٣.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يوسف والرعد


شرح سورة (يوسف) -عليه السلام-

سورة (يوسف) -عليه السلام- والسّوَر التي ليس فيها خلاف، لم يذكرها فضيلة الشيخ القاضي -رحمه الله تعالى. وسورة (يوسف) -عليه السلام- مِن السُّوَر الأربعين، والتي سبَق أن ذكَرْنا أنها من القسم الأوّل الذي لم يَختلف فيه علماء العدد، لا في إجمال ولا تفصيل.
وهي مكية، قيل: إلاّ أربع آيات منها نزلت بالمدينة: ثلاثٌ مِن أوّلها، والرابعة: ((لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ)). ونزلت بَعْد سورة (هود) -عليه السلام- ونزلت بَعْدها سورة (الحِجر). ونظيرتها في المدنيَّيْن والمكي والشامي سورة (الأنبياء)، وفي الكوفي سورة (الإسراء), ونظيرتها في العدد البصري سورة (الكهف) و(الأنبياء).
وكلماتها: ألْف وسبعمائة وستّ وسبعون كلمة.
وحروفها: سبعة آلاف ومائة وستة وسبعون حرفًا.
وعدد آياتها: مائة وإحدى عشرة آية اتفاقًا، أي: اتفق علماء العدد على هذا العدد في الإجمال، وليس فيها أيّ خلاف في التفصيلات كما ذكَرْنا.
وفيها من مُشْبِه الفاصلة المتروك أحَد عشَر موضعًا:
الأول: ((الْأَحَادِيثِ)) [يوسف: ٦]، وجميع ما ورد من لفظ الأحاديث.

٣.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يوسف والرعد


الثاني: ((فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)) [يوسف: ١٨] و[يوسف: ٨٣]، في الموضعيْن.
الثالث: ((لَدَى الْبَابِ)) من قوله تعالى: ((وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ)) [يوسف: ٢٥]، ليست معدودة لأحَد أيضًا.
الرابع: ((وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا)) [يوسف: ٣٦].
الخامس: ((خَمْرًا)) [يوسف: ٣٦] و[يوسف: ٤١]، في الموضعيْن.
السادس: ((مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ)) [يوسف: ٤٠]، وكلمة ((سُلْطَان)) ليست معدودة لأحَد، وكذا في جميع السُّوَر.
السابع: ((بَعِيرٍ)) [يوسف: ٦٥] و[يوسف: ٧٢], في الموضعيْن.
الثامن: ((نَجِيًّا)) في قوله تعالى: ((فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ)) [يوسف: ٨٠].
التاسع: ((بَصِيرًا)) [يوسف: ٩٣] و[يوسف: ٩٦], في الموضعيْن.
العاشر: ((وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا)) [يوسف: ١٠٠].
الحادي عشر: ((لأُولِي الأَلْبَابِ ((في قوله تعالى: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى)) [يوسف: ١١١].

٣.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يوسف والرعد


فهذه الآيات كلّها ليست معدودة لأحَد. هذه الآيات شِبْه الفواصل المتروكة، ذكَرها الإمام الشاطبي -رحمه الله سبحانه وتعالى- وزاد الإمام الدّاني: ((مِنْهُنَّ سِكِّينًا)) [يوسف: ٣١]، ولم يذكر الإمام الشاطبي هذا الموضع؛ لأنه لم يكن مُشْبِهًا لفواصل تلك السّورة، حيث لم يَذْكُر الألِف في قاعدة فواصلها.

أشرح سورة (الرعد)

سورة (الرعد) مكية في قول ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وعطاء، إلاّ قوله تعالى: ((وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)) [الرعد: ١٣]، وقوله تعالى: ((وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا)) [الرعد: ٤٣] إلى آخِرها، فمدنيّ؛ لأنها نزلت في عبد الله بن سلام -رضي الله تبارك وتعالى عنه. وعن قتادة: أنها مدنية، إلاّ قوله تعالى: ((وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا)) [الرعد: ٣١].
ونزلت بَعْد سورة (محمد) -صلى الله عليه وسلم- ونزلت بَعْدها سورة (الرحمن), وهذا الترتيب يقتضي أنها مدنية.
ونظيرتها في المدنيّين والمكي سورة (المعارج)، وفي البصري سورة (فاطر)، و(ق)، (والنازعات), ولا نظير لها في العدد الكوفي والشامي.
وكلماتها: ثمانمائة وخمْس وخمسون كلمة.
وحروفها: ثلاثة آلاف وخمسمائة وستة أحرف.

٣.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يوسف والرعد


وعدد آياتها:
ثلاث وأربعون عند الكوفي.
وأربع وأربعون عند المدني، والمكي.
وخمس وأربعون عند البصري.
وسبع وأربعون عند الشامي.
وقد اختلفوا في عَدِّ خمسة مواضع، ذكرها المصنِّف -رحمه الله سبحانه وتعالى- في كتاب "الفرائد الحِسان".

