١.٥ شرح الفواصل الموجودة في سورتي المائدة والأنعام


بيان الفواصل المختلَف فيها في سورة (المائدة)

سورة (المائدة) مدنية في أكثر الأقاويل، وقيل: إلاّ قوله تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا )) [المائدة: ٣]، فإنها نزلت بعرفات في حجّة الوداع. ونزلت بعد سورة (الأحزاب)، ونزلت بَعْدها سورة (التوبة). ونظيرتها في المدني الأول والشامي سورة (هود)، ولا نظير لها في غيرهما.
وكلماتها: ألْفان وثمانِمائة وأربعُ كلمات.
وحروفها: أحَد عشر ألْفًا وسبعمائة وثلاثة وثلاثون حرفًا.
وعدد آياتها:
مائة وعشرون: كوفي.
ومائة واثنتان وعشرون: مدني، ومكي، وشامي.
ومائة وثلاث وعشرون: بصري.

١.٥ شرح الفواصل الموجودة في سورتي المائدة والأنعام


قال رحمه الله:
              ((وبِالْعُقُودِ)) ((عَنْ كَثِيرٍ)) أهملاَ
              كوفٍ ((وغَاِلبُونَ)) بصْرٍ نَقَلاَ
ذكَر -رحمه الله- في هذا البيت أنّ المواضع المُختلَف فيها بين علماء العدد ثلاثة:
الأوّل : ((أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)) [المائدة: ١].
الثاني: ((وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)) [المائدة: ١٥].
الثالث: ((فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ)) [المائدة: ٢٣].

وأنّ الكوفي قد أهمل عَدّ الموضعيْن الأوّليْن، فيكونان معدودَيْن لغيره، وأنّ البصريّ نقَل عَدّ الموضع الثالث؛ فيكون متروكًا لغيره من باقي علماء العدد.
ووجْه مَن أسقط ((بِالْعُقُودِ)): عَدم المساواة.
ووجْه مَن عَدّها: المُشاكلَة، وتمامُ الكلام.
ووجْه مَن أسقط ((عَنْ كَثِيرٍ)): ما يترتّب على عَدِّها مِن قِصَر ما بَعْدها.

١.٥ شرح الفواصل الموجودة في سورتي المائدة والأنعام


ووجْه مَن عدّها: المُشاكلة، وتمامُ الكلام.
ووجْه مَن عَدّ ((غَاِلبُونَ)): المشاكلة.
ووجْه ترْكه: قِصَر ما بَعْده.
والحمصيّ يوافق الدمشقي في عدد آيات هذه السُّورة.

مُشْبِهُ الفاصلة المتروك في سورة (المائدة):
مُشبه الفاصلة المتروك سبعة ألفاظ, في سبعة مواضع:

الأوّل: ((مُكَلِّبِينَ)) [المائدة: ٤].
الثاني: لفظ ((نَذِير)) من الآية رقم (١٩) في الموضعيْن.
الثالث: ((جَبَّارِينَ ((من الآية رقم (٢٢).
الرابع: لفظ ((جَمِيعًا)) في المواضع الثلاثة: الآية رقم (١٧)، والآية رقم (٣٢)، والآية رقم (٣٦).
الخامس: ((آخَرِينَ)) في قوله تعالى: ((سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ)) [المائدة: ٤١].

١.٥ شرح الفواصل الموجودة في سورتي المائدة والأنعام


السادس: ((أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)) [المائدة: ٥٠].
السابع: ((أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)).

ولذلك قال الشاطبي:
              ((عَلَى الكَافِرِينَ)) أسقِطْ ((جَمِيعًا)) ((مُكَلِّبِيـ
              ـنَ)) ((يَبْغُونَ)) ((جَبَّارِينَ)) مع ((آخَرِينَ)) أمْري
وقد ذكر الإمام الدّاني -رحمه الله- موضعيْن: ((اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا)) ((وعَلَيْهِمُ الأَوَّلِينَ))، أي: على قراءة الجمْع.


شرْح الفواصل الموجودة في سورة (الأنعام)

سورة (الأنعام) مكِّيّة في قول ابن عباس، وعطاء، غير ثلاثِ آيات: ((قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ...)) [الأنعام: ١٥١] وما بَعْدها إلى آخِر الآيات الثلاث. وعن الحسن: أنها مكية إلاّ ثلاث آيات نَزَلْنَ بالمدينة، فأمَر الله -عز وجل- نبيَّه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أن يضعهنّ في سورة (الأنعام):

١.٥ شرح الفواصل الموجودة في سورتي المائدة والأنعام


الأولى: ((ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ)) [الأنعام: ٢٣].
والثانية: ((وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)) [الأنعام: ٩١]، حيث نزلت في عبد الله بن الصيف، وكعب بن الأشرف.
والثالثة: ((وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ)) [الأنعام: ١٤١]، حيث نزلت في ثابت بن قيس. وعن أبيّ بن كعب: أنها نزلت بمكة جُملة واحدة، ومعها سبعون ألْف ملَك، لهم زجل بالتسبيح والتحميد.
وقال السيوطي -رحمه الله- في "الإتقان": هي مكية إلاّ ثلاث آيات:
لأولى: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ)) [الأنعام: ٢١].
الثانية: ((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)) [الأنعام: ٢٠].
لثالثة: ((وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِِّّ)) [الأنعام: ١١٤].
ونزلت بعد سورة (الحِجر)، ونزلت بَعْدها سورة (والصافات), ولا نظير لها في عدد آياتها.
وكلماتها: ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة.
وحروفها: اثنا عشَر ألفًا وأربعُمائة واثنان وعشرون حرفًا.
وعدد آياتها:

١.٥ شرح الفواصل الموجودة في سورتي المائدة والأنعام


مائة وستون وخمْس: كوفي.
ومائة وستون وستّ: بصري وشامي.
ومائة وستون وسبْع: مدني ومكي.


قال رحمه الله:
              قد عُدَّ ((والنُّورَ)) لدى مكِّيِّهِمْ
              والمدنِي الأوّلِ والثّاني وُسِمْ
بيَّن رحمه الله أن قوله تعالى: ((وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)) [الأنعام: ١] معدود عند المكي، والمدنيَّيْنِ: الأول والثاني؛ فلا يكون معدودًا عند البصري، والشامي، والكوفي.
ووجْه مَن عَدّ ((النُّورَ)): المُشاكلة لفواصل السّورة.
ووجْه مَن لَمْ يَعُدّها: عدم المساواة لِما بَعْدها، وعدم استقلالها.

١.٥ شرح الفواصل الموجودة في سورتي المائدة والأنعام


ثم قال رحمه الله:
              ((وبِوَكِيلٍ)) أوّلا كُوفٍ يَرى
              وغيرُه في ((مُسْتَقِيمٍ)) آخِرَا
              كـ ((فَيَكُونُ)) ((الدِّينَ)) شامٍ بصْرِي
              ثمّ ((تَعُودُونَ)) لكوفٍ يَجْرِي
أخبر رحمه الله في شطر البيت الأوّل أنّ الكوفيّ يرى عَدَّ ((بِوَكِيلٍ)) في أوّل المواضع، وهو قوله تعالى: ((قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)) [الأنعام: ٦٦]. ومفهوم هذا: أنّ غير الكوفي يُسقط هذا الموضع من العدد؟؟؟.
وتقييده له بـ "أوّلاَ"؛ لإخراج الموضع الثاني، وهو قوله تعالى: ((وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)) [الأنعام: ١٠٧]، فإنه مُجمَع على عَدِّه.
وذكَر في الشّطر الثاني أنّ غير الكوفي يرى عَدَّ لفظ: ((مُسْتَقِيمٍ)) آخِر المواضع، وهو قوله تعالى: ((قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) [الأنعام: ١٦١]. وقوله: "كـ ((فَيَكُونُ((" معناه: أنّ غير الكوفي أيضًا يعدّ ((فَيَكُونُ)) في قوله تعالى: ((وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ)) [الأنعام: ٧٣]، فيعُدّه كما يَعُدّ ((مُسْتَقِيمٍ)) السّابق الذِّكْر.
وعُلم من هذا: أنّ الكوفي يترك عَدّ هذيْن الموضعيْن.

١.٥ شرح الفواصل الموجودة في سورتي المائدة والأنعام


وتقييد ((مُسْتَقِيمٍ)) بالآخِر؛ للاحتراز عن الموضعيْن السابقيْن في السورة، وهما: ((وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) [الأنعام: ٣٩]، وقوله تعالى: ((وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) [الأنعام: ٨٧]؛ فإنه متّفق على عَدِّهما.
ووجْه عَدِّ ((بِوَكِيلٍ)) الأوّل: المشاكلة، والاتّفاقُ على عَدِّ نظائره.
ووجْه تَرْكه: عدَم الموازنة لِما قَبْله وما بَعْده، وقِصَر الآية التي بَعده.
ووجْه عدّ ((مُسْتَقِيمٍ)): المُشاكَلة، والإجماعُ على عَدِّ مِثْله.
ووجْه عَدم عَدِّه: شدّة تعلّقه بما بَعْده.
ووجْه عَدِّ ((فَيَكُونُ)): المُشاكَلة، وانعقاد الإجماع على عَدِّ نظيره في جميع القرآن.
ووجْه عَدم عَدِّ ((فَيَكُونُ)) بالنسبة للكوفي: عدمُ الموازنة في طَرفيْه.
هذا ما ذكَره فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي -رحمه الله- في سورة (الأنعام)، وقد جعل سورة (الأنعام)، وبدأ بَعْدها في نفس البيت في سورة (الأعراف).

بيان مُشبِه الفاصلة المتروك في سورة (الأنعام)
والحمصي يتّفق مع الدمشقي في عد آيات هذه السورة عدًّا وتركًا. ومُشْبِه الفاصلة المتروك أحد عشَر:

١.٥ شرح الفواصل الموجودة في سورتي المائدة والأنعام


الأوّل: ((مِنْ طِينٍ)) [الأنعام: ٢].
الثاني: ((الَّذِينَ يَسْمَعُونَ)) [الأنعام: ٣٦].
الثالث: ((بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ)) [الأنعام: ٤١].
الرابع: ((وَمُنْذِرِينَ)) [الأنعام: ٤٨].
الخامس: ((لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ)) [الأنعام: ٧٠].
السادس: ((شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ)) [الأنعام: ٧٠].
السابع: ((وَعَذَابٌ أَلِيمٌ))[الأنعام: ٧٠].
إذًا: ((لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ)) [الأنعام: ٧٠]، كل هذه الكلمات تُشْبه الفاصلة، وهي متروكة.
الثامن: ((وَقَدْ هَدَانِ)) في آية: ((وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ)) [الأنعام: ٨٠].
التاسع: ((وَمُوسَى وَهَارُونَ)) [الأنعام: ٨٤].
العاشر: ((عَذَابَ الْهُونِ)) [الأنعام: ٩٣].

١.٥ شرح الفواصل الموجودة في سورتي المائدة والأنعام


الحادي عشَر: ((فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)) مِن الآية: ((فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ)) [الأنعام: ١٣٥]؛ ولذلك قال الإمام الشاطبي:
              مع ((الهُونِ)) ((طينٍ)) ((يَسْمَعُونَ)) ((ومُنْذِرِي))
               ((لَتَدْعون)) دَعْ معْ ((قَدْ هَدَانِ)) ولا يُثرِي
               ((شَفِيعٌ)) ((حَمِيمٌ)) معْ ((أَلِيمٌ)) يليهما
               ((وَهَارُونَ)) الأخْرَى ((تَعْلَمُونَ)) فخُذ ((إِصْرِي)).