... ٢.١٠ انتصار الزمخشري للمعتزلة بشدة في الكبائر، وقوله بمبدأ المعتزلة


انتصار الزمخشري للمعتزلة بشدة في الكبائر
فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية "٩٣" من سورة النساء: ((وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)) يقول صاحب التفسير والمفسرون:
نجده يجعل لهذه الآية أهمية كبيرة في نصرة مذهبه، وينبه بها على خصومه من أهل السنة، ويندد بهم حيث يقولون بجواز مغفرة الذنب وإن لم يتب منه صاحبه، وبأن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار، فيقول مستغلا لهذه الفرصة المواتية للاستهزاء من خصومه السنيين: هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد، والإبراق والإرعاد أمر عظيم، وخطب غليظ، ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة، وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلا، وفي الحديث: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم"، وفيه: لو أن رجلا قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه، وفيه: أن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه، وفيه: من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله. والعجب من قوم يقرءون هذه الآية، ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعم أشعيبتهم وطماعيتهم الفارغة، واتباعهم هواهم، وما يخيل إليه مُناهِم في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة: ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)) [محمد: ٢٤]! ...

... ٢.١٠ انتصار الزمخشري للمعتزلة بشدة في الكبائر، وقوله بمبدأ المعتزلة


ثم ذكر الله –سبحانه- التوبة في قتل الخطأ لما عسى يقع من نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ فيه حسم للأطماع وأي حسم! ولكن لا حياة لمن تنادي. فإن قلت: هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل، وهو تناول قوله: ((وَمَنْ يَقْتُلْ)) [النساء: ٩٣] أي قاتل كان من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل، فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله. ا. هـ.

قول الزمخشري بمبدأ المعتزلة في التحسين والتقبيح العقليين
يقول صاحب "التفسير والمفسرون":
ولما كان الزمخشري يقول بمبدأ المعتزلة في التحسين والتقبيح العقليين، كان لا بد له أن يتخلص من ظاهر هذين النصين المنافيين لمذهبه، وهما: قوله تعالى في الآية (١٦٥) من سورة النساء: ((رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ))، وقوله في الآية (١٥) من سورة الإسراء: ((... وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)) فتراه في الآية الأولى يستشعر معارضة ظاهر الآية لهذا المبدأ، فيسأل هذا السؤال: كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل، وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة، والرسل في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر فيها؟

... ٢.١٠ انتصار الزمخشري للمعتزلة بشدة في الكبائر، وقوله بمبدأ المعتزلة


ثم يجيب هو عن هذا السؤال فيقول: "قلت": الرسل منهيون عن الغفلة، وباعثون على النظر، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد، مع تبليغ ما حملوه من تفصيل أمور الدين، وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع. فكان إرسالهم إزاحة للعلة، وتتميما لإلزام الحجة لئلا يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولا فيوقظنا من سنة الغفلة، وينبهنا لما وجب الانتباه له. ا. هـ. ويواصل الذهبي كلامه فيقول: عندما تكلم عن الآية الثانية نراه يستشعر مثل ما استشعر في الآية الأولى، ويسأل ويجيب بمثل ما سأل عنه وأجاب به في الآية الأولى، فيقول: فإن قلت: الحجة لازمة لهم قبل بعثة الرسل؛ لأن معهم أدلة العقل التي بها يُعرف الله، وقد أغفلوا النظر، وهم متمكنون منه، واستيجابهم العذاب لإغفالهم النظر فيما معهم، وكفرهم النظر لذلك، لا لإغفال الشرائع التي لا سبيل إليها إلا بالتوقيف، والعمل بها لا يصح إلا بعد الإيمان. "قلت": بعثة الرسل من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة؛ لئلا يقولوا: كنا غافلين، فلولا بعثت إلينا رسولا ينبهنا على النظر في أدلة العقل..... اهـ.

انتصاره لمعتقد المعتزلة في السحر
يقول صاحب "التفسير والمفسرون":
ثم إن الزمخشري كغيره من المعتزلة لا يقول بالسحر، ولا يعتقد في السحرة؛ ولهذا نجده عندما يفسر سورة الفلق التي تشهد لأهل السنة ولا تشهد له، لا يخونه مهارتة، ولا تعوزه الحيلة التي يخرج بها في تفسيره من هذه الورطة الصريحة. كما نجده يشدد النكير، ويغرق في الاستهزاء والسخرية بأهل السنة القائلين بحقيقة السحر، وذلك حيث يقول: ((النَّفَّاثَاتِ)) [الفلق: ٤]: ...

... ٢.١٠ انتصار الزمخشري للمعتزلة بشدة في الكبائر، وقوله بمبدأ المعتزلة


... النساء أو النفوس، أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط، وينفُثن عليها ويرقين، والنفث: النفخ مع ريق، ولا تأثير لذلك، اللهم إلا إذا كان ثم إطعام شيء ضار أو سقيه أو إشمامه، أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه، ولكن الله –عز وجل- قد يفعل عند ذلك فعلا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثابتون على الحق من الحشوية والجهلة من العوام، فينسبه الحشوية والرعاع إليهن وإلى نفثهن، والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك، ولا يعبئون به. "فإن قلت": فما معنى الاستعاذة من شرهن؟ قلت: فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر، ومن إثمهن في ذلك.
والثاني: أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن، وما يخدعنهم به من باطلهن.
والثالث: أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن.
ويجوز أن يراد بهن النساء الكيّدات من قوله: ((إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)) [يوسف: ٢٨]، تشبيها لكيدهن بالسحر والنفث في العُقد، أو اللاتي يفتنّ الرجال بتعرضهن لهم، وعرضهن محاسنهن، كأنهن يسحرنهم بذلك.
يقول صاحب "التفسير والمفسرون": وفي الحق إن هذه محاولة عقلية عنيفة من الزمخشري يريد من ورائها أن يحول الحقائق التي ورد بوقوعها الكتاب والسنة، إلى ما يتناسب مع هواه وعقيدته.