزلة في حرية الإرادة وخلق الأفعال، وحملة ابن القيم
وابن المنير عليه
انتصار الزمخشري لمذهب المعتزلة في حرية الإرادة وخلق الأفعال
يقول صاحب "التفسير والمفسرون":
ولقد تأثر الزمخشري برأيه الاعتزالي في حرية الإرادة وخلق الأفعال، ولكنه وجد ما يصادمه من الآيات الصريحة في أن أفعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى، فأراد أن يتفادى هذا التصادم، ويعمل على الخروج من هذه الورطة الكبرى، فساعده على ما أراد هذا المعنى الذي تمسك به المعتزلة، وتعقبهم في كثير من المواضع، وهو "اللطف" من الله، فباللطف منه تعالى يسهل عمل الخير للإنسان، وبسلبه يصعب عليه عمل الخير. هذا اللطف، وما يتصل به من التوفيق ساعد الزمخشري على الخروج من الضائقة التي صادفته عندما تناول بالتفسير تلك الآيات القرآنية الصريحة في أن الله يخلق أفعال العباد خيرها وشرها، والتي يعتبرها أهل السنة سلاحًا قويًّا لهم ضد هذه النظرية الاعتزالية. ففي سورة آل عمران عند قوله تعالى في الآية (٨): ((رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)) نجد الزمخشري يستشعر من هذه الآية أن قلوب العباد بيد الله، يقلبها كيف يشاء، فمن أراد الله هدايته هداه ومن أراد ضلاله أضله، ولكنه يفر من هذه الظاهرة فيقول: ((لا تُزِغْ قُلُوبَنَا)) [آل عمران: ٨]: لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا بعد إذ هديتنا، وأرشدتنا لدينك، أو لا تمنعنا ألطافك بعدئذ لطفْتَ بنا.
... ٣.١٠ انتصار الزمخشري لمذهب المعتزلة في حرية الإرادة وخلق
٣.١٠ انتصار الزمخشري لمذهب المعتزلة في حرية الإرادة وخلق الأفعال، وحملة ابن القيم
وابن المنير عليه
هذا، وإن المتتبع لما في الكشاف من الجدل المذهبي، ليجد أن الزمخشري قد مزجه في الغالب بشيء من المبالغة في السخرية والاستهزاء بأهل السنة. فهو لا يكاد يدع فرصة تمر بدون أن يحقرهم ويرميهم بالأوصاف المقذعة، فتارة يسميهم المجبرة، وأخرى يسميهم الحشوية، وثالثة يسميهم المشبهة، وأحيانا يسميهم القدرية، تلك التسمية التي أطلقها أهل السنة على منكري القدر، فرماهم بها الزمخشري لأنهم يؤمنون بالقدر، كما جعل حديث الرسول الذي حكم فيه على القدرية أنهم مجوس هذه الأمة منصبا عليهم، وذلك حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى في الآية (١٧) من سورة فصلت: ((وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ))، ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها –صلى الله عليه وسلم– وكفى به شاهدا، إلا هذه الآية، لكفى بها حجة.
كما سماهم بهذا الاسم، ورماهم بأنهم يحيون لياليهم في تحمل فاحشة ينسبونها إلى الله تعالى، حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى في الآيتين (٩، ١٠) من سورة الشمس: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)): وأما قول من زعم أن الضمير في زكى ودس لله تعالى، وأن تأنيث الراجع إلى ((مَنْ)) لأنه في معنى النفس، فمن تعكيس القدرية الذين يوركون على الله قدرا هو بريء منه ومتعالٍ عنه، ويحيون لياليهم في تحمل الفاحشة ينسبونها إليه.
والظاهرة العجيبة في خصومة الزمخشري، أنه يحرص كل الحرص على أن يحول الآيات القرآنية التي وردت في حق الكفار إلى ناحية مخالفيه في العقيدة من أهل السنة. ففي سورة آل عمران، حيث يقول الله تعالى في الآية (١٠٥): ...
... ٣.١٠ انتصار الزمخشري لمذهب المعتزلة في حرية الإرادة وخلق
٣.١٠ انتصار الزمخشري لمذهب المعتزلة في حرية الإرادة وخلق الأفعال، وحملة ابن القيم
وابن المنير عليه
... ((وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)) نجد الزمخشري بعدما يعترف بأن الآية واردة في حق اليهود والنصارى، يُجَوِّز أن تكون واردة في حق مبتدعي هذه الأمة. وينص على أنَّهم المشبهة، والمجبرة، والحشوية، وأشباههم.
حملة ابن القيم على الزمخشري
هذا هو العلامة ابن القيم كثيرًا ما يثور على الزمخشري من أجل تفسيره الاعتزالي. فمثلا نراه يذكر ما فسر به الزمخشري قوله تعالى في الآية (١٧٦) من سورة الأعراف: ((وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ))، ثم يقول: فهذا منه شنشنة نعرفها من قدري نافٍ للمشيئة العامة، مبعد للنجعة في جعل كلام الله معتزليًّا قدريًّا.
حملة ابن المنير على الزمخشري
ومن الذين خصَّصوا جهودهم للكشاف بعد قرون من ظهوره، قاضي الإسكندرية، أحمد بن منصور المنير المالكي. فقد كتب عليه حاشية خاصة سماها "الانتصاف"، ناقش فيها الزمخشري وجادله في بعض ما جاء في كشافه من أعاريب وغيرها، ولكنه ذكر مجهوده العظيم في بيان ما تضمنه من الاعتزال، وإبطال ما فيه من تأويلات تتناسب مع مذهب الزمخشري وتتفق مع هواه. فمثلًا عندما تعقب تفسيره لقوله تعالى في الآية (٩١) من سورة الأنعام: ...
... ٣.١٠ انتصار الزمخشري لمذهب المعتزلة في حرية الإرادة وخلق
٣.١٠ انتصار الزمخشري لمذهب المعتزلة في حرية الإرادة وخلق الأفعال، وحملة ابن القيم
وابن المنير عليه
((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)) نجده يقول: وهذا أيضا من دقة نظره في الكتاب العزيز، والعمق في آثار معادنه، وإبراز محاسنه.
ومع كل هذا الاعتراف، فإن ابن المنير يلاحظ على الزمخشري أحيانا أنه سيئ النية فيما يقول. فمن ذلك أن الزمخشري لما تكلم عن قوله تعالى في الآية (32) من سورة الرعد: ((وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ...)) ختم تفسيره للآية بقوله: "وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها، منادٍ على نفسه بلسان طلق ذلق: أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك الله أحسن الخالقين" لما قال الزمخشري هذه المقالة، لم يتركها ابن المنير تمر بدون أن ينبه على ما فيها فقال:
هذه الخاتمة حق أراد بها باطلا؛ لأنه يُعَرِّض فيها بخلق القرآن، فتنبه لها، وما أسرع المطالع لهذا الفصل أن يمر على لسانه وقلبه ويستحسنه، وهو غافل عما تحته لولا هذا التنبيه والإيقاظ.
وفي الوقت نفسه لم يترك ابن المنير فرصة تمر بدون أن يكيل للزمخشري بمثل كيله من الإقذاع في القول والسخرية به وبأمثاله من المعتزلة، فنراه يرد هجمات الزمخشري التي يشنها على أهل السنة بعبارات شديدة يوجهها إلى الزمخشري وأصحابه، مع تحقيره له ولهم، واستبشاعه لتفسيره وتفسيرهم.