قال رحمه الله: سورة (الرعد):
            ((جَدِيدٍ)) ((النُّورُ)) سوى الكوفيِّ عَدّ
            وللدمشقيِّ ((الْبَصِيرُ)) يُعتمَدْ
قال رحمه الله: المعنى: أنّ كلمة ((جَدِيدٍ)) في قوله تعالى: ((أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)) [الرعد: ٥]، وكلمة ((وَالنُّورُ)) في قوله تعالى: ((أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ)) [الرعد: ١٦] عَدّهما غير الكوفي، وترَكهما الكوفي.

٣.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يوسف والرعد


ذوقوله تعالى: ((هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)) [الرعد: ١٦] يعتمد عَدَّه الدمشقي دون سائر علماء العدد.
وجْه مَن عَدّ ((جَدِيدٍ)): استقلالُ الكلام مع المشاكلة، وانعقاد الإجماع على عَدِّ نظيره.
ووجْه مَن لم يَعُدَّه: عَدم الموازنة لطَرَفيْه، مع عدم المساواة لهما.
ووجْه مَن َعّد ((أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ)): المُشاكَلة، والإجماع على عَدِّ مِثْله في سورة (النور)، في قوله تعالى: ((وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)) [النور: ٤٠].
ووجْه مَن لم يَعُدّه: عدم الموازنة لِما قَبْله وما بَعْدَه، وعَدم انقطاع الكلام في الجملة.
ووجْه مَن عَدّ ((الْبَصِيرُ)): المشاكلة.
ووجْه مَن لم يَعُدّه: عَدم الموازنة، والقِصَر.

ثم قال رحمه الله:
            ((سُوءُ الْحِسَابِ)) عد شامٍ أوَّلاَ
            وقَبْلَه ((الْبَاطِلَ)) للحمصِي انجَلَى
            ((مِنْ كُلِّ بَابٍ)) عَدَّه البصريُّ

٣.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يوسف والرعد


            وأيضًا الشّامِيُّ والكوفيُّ
قال رحمه الله: قوله تعالى: ((أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ)) [الرعد: ١٨] -وهو الموضع الأوّل- عَدَّه الشامي وتَرَكه غيْرُه. وقيّدتُه بـ "الموضع الأوّل"؛ لإخراج الثّاني المتّفق على عَدِّه، وهو ((وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)) [الرعد: ٢١].
وقوله تعالى: ((كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ)) [الرعد: ١٧] معدود للحمصيّ وحْده. قال رحمه الله: وقولي: "وقَبْله" ليس قيدًا للاحتراز، إنما هو لبيان الواقع، وهو أنّ ((كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ)) وقَع في التلاوة قبْل ((أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ)).
وقوله تعالى: ((وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ)) [الرعد: ٢٣] عَدّه البصري والشامي والكوفي، وتَرَكه الحجازيون -أي: المدنيّان والمكي.
وجْه مَن عَدّ ((سُوءُ الْحِسَابِ)): المشاكلة.
ووجْه مَن لم يَعُدّه: عدم انقطاع الكلام، وقِصَر ما بَعْده.
وجْه مَن عَدّ ((مِنْ كُلِّ بَابٍ)): المُشاكلة.
ووجْه مَن لم يَعُدَّه: عَدم انقطاع الكلام، وقِصَر ما بَعْده.
قال رحمه الله: والخلاصة: أنّ مواضع الخلاف في هذه السُّورة سِتّة: ((جَدِيدٍ))، ((والنُّورُ))، ((والْبَصِير))، ((والْحِسَاب))، ((والْبَاطِل))، ((مِنْ كُلِّ بَابٍ)), وتأمّلْ مَن عَدّ ومَن تَرَك.
وهو بذلك يكون قد أتى بموضع زائد على ما في "بشير اليُسْر"، حيث إنه ذكَر خمسة مواضع فقط. لكن الشيخ القاضي -رحمه الله- زاد كلمة:

٣.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يوسف والرعد


((الْبَاطِلَ)) وعَدّها الحمصي -والإمام الشاطبي لم يذْكر العدد الحمصي- فيكون قد ذكَر الخمسة المواضع إضافة إلى هذا الموضع الذي عدّه الحمصي, وترَكه غيره.

مُشْبِهُ الفواصل المعدودة و المتروكة
ومُشْبِهُ الفواصل المعدودة فيها موضعان:
الأوّل: ((كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ)) [الرعد: ١٧].
الثاني: ((الْمِيثَاقَ)) من قوله تعالى: ((وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ)) [الرعد: ٢٠].
وفيها مِن شِبْه الفواصل المتروكة أربعة مواضع:
الأوّل: ((مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ)) [الرعد: ٦].
الثاني: ((وَمَا تَزْدَادُ)) من قوله تعالى: ((اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ)) [الرعد: ٨].
الثالث: ((عَلَيْهِ فِي النَّارِ)) [الرعد: ١٧].
الرابع: ((وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ((من قوله تعالى: ((وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إلَهَ إِلاَّ هُو)) [الرعد: ٣٠].