...١.١٠ مبدأ الزمخشري في التفسير عندما يصادم النص القرآني
١.١٠ مبدأ الزمخشري في التفسير عندما يصادم النص القرآني مذهبه، وموقف
الزمخشري من المسائل الفقهية ومن الإسرائيليات
مبدأ الزمخشري في التفسير عندما يصادم النص القرآني مذهبه
يقول صاحب "التفسير والمفسرون":
والمبدأ الذي يسير عليه الزمخشري في تفسيره، ويعتمد عليه عندما تصادمه آية تخالف مذهبه وعقيدته، هو حمل الآيات المتشابهة على الآيات المحكمة. وهذا المبدأ قد وجده الزمخشري في قوله تعالى في الآية (٧) من سورة آل عمران: ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)) فـ"المحكمات" هي التي أحكمت عباراتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه، و"المتشابهات": هي المتشبهات المحتملات. و"أم الكتاب" أصله الذي يحمل عليه المتشابه، ويُرَد إليه، يفسَّر به.
على هذا التفسير جرى الزمخشري في كشافه عندما تعرض لهذه الآية، وهو تفسير لا غبار عليه، كما أن هذا المبدأ -أعني مبدأ حمل الآيات المتشابهات على الآيات المحكمات- مبدأ سليم يقول به غير الزمخشري أيضًا من علماء أهل السنة، ولكن الذي لا نسلمه للزمخشري هو تطبيقه لهذا المبدأ على الآيات التي تصادمه. فإذا مر بآية تعارض مذهبه، وآية أخرى في موضوعه تشهد له بظاهرها، تراه يدعي الاشتباه في الأولى والإحكام في الثانية، ثم يحمل الأولى على الثانية، وبهذا يرضي هواه المذهبي وعقيدته الاعتزالية. وقد مثل الزمخشري لحمل المتشابه على المحكم وردّه إليه بقوله تعالى: ((لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ)) [الأنعام: ١٠٣]، وقوله تعالى في الآيتين ٢٢، ٢٣ من سورة القيامة: ...
...١.١٠ مبدأ الزمخشري في التفسير عندما يصادم النص القرآني
١.١٠ مبدأ الزمخشري في التفسير عندما يصادم النص القرآني مذهبه، وموقف
الزمخشري من المسائل الفقهية ومن الإسرائيليات
... ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ))؛ فهو يرى أن الآية الأولى محكمة، والآية الثانية متشابهة، وعليه فتجب أن تكون الآية الثانية متفقة مع الآية الأولى، ولا سبيل إلى ذلك إلا بحملها عليها، وردها إليها.
موقف الزمخشري من المسائل الفقهية
يقول صاحب "التفسير والمفسرون":
هذا، وإن الزمخشري –رحمه الله- يتعرض إلى حد ما، وبدون توسع إلى المسائل الفقهية التي تتعلق ببعض الآيات القرآنية، وهو معتدل لا يتعصب لمذهبه الحنفي، ففي سورة البقرة عند قوله تعالى في الآية ٢٢٢: ((وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)) يقول: وبين الفقهاء خلاف في الاعتزال؛ فأبو حنيفة وأبو يوسف يوجبان اعتزال ما اشتمل عليه الإزار، ومحمد بن الحسن لا يوجب إلا اعتزال الفرج، وروى محمد حديث عائشة –رضي الله عنها- أن عبد الله بن عمر سألها: هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: تشد إزارها على سفلتها ثم ليباشرها إن شاء، وما روى زيد بن أسلم أن رجلا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: "لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها". ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، وقد جاء ما هو أرخص من هذا عن عائشة –رضي الله عنها- أنها قالت: "يجتنب شعار الدم، وله ما سوى ذلك".
...١.١٠ مبدأ الزمخشري في التفسير عندما يصادم النص القرآني
١.١٠ مبدأ الزمخشري في التفسير عندما يصادم النص القرآني مذهبه، وموقف
الزمخشري من المسائل الفقهية ومن الإسرائيليات
وقرئ "يطَّهرن" بالتشديد، أي: يتطهرن، بدليل قوله: ((فَإِذَا تَطَهَّرْنَ)) [البقرة: ٢٢٢]، وقرأ عبد الله: "حتى يتطهَّرن"، و"يطهَرْن" بالتخفيف، والتطهر: الاغتسال، والطهر: انقطاع دم الحيض، وكلتا القراءتين مما يجب العمل به، فذهب أبو حنيفة إلى أن له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم وإن لم تغتسل، وفي أقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة. وذهب الشافعي إلى أنه لا يقربها حتى تطْهر، وتطَّهر فتجمع بين الأمرين، وهو قول واضح، ويعضده قوله: ((فَإِذَا تَطَهَّرْنَ)) [البقرة: ٢٢٢] ا. هـ.
موقف الزمخشري من الإسرائيليات
يقول صاحب "التفسير والمفسرون":
ثم إن الزمخشري مقلّ من ذكر الروايات الإسرائيلية، وما يذكره من ذلك إما أن يصدر بلفظ "روي" المشعر بضعف الرواية وبعدها عن الصحة، وإما أن يفوض علمه إلى الله –سبحانه- وهذا في الغالب يكون عند ذكره للروايات التي لا يلزم من التصديق بها مساس الدين، وإما أن ينبه على درجة الرواية ومبلغها من الصحة أو الضعف، ولو بطريق الإجمال، وهذا في الغالب يكون عند الروايات التي لها مساس بالدين وتعلق به. ا. هـ.
ثم يواصل الكلام بعد ذلك فيقول: فمثلا في سورة "القصص" عند تفسيره لقوله تعالى في الآية "٣٨": ((وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا...)) الآية، قال: ...
...١.١٠ مبدأ الزمخشري في التفسير عندما يصادم النص القرآني
١.١٠ مبدأ الزمخشري في التفسير عندما يصادم النص القرآني مذهبه، وموقف
الزمخشري من المسائل الفقهية ومن الإسرائيليات
... روي أنه لما أمر ببناء الصرح، جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص، ونجر الخشب وضرب المسامير، فشيَّدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان آخر من الخلق، فكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه يبني، فبعث الله –تعالى- جبريل –عليه السلام- عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك. ويروى في هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه، فرمى بنشابة إلى السماء، فأراد الله أن يفتنهم، فرُدت إليه ملطوخة بالدم، فقال: قد قتلت إله موسى، فعندها بعث الله جبريل –عليه السلام- لهدمه، والله أعلم بصحته. ا. هـ.
وهكذا لم يقع الزمخشري فيما وقع فيه غيره من المفسرين من الاغترار بالقصص الإسرائيلي والأخبار المصنوعة، وإن كان قد اغتر بالأحاديث الموضوعة في فضائل السور فضمنها تفسيره، وهذه محمدة أخرى لهذا المفسر الكبير تحمد له ويشكر عليها.