٢.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يونس وهود


شرح سورة (يونس) -عليه السلام-

قد تحدّثنا في اللّقاء السابق، وانتهينا فيه من شرح سورة (التوبة)، والآن -بمشيئة الله تعالى- نبدأ في شرح سورة (يونس) -عليه السلام. وفي أثناء السّوَر السابقة كنّا نتحدّث في نهاية كلِّ سورة عن موافقة الحمصيّ للدمشقيّ أو مخالفته له، والشيخ عبد الفتاح القاضي -رحمه الله تبارك وتعالى- في "الفرائد الحِسان" وفي شرْحه "نفائس البيان" يَذكر دائمًا العدد الحمصيّ؛ لذلك سوف نكتفي بما يذكره الشيخ القاضي, ويعتبر الدمشقي مخالفًا أو موافقًا للحمصي على حسب الخلاف الذي يذكره فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي -رحمه الله تبارك وتعالى.
والآن نبدأ في شرح سورة (يونس) -عليه السلام.
جاء في كتاب الوجيز: أنها مكية، في قول أكثرهم، واستثنى ابن المبارك قوله تعالى: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ)) [يونس: ٤٠]؛ فإنها نزلت في حقّ يهود المدينة. وروى المعدّل عن ابن عباس وقتادة استثناء ثلاث آيات: ((فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ)) [يونس: ٩٤] إلى آخِر الآيات الثلاث. وقيل: آيتيْن، وقيل: مِن أوّل السورة إلى قوله تعالى: ((فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)) [يونس: ٣٩] مكّيّ، والباقي مدني.
ونزلت بَعْد سورة (بني إسرائيل) وهي سورة (الإسراء), ونزلت بَعْدها سورة (هود).
ونظيرتها في العدد الشّاميّ سورة (بني إسرائيل), ولا نظير لها في غيره.
وكلماتها: ألْف وثمانمائة واثنتان وثلاثون كلمة.

٢.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يونس وهود


وحروفها: سبعة آلاف وخمسمائة وسبعة وستون حرفًا، كحروف سورة (هود) -عليه السلام.
وعدد آياتها: مائة وتسع آيات لغير الشامي، وعشْر عنده.
بيان الفواصل المختلَف فيها في سورة (يونس) -عليه السلام:
قال المصنِّف -رحمه الله تعالى: سورة (يونس) -عليه السلام:
والشَّامِي لفْظ ((الدِّينِ)) ((والصُّدُورِ)) عَدّ
((والشَّاكِرِينَ)) لِسواهُ يُعْتمَدْ
قال رحمه الله: اشتمل هذا البيت على بيان الفواصل المختلَف فيها في هذه السُّورة، فدلّ على أنها: ثلاثة: ((مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)) [يونس: ٢٢]، ((وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ)) [يونس: ٥٧]، ((لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)) [يونس: ٢٢]. وأفاد رحمه الله أنّ الشّاميّ انفرد بِعَدِّ الأوّلَيْن، وأنّ الأخير قد اعتمد عَدَّه غيْرُه. فمَن عَدَّ الأوّلَيْن -وهو الشّامي- لا يَعُدّ الأخير، ومَن عَدّ الأخير -وهم غيْر الشامي- يترُكون عَدّ الأوّلَيْن.
قال رحمه الله: ولا يخفى عليك: أنّ ((الر)) ليست معدودةً لأحَد، وكذا ((الر ((أوّل (هود)، و(يوسف)، و(إبراهيم)، و(الحِجر). وأيضًا ((المر)) أول سورة (الرعد) كما سبق ذكْر ذلك عند أوّل سورة (البقرة).
وجْه مَن عَدّ ((مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)): المُشاكلة.
ووجْه مَن تَرَكه: عدم الموازنة.

٢.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يونس وهود


ووجْه مَن عَدَّ ((الصُّدُور)): المُشاكلة، والإجماع على عَدِّ مِثْله في القرآن الكريم.
ووجْه مَن لم يَعُدَّه: عَدم الموازنة لفواصل السُّورة، وتعلّق ما بَعْده بما قَبْله.
ووجْه مَن عَدَّ ((مِنَ الشَّاكِرِينَ)): المُشاكلة، وتمامُ الكلام.
ووجْه مَن تَرَكه -وهو الشّامي: عَدم المساواة لِقِصَرها عمّا قَبْلها وما بَعْدها.
وفيها مِمّا يُشبه الفواصل وليس بمعدود, موضعان:
الأوّل: ((آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ)) [يونس: ٩٠].
والثاني: ((وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرائيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ)) [يونس: ٩٣]. فكلمة ((إِسْرَائِيلَ)) في هذه الآية أيضًا تُشبه الفاصلة وليست معدودة.

شرح سورة (هود) -عليه السلام

سورة (هود) -عليه السلام- مكية، واستثنى بعضُهم ثلاثَ آيات:
الأولى: ((فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ)) [هود: ١٢].
والثانية: ((أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ)) [هود: ١٧].

٢.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يونس وهود


والثالثة: ((وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ)) [هود: ١١٤]. ونزلت بعد سورة (يونس) -عليه السلام- ونزلت بَعْدها سورة (يوسف) -عليه السلام- على ترتيب المصاحف. ونظيرتها في المدني الأوّل والشامي سورة (المائدة), ولا نظير لها في غيرهما.
وكلماتها: ألْف وتسعمائة وخمْس عشرة كلمة.
وحروفها: سبعة آلاف وخمسمائة وسبعة وستون حرفًا، كحروف سورة (يونس) -عليه السلام.
وعدد آياتها:
مائة وعشرون وواحدة: عند المكي، والبصري، والمدني الأخير.
ومائة وعشرون واثنتان: عند المدني الأوّل، والشامي.
ومائة وثلاث وعشرون: عند الكوفي.

ذِكْر الفواصل المختلَف فيها في سورة (هود) -عليه السلام:
قال -رحمه الله: سورة (هود) -عليه السلام:
             للكوفي والحمصي ((تُشْرِكُونَ)) عُدّ
             ثانيَ ((لُوطٍ)) عنه كالبصريّ رُدّ

٢.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يونس وهود


وجْه مَن عَدّ ((تُشْرِكُونَ)): المُشاكلةُ، والإجماع على عَدِّ مِثْله.
ووجْه مَن لم يَعُدّه: تعلّق ما بَعْده به، وقِصَر ما بَعْده.
ووجْه عَدِّ ((لُوطٍ)) الثاني: المُشاكلةُ، والإجماع على عَدِّ الأوّل.
ووجْه مَن لم يَعُدّه: قِصَر ما بَعْده.

ثم قال رحمه الله:
            ((سِجِّيلٍ)) المكّي معَ الثّاني انتمَى
            وعُدَّ ((مَنْضُودٍ)) لدى سواهُما
قال رحمه الله: تضمَّن هذا البيت بيانَ الخلاف في موضعيْن من مواضع الخلاف في هذه السُّورة، فأفاد: أنّ ((سِجِّيلٍ)) من قوله تعالى: ((وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ)) [هود: ٨٢] معدود للمكي مع المدني الثاني، ومتروك لغيرهما. ومعنى: "انتمى" أي: انتسب عَدُّ هذا اللفظ للمكي والمدني الثاني.
ثم أفاد أيضًا: أنّ ((مَنْضُودٍ)) من قوله تعالى في نفس الآية: ((وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ)) [هود: ٨٢] رأسُ آية معدود عند غير المكي والمدني الثاني؛ فيكون متروكًا عندهما.

٢.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يونس وهود


وجْه مَن عَدّ ((سِجِّيلٍ)): المُشاكلةُ، والإجماع على عَدِّ مِثْله في سورتَيِ (الحِجر) و(الفيل).
ووجْه مَن لم يَعُدَّه: عَدم الموازنة، وقِصَر ما بَعْده؛ لأنّ مَن لم يَعُدَّه يَعُدّ ((مَنْضُودٍ)) مع تعلّقِه بما بَعْده.
ووجْه مَن عَدّ ((مَنْضُودٍ)): الموازنةُ، والمشاكَلة.
ووجْه مَن لَمْ يَعُدَّه: قِصَرُه؛ لأنّ مَن لم يَعُدّه يَعُدّ ((سِجِّيلٍ)) قَبْله، فتصير الآية على كلمة واحدة؛ وهذا على خلاف القياس، لا يَثبت إلا بالنّص.

قال رحمه الله: ثم قلتُ:
            ((ومُؤْمِنِينَ)) الحمصي معْ حجازِهمْ
            ((مُخْتَلِفِينَ)) اعْدُدْهُ عن دمشْقِهمْ
            كذا العراقيُّ ((وعَامِلُونَ))
            هُمْ مَعَ الأوّلِ ناقِلونَ
قال رحمه الله: أخبرتُ أنّ قوله تعالى: ((بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) [هود: ٨٦] معدود للحمصيّ مع الحجازي -أي: المدنيَّيْن-، والمكي، ومتروك لغيرهم.
ثم أمرتُ بِعَدِّ قوله تعالى: ((وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)) [هود: ١١٨] عن الدمشقي والعراقي -أي: البصري والكوفي- فلا يكون معدودًا للحجازيِّين.

٢.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يونس وهود


ثم أخبرتُ أنّ قوله تعالى: ((إِنَّا عَامِلُونَ)) [هود: ١٢١] قد نَقل عَدّه أيضًا: الدمشقي والعراقي, ويُشاركهما في عَدِّه المدني الأوّل. فالضمير في قولي: "هم" يعود على المذكورين قَبْلُ، وهم: الدمشقي والعراقي. وإذا كان هؤلاء يَعُدّونه، فالباقي لا يَعُدّه، وهما: المكي والمدني الثاني.
والضمير في "حجازهم" و"دمشقهم" يعود على علماء العدد. وإضافة "الحجاز" و"دمشق" إليهم لأدنى ملابسة؛ لأنّ الحجازيِّين والدمشقي مِن ضمن علماء العدد.
ومواضع الخلاف في هذه السورة سبْعة: ((تُشْرِكُونَ))، ((ولُوطٍ)) الثاني، ((وسِجِّيلٍ))، ((ومَنْضُودٍ))، ((ومُؤْمِنِينَ))، ((ومُخْتَلِفِينَ))، ((وعَامِلُونَ)).
وجْه مَن عَدّ ((مُؤْمِنِينَ)): المُشاكلةُ، والإجماعُ على عدِّ أمثاله.
ووجْه مَن لم يَعُدّه: قِصَر ما بَعْده.
ووجْه مَن عَدّ ((مُخْتَلِفِينَ)): المُشاكلة.
ووجْه مَن لم يَعُدّه: عَدم تمام الكلام، وعَدم المساواة.
ووجْه مَن عَدّ ((عَامِلُونَ)): المشاكلة.
ووجْه مَن لم يَعُدّه: عَدم مساواة ما بَعْدَه لِما قَبْله.

٢.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يونس وهود


مُشْبِهُ الفاصلة المعدود
فهو ثلاثة:
الأوّل: ((نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ)) [هود: ٢].
الثاني: ((إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ)) [هود: ٢٥] في قصة نوح -عليه السلام.
الثالث: ((وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ)) [هود: ١٠٤].

مُشْبِه الفاصلة المتروك
أمّا مُشْبِه الفاصلة المتروك فهو خمسة:
الأوّل: ((وَمَا يُعْلِنُونَ)) [هود: ٥].
الثاني: ((وَفَارَ التَّنُّورُ)) [هود: ٤٠].
الثالث: ((فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)) [هود: ٣٩] و[هود: ٩٣]، الذي بَعْده: ((مَنْ يَأْتِيهِ)) في الموضعيْن، من قوله تعالى: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ)) [هود: ٧٨].

٢.٦ شرح الفواصل الموجودة في سورتي يونس وهود


الخامس: ((يَوْمٌ مَجْمُوعٌ ((في قوله تعالى: ((ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)) [هود: ١٠٣].
وإلى القسمَيْن أشار الإمام الشاطبيّ -رحمه الله- بقوله:
            ((بَشِيرٌ)) ((ومَعْدُودٍ)) ((مُبِينٌ)) لِكُلِّهمْ
            وقد أسقط ((التَّنُّور)) كلّ بلا زبْرِ
            وأسقِطْ ((مَجْمُوعٌ)) لهم ((تَعْلَمُونَ)) من
            ((وتُخْزُونِ)) معْه ((يُعْلِنُونَ)) على جَهْرِ