٣.٩ منهج الزمخشري في تفسيره للكشاف


اهتمام الزمخشري بالناحية البلاغية للقرآن
يقول صاحب "التفسير والمفسرون": عندما يلقي الإنسان نظرة فاحصة على العمل التفسيري الذي قام به العلامة الزمخشري في كشافه، يظهر له من أول وهلة أن المبدأ الغالب عليه في جهوده التفسيرية، كان في تبيين ما في القرآن من الثروة البلاغية التي كان لها كبير الأثر في عجز العرب عن معارضته والإتيان بأقصر سورة من مثله. والذي يقرأ ما أورده الزمخشري عند تفسيره لكثير من الآيات، من ضروب الاستعارات والمجازات والأشكال البلاغية الأخرى، يرى أن الزمخشري كان يحرص كل الحرص على أن يبرز القرآن في حلَّة بديعة جمال أسلوبه وكمال نظمه، وإنا لنكاد نقطع -إذا استعرضنا كتب التفسير، وتأملنا مبلغ عنايتها باستخراج ما يحتويه القرآن من ثروة بلاغية في المعاني والبيان- بأنه لا يوجد تفسير أوسع مجالا في جهوده في هذا الصدد من تفسير الزمخشري. ولقد كانت لعناية الزمخشري بهذه الناحية في تفسيره من الأثر بين المفسرين وبين مواطنيه من المشارقة ما هو واضح بين؛ أما أثره بين المفسرين فإن كل من جاء بعده منهم -حتى من أهل السنة- استفادوا من تفسيره فوائد كثيرة، كانوا لا يلتفتون إليها لولاه، فأوردوا في تفسيرهم ما ساقه الزمخشري في كشافه من ضروب الاستفسارات والمجازات والأشكال البلاغية الأخرى، واعتمدوا ما نبه عليه الزمخشري من نكات بلاغية، تكشف عما دق من براعة نظم القرآن وحسن أسلوبه. وليس عجيبا أن يعتمد خصوم الزمخشري كغيرهم على كتاب الكشاف، وينظرون إليه كمرجع مهم من مراجع التفسير في هذه الناحية، بعدما قدَّروا هذه الناحية البلاغية في تفسير القرآن، وبعدما علموا أن الزمخشري هو سلطان هذه الطريقة من غير مدافع.

٣.٩ منهج الزمخشري في تفسيره للكشاف


وأما أثره بين مواطنيه من المشارقة، فإنهم أخذوا عنه هذا الفن البلاغي، وبرعوا فيه، حتى سبقوا من عداهم من المغاربة، وقد بين ابن خلدون في مقدمته -عند الكلام عن علم البيان- ما لتفسير الزمخشري من الأثر في براعة المشارقة في هذا الفن فقال: وبالجملة فالمشارقة على هذا الفن أقوم من المغاربة، وسببه -والله أعلم- أنه كان في العلوم اللسانية، والصنائع الكمالية توجد في العمران والمشرق أوفر عمرانا من المغرب –كما ذكرنا- أو نقول: لعناية العجم -وهم معظم أهل المشرق- بتفسير الزمخشري، وهو كله مبني على هذا الفن وهو أصله. ا. هـ.
ويقول صاحب "التفسير والمفسرون":
ثم إنَّا نستعرض هذه الروح البلاغية التي تسود في تفسير الزمخشري، فنشهدها واضحة من أول الأمر عندما تكلم عن قوله تعالى في الآية (٢) من سورة البقرة: ((هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)). فبعد أن ذكر كل الاحتمالات التي تجوز في محل هذه الجملة من الإعراب نبه على أن الواجب على المفسر أن يلتفت للمعاني، ويحافظ عليها، ويجعل الألفاظ تبعا لها، فقال ما نصه: والذي هو أرسخ عرفا في البلاغة أن يضرب عن هذه الحال صفحا، وأن يقال: إن قوله: ((الم)) [البقرة: ١] جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها و((ذَلِكَ الْكِتَابُ)) [البقرة: ٢] جملة ثانية و((لا رَيْبَ فِيهِ)) [البقرة: ٢] ثالثة ((هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)) [البقرة: ٢] رابعة، وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة، وموجب حسن النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق؛ وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها....

٣.٩ منهج الزمخشري في تفسيره للكشاف


... وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة. بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال، فكان تقريرا لجهة التحدي، وشدا من أعضاده، ثم نفى عنه أنه يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة وتسجيلا بكماله، لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة. وقيل لبعض العلماء: فيم لذتك؟ فقال: في حجة تتبختر اتضاحا، وفي شبهة تتضاءل افتضاحا، ثم أخبر عنه بأنه ((هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)) [البقرة: ٢] فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم لم تخل كلمة واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق، ونظمت هذا النظم القيم، من نكته ذات جزالة، ففي الأولى: الحذف، والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه، وفي الثانية: ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة: ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة: الحذف ووضع المصدر الذي هو ((هُدًى)) [البقرة: ٢] موضع الوصف الذي هو هادٍ وإيراده منكرا، والإيجاز في ذكر المتقين، زادنا الله اطلاعا على أسرار كلامه، وتبيانا لنكت تنزيله، وتوفيقا للعمل بما فيه. ا. هـ.

تذرعه بالمعاني اللغوية لنصرة مذهبه الاعتزالي
يقول صاحب التفسير والمفسرون:
كذلك نرى الزمخشري -كغيره من المعتزلة- إذا مر بلفظ يشتبه عليه ظاهره، ولا يتفق مع مذهبه، يحاول بكل جهوده أن يبطل هذا المعنى الظاهر، وأن يثبت للفظ معنى آخر موجودًا في اللغة. فمثلا عندما تعرض لتفسير قوله تعالى في الآيتين (22، 23) من سورة القيامة: ...

٣.٩ منهج الزمخشري في تفسيره للكشاف


... ((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) يتخلص من المعنى الظاهر لكلمة ((نَاظِرَةٌ)) [القيامة: ٢٣]؛ لأنه لا يتفق مع مذهبه الذي لا يقول برؤية الله تعالى، ونراه يثبت له معنى آخر هو التوقع والرجاء، ويستشهد على ذلك بالشعر العربي فيقول ما نصه: ((إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) [القيامة: ٢٣] تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول، ألا ترى إلى قوله تعالى: ((إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ)) [القيامة: 1٢]، ((إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ)) [القيامة: ٣٠]، ((إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ)) [الشورى: ٥٣]، ((إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)) [آل عمران: ٢٨، والنور: ٤٢، وفاطر: 1٨]، ((وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) [البقرة: ٢٤٥]، ((عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)) [الشورى: ١٠]، كيف دل فيها التقديم على معنى الاختصاص؟! ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر، ولا تدخل تحت العدد، وفي محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم، فإن المؤمنين نظارة ذلك اليوم؛ لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ فاختصاصه بنظرهم إليه -لو كان منظورا إليه- محال، فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص، والذي يصح معه أن يكون من قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، تريد: معنى التوقع والرجاء.

اعتماده على الفروض المجازية، وتذرعه بالتمثيل والتخييل فيما يستبعد ظاهره
يقول صاحب التفسير والمفسرون:

٣.٩ منهج الزمخشري في تفسيره للكشاف


كذلك نرى الزمخشري يعتمد في تفسيره على الفروض المجازية في الكلام الذي يبدو في حقيقته بعيدا وغريبا. فمثلا عند قوله تعالى في الآية (٧٢) من سورة (الأحزاب): ((إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ...)) الآية، يقول ما نصه: وهو يريد بالأمانة الطاعة، فعَظَّم أمرها، وفَخَّمَ شأنها. وفيه وجهان:
أحدهما: أن هذه الأجرام العظام من السموات والأرض والجبال قد انقادت لأمر الله -عز وجل- انقياد مثلها، وهو ما يتأتى من الجمادات، وأطاعت له الطاعة التي تصح منها وتليق بها، حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجادا وتكوينا وتسوية على هيئات مختلفة وأشكال متنوعة كما قال: ((قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)) [فصلت: ١١]. وأما الإنسان فلم تكن حاله فيما يصح منه من الطاعات، ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه -وهو حيوان عاقل صالح للتكليف- مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها، ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع. والمراد بالأمانة الطاعة؛ لأنها لازمة الوجود كما أن الأمانة لازمة الأداء، وعرضها على الجمادات وإباؤها وإشفاقها مجاز. وأما حمل الأمانة، فمن قولك: حامل للأمانة ومحتمل لها، تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته، ويخرج عن عهدتها؛ لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها، وهو حاملها، ألا تراهم يقولون: ركبته الديون، ولي عليه حق، فإذا أداها لم تكن راكبة له ولا هو حاملا لها. ونحوه قولهم: لا يملك مولى لمولى نصرا، يريد أنه يبذل النصرة له، ويسامحه بها، ولا يمسكها كما يمسكها الخاذل. ومنه قولهم: ابغض حق أخيك؛ ...

٣.٩ منهج الزمخشري في تفسيره للكشاف


... لأنه إذا أحبه لم يخرجه إلى أخيه ولم يؤده، وإذا أبغضه أخرجه وأداه، فمعنى ((فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ))
[الأحزاب: ٧٢] فأبين إلا أن يؤدينها، وأبى الإنسان إلا أن يكون محتملا لها لا يؤديها، ثم وصفه بالظلم لكونه تاركا لأداء الأمانة، وبالجهل لإخطائه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤها.
والثاني: أن ما كلف به الإنسان بلغ من عظم وثقل محمله، أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه، وأشده أن يتحمله ويستقل به، فأبى حمله والاستقلال به، وأشفق منه، وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوه قوته: ((إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)) [الأحزاب: ٧٢] حيث حمل الأمانة، ثم لم يف بها وضمنها، ثم خاس بضمانه فيها؛ ونحو هذا الكلام كثير في لسان العرب، وما جاء القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم، من ذلك قولهم: «لو قيل للشحم: أين تذهب؟ لقال: أسوي العوج»، وكم لهم من أمثال على ألسنة البهائم والجمادات، وتصور مقالة الشحم محال، ولكن الغرض أن السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه، كما أن العجف مما يقبح حسنه، فصور السمن فيه تصويرا هو أوقع في نفس السامع، وهي به آنس، وله أقبل، وعلى حقيقته أوقف. وكذلك تصوير عظم الأمانة، وصعوبة أمرها، وثقل محملها، والوفاء بها وهنا تقوم أمام الزمخشري صعوبات ومشاكل يصورها لنا في سؤاله: فإن قلت: قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي يثبت على رأي واحد: أراك تقوِّم رجلا، وتؤخر أخرى؛ لأنه مثلت حاله في تميله وترجحه بين الرأيين، وتركه المضي على أحدهما، ...

٣.٩ منهج الزمخشري في تفسيره للكشاف


... بحال من يتردد في ذهابه فلا يجمع رجليه للمضي في وجهه، وكل واحد من الممثل والممثل به شيء مستقيم داخل تحت الصحة والمعرفة، وليس كذلك ما في هذه الآية، فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه وإشفاقه في نفسه غير مستقيم، فيكف صح بناء التمثيل على المحال، وما مثال هذا إلا أن تشبه شيئا والمشبه به غير معقول. ا. هـ.

ولكن الزمخشري لا يقف طويلا أمام هذه الصعوبات، بل نراه يتخلص منها بكل دقة وبراعة حيث يقول: قلت: الممثل به في الآية، وفي قولهم: لو قيل للشحم: أين تذهب؟ وفي نظائره مفروض، والمفروضات تتخيل في الذهن مثل المحققات؛ مثلت حال التكليف في صعوبته، وثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها. ا. هـ.