١.٩ نقد العلماء لموقف المعتزلة من تفسير القرآن


نقد ابن قتيبة لهذا المسلك الاعتزالي في التفسير
لقد أغضب هذا المسلك الاعتزالي في التفسير ابن قتيبة وأهاجه على المعتزلة، فانتقدهم انتقادا مرًّا لاذعا في كتابه "تأويل مختلف الحديث".
قال أبو محمد: "وفسروا -أي: المعتزلة- القرآن بأعجب تفسير؛ يريدون أن يردوه إلى مذهبهم ويحملوا التأويل على نحلهم، فقال فريق منهم في قوله تعالى: ((وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)) [البقرة: ٢٥٥]: أي: علمه، فهم يستوحشون أن يجعلوا لله كرسيًّا أو سريرًا، ويجعلون العرش شيئا آخر، والعرب لا تعرف من العرش إلا السرير وما عرُش من السقف والآبار، يقول الله تعالى: ((وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ)) [يوسف: ١٠٠] أي: السرير.
وقال فريق منهم في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا)) [يوسف: ٢٤]: إنها همت بالفاحشة، وهم هو بالفرار منها أو الضرب لها، والله تعالى يقول: ((لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ)) [يوسف: ٢٤]، أفتراه أراد الفرار منها أو الضرب لها؟ فلما رأى البرهان أقام عندها، وليس يجوز في اللغة أن تقول: هممت بفلان وهم بي، وأنت تريد اختلاف الهمين حتى تكون أنت تهم بإهانته، ويهم هو بإكرامك، وإنما يجوز هذا الكلام إذا اتفق الهمان.
وقالوا في قوله عز وجل: ((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ)) [الأنبياء: ٨٧]: إنه ذهب مغاضبا لقومه؛ استيحاشا من أن يجعلوه مغاضبا لربه مع عصمة الله، فجعلوه مغاضبا لقومه حين آمنوا، ففروا إلى مثل ما استقبحوا، وكيف يجوز أن يغضب نبي الله -صلى الله عليه وسلم- على قومه حين آمنوا، وبذلك بعث وبه أمر؟ وما الفرق بينه وبين عدو الله إن كان يغضب من إيمان مائة ألف أو يزيدون، ولم يخرج مغاضبا لربه ولا لقومه؟

١.٩ نقد العلماء لموقف المعتزلة من تفسير القرآن


وقالوا في قوله تعالى: ((وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)) [المائدة: ٦٤]: اليد ههنا النعمة؛ لقول العرب: لي عند فلان يد، أي: نعمة ومعروف، وليس يجوز أن تكون اليد ههنا النعمة؛ لأنه تعالى قال: ((غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ)) [المائدة: ٦٤] معارضة عما قالوه فيها، ثم قال: ((بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ))
[المائدة: ٦٤] ولا يجوز أن يكون أراد: غُلت نعمهم بل نعمتاه مبسوطتان؛ لأن النعم لا تغل، ولأن المعروف لا يكنى عنه باليدين كما يكنى عنه باليد، إلا أن يريد جنسين من المعروف فيقول: لي عنده يدان، ونعم الله أكثر من أن يحاط بها".


نقد الحسن الأشعري لتفسير المعتزلة
يقول صاحب "التفسير والمفسرون":
هذا هو الإمام أبو الحسن الأشعري يحكم على تفسير المعتزلة بأنه زيغ وضلال، وذلك حيث يقول في مقدمة تفسيره المسمى بالمختزن والذي لم يقع لنا: أما بعد: فإن أهل الزيغ والتضليل تأولوا القرآن على آرائهم، وفسروه على أهوائهم تفسيرا لم ينزل الله به سلطانا، ولا أوضح به برهانا، ولا رووه عن رسول رب العالمين، ولا عن أهل بيته الطيبين، ولا عن السلف المتقدمين، من الصحابة والتابعين، افتراء على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين. وإنما أخذوا تفسيرهم عن أبي الهذيل بياع العلف ومتبعيه، وعن إبراهيم نظام الخرز ومقلديه، وعن الفوطي وناصريه، وعن المنسوب إلى قرية "جبى" ومنتحليه، وعن الأشج جعفر بن حرب ومجتبيه، وعن جعفر بن مبشر القصبي ومتعصبيه، وعن الإسكافي الجاهل ومعظميه، ...

١.٩ نقد العلماء لموقف المعتزلة من تفسير القرآن


... وعن الفروي المنسوب إلى مدينة بلخ وذويه؛ فإنهم قادة الضلال من المعتزلة الجهال الذين قلدوهم في دينهم، وجعلوهم معولهم الذي عليه يعولون، وركنهم الذي إليه يستندون.
ورأيت الجبائي ألف في تفسير القرآن كتابا أوله على خلاف ما أنزل الله -عز وجل- وعلى لغة أهل قريته المعروفة بجُبى، وليس من أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وما روى في كتابه حرفًا عن أحد من المفسرين، وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه، ولولا أنه استغوى بكتابه كثيرًا من العوام، واستزل به عن الحق كثيرًا من الطغام، لم يكن لتشاغلي به وجه.


حكم ابن تيمية على تفسير المعتزلة
كذلك حكم ابن تيمية على تفسيرهم فقال: إن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيًّا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، لا في رأيهم، ولا في تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن إما دليلًا على قولهم، أو جوابًا على المعارض لهم. ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة فصيحًا، ويَدُسّ البدع في كلامه وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف ونحوه، حتى إنه يروج على خلق كثير ممن لا يعتقد الباطل من تفاسيرهم الباطلة ما شاء الله. وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر في كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم التي يعلم أو يعتقد فسادها، ولا يهتدي لذلك.

١.٩ نقد العلماء لموقف المعتزلة من تفسير القرآن


حكم ابن القيم على تفسير المعتزلة:
كذلك نجد العلامة ابن القيم يحكم على تفسير المعتزلة حكمًا قاسيًا فيقول: إنه زبالة الأذهان، ونخالة الأفكار، وعفار الآراء، ووساوس الصدور، فملئوا به الأوراق سوادا، والقلوب شكوكا، والعالم فسادا، وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل.