٢.٣ كلام الزرقاني في المباحث التي تدور حولها في الغالب علوم القرآن

درست في الدرس السابق كلام الإمام الزركشي والإمام الطبري عن مباحث علوم القرآن.

وفي هذه المحاضرة ستدرس كلام الزرقاني في نفس القضية.

اعلم أن الإمام السيوطي لما اطلع على كتاب الإمام الزركشي "البرهان في علوم القرآن"، قوي عزمه فألف كتابه "الإتقان في علوم القرآن"، وزاد فيه كثيرا مما نوزع في اعتباره من علوم القرآن.

فجاء الإمام الزرقاني ليبين ويناقش ما فعله الإمام السيوطي. ويمكننا تلخيص كلام الإمام الزرقاني كالآتي:
١. أولاً: إن ما أدخله السيوطي من علوم الهيئة، والهندسة، والطب، ونحوها، وما ذكره أبو بكر بن العربي في "قانون التأويل" أن علوم القرآن خمسون وأربعمائة، وسبعة آلاف وسبعون ألْف علْم، محمول على ضرب كبير من التأويل والتوسع، بأن يراد من العلوم كل ما يدل عليه القرآن من المعارف.
والتحقيق أن القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز. وبناء على ذلك يمكن تقسيم العلوم إلى قسمين:




٢.٣ كلام الزرقاني في المباحث التي تدور حولها في الغالب علوم القرآن

١- القسم الأول: العلوم المتصلة بالقرآن من ناحية هدايته، أو إعجازه، فهي من علوم القرآن. وهذا ظاهر في العلوم الدينية والعربية لسببين اثنين:
السبب الأول: إن العلوم المتصلة بالقرآن يدل القرآن على مسائلها ، أو يرشد إلى أحكامها.
السبب الثاني: إن العلوم المتصلة بالقرآن خادمة للقرآن بمسائلها، أو أحكامها، أو مفرداتها.
٢- القسم الثاني: العلوم الكونية المستجدة كعلْم الهندسة، والحساب، وعلم الهيئة والفلك، وعلم الاقتصاد، والاجتماع، وعلم الطبيعة، والكيمياء، وعلم الحيوان، والنبات، فلا يجمل عدّه من علوم القرآن، لسببين اثنين:
السبب الأول: أن القرآن لم ينزل ليدلل على نظرية من نظريات العلوم الكونية كالهندسة مثلاً، ولا ليقرر قانوناً من قوانينها.
السبب الثاني: أن العلوم الكونية كعلم الهندسة مثلاً لم توضع لتخدم القرآن في شرح آياته، أو بيان أسراره.

٢. ثانيا: لا بد أن تتنبه أيها الأخ الكريم أن القرآن حضّ على معرفة علوم الكون، وصنائع العالَم، وحثّ على الانتفاع بكل ما يقع تحت نظرنا في الوجود، قال سبحانه وتعالى {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} ١٣ الجاثية. فلا يليق بالمسلمين إذاً ترك هذه المنافع العامة، ولا الزهد في علوم الكون، ولا حرمان أنفسهم فوائد خزائن السموات والأرض.




٢.٣ كلام الزرقاني في المباحث التي تدور حولها في الغالب علوم القرآن

٢. وقد نص العلماء على أنّ تعلّم تلك العلوم الكونية، وحذق هذه الصناعات الفنية: فرض الكفاية ما داموا في حاجة إليها لمصلحة الفرد أو المجموع. وذلك لأن البقاء في هذه الحياة للأصلح، والحياة في هذا الوجود للسلام المسلّح، والأسلحة في هذا العصر خاصة تقوم على التمهر في العلوم، وعلى السبق في حلبة الصناعات والفنون. والله تعالى يقول {وأعِدّوا لهم ما استطعتم من قوة} ٦٠ الأنفال. والنبي- صلى الله عليه وسلم- يقول -فيما رواه مسلم عن أبي هريرة ((المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير. احرصْ على ما ينفعك، واستعنْ بالله، ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله، وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان )).