(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


بيان أنّ سورة (البقرة) مدنية

نبدأ -بعون الله تبارك وتعالى- في عَدِّ آيِ سورة (البقرة). وكما ذكرنا أننا سوف نبدأ بمقدّمة بسيطة نُبيِّن فيها: هل السورة مكية أو مدنية؟ وعدد آياتها عند كلِّ عالِم من علماء العدد، كما ذكر ذلك الإمام الشاطبي في "ناظمة الزُّهر"؛ فهو الذي ذكَر العدد، وكذلك الإمام أبو عمرو الدّاني. أمّا العدد الحمصي، فسوف نذْكر في نهاية كلِّ سورة أنه يوافق الدّمشقيّ أو يخالفه؛ لأن الإمام الشاطبي لم يذْكر العدد الحمصيّ -كما ذكرنا ذلك مرارا- لأنه تتبّع الفضل بن شاذان، وهو لم يَذكر العدد الحمصي.
سورة (البقرة) مدنيّة، وهي أوّل ما نزل بالمدينة، واستثنى الكلبي آيتيْن منها:
أُولاهما :((وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)) [البقرة: ١٩٨].
والثانية: ((وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)) [البقرة: ٢٨١]، فإنها نزلت بمنى في حجّة الوداع، وهي آخِر آية نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنّ المدنيّ: ما نزل بعد الهجرة، فلا يلزم أن ينزل في نفس المدينة.
ونزلت بعد سورة (النحل), ونزلت بعْدها سورة (آل عمران).
عدد آيات سورة (البقرة) عند علماء العدد:

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


لا نظير لها في عدد آياتها..
وكلماتها: ستّة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة.
وحروفها: خمسة وعشرون ألْفا وخمسمائة حرف.
والفواصل التي ستُذكر في أوائل السّوَر هنا ليست بمعناها الاصطلاحي، بل المراد منها آخِر الكلمة؛ لأن الفاصلة في اصطلاح علماء العدد في نحو: ((يُؤمِنُونَ)) هي الواو، وفي نحو: ((عَظِيم)) هي الياء.

عدد آياتها
مائتان وخَمْس وثمانون، عند المدني، والمكي، والشامي.
ومائتان وستّ وثمانون، عند الكوفي.
ومائتان وسبْع وثمانون، عند البصري.
والحمصي يوافق الدّمشقي في عددها، فهي عنده: مائتان وخَمْس وثمانون آية.

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


المواضع المختلَف في سورة البقرة
بيان المواضع المختلَف فيها عند علماء العدد:
قال الشيخ القاضي -رحمه الله:
             ما بَدْؤه حرْفُ التّهجي الكوفِي عَدّ
             لا الوتْر مع ((طس)) مع ذي الرّا اعتمدْ
             وأوّل (الشّورى) لحمصيٍّ يُعدّ
             موافِقًا للكوفي فيما قد وَرَدْ
ذكر -رحمه الله- في البيت الأوّل: أن السورة التي افتُتحت بحرف التهجي يعدّ الكوفي الحرف الذي افتُتحت به تلك السُّورة آية مستقلة، وذلك في قوله تعالى: ((الم)) أوّل سور: (البقرة)، و(آل عمران)، و(العنكبوت)، و(الروم)، و(لقمان)، و(السجدة)، و((المص)) أوّل (الأعراف)، و((كهيعص)) في أول سورة (مريم)، و((طه)) في أول سورتها، و((طسم ((في أول سورتَيِ (الشعراء) و(القصص)، و((يس)) في أوّل سورة (يس)، و((حم)) في أوّل سُوَر: (غافر)، و(فصلت)، و(الشورى)، و(الزخرف)، و(الدخان)، و(الجاثية)، و(الأحقاف)، و((عسق)) في أول سورة (الشورى).
فالكوفيّ يَعُدّ كلَّ فاتحة من هذه الفواتح آيةً مستقِلّة، ويَعدّ ((حم)) أوّل (الشورى) آيةً، وكذلك ((عسق))، فهما آيتان عنده.
وقول المصنف -رحمه الله: "لا الوتر", استثناء من القاعدة السابقة، والمراد بالوتر: ما كان على حرف واحد؛ وذلك في ثلاث سُوَر: ((ص))...


(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


...((ق)) ((ن))، فالكوفي لا يَعدّ شيئا من ذلك رأسَ آية, وكذلك لا يَعدّ هو ولا غيره ((طس)) أوّل سورة (النمل).
ومعنى قول المصنف -رحمه الله: "مع ذي الرّا" -بالمدّ- قال؟؟؟؟: إنه كُسر للوزن، أي: إن الكوفي لا يَعُدّ أيضا حروف التهجي التي افتُتِح بها بعضُ السّوَر إذا كانت مقرونة براء، وذلك: ((الر)) أوّل سُوَر: (يونس), و(هود)، و(يوسف)، و(إبراهيم) -عليهم جميعا السلام, وكذا سورة (الحِجر)، و((المر)): أول سورة (الرعد)؛ فليس من ذلك آية عند الكوفي ولا عند غيره.
ثم ذكَر في البيت الثاني: أنّ الآيتيْن أوّل سورة (الشورى)، وهما: ((حم)) و((وعسق)) تُعدّان للحمصي؛ فهو يوافق الكوفي في عدّ هاتيْن الآيتيْن فقط دون غيرهما من فواتح السّوَر التي سبق ذكْرها، وبيّنّا أنّ الكوفي ينفرد بعدِّها.
ووجْه عدّ الكوفيِّين لهذه الآيات حيث وقعتْ واعتبارها آية: مشاكلتها لِما بعدها من قوله تعالى: ((لِلْمُتَّقِينَ))، ولِما روي عن سيدنا علي -رضي الله عنه- وغيره في عدّ ((الم)) آية حيث وقع، وكذلك أوّل سورة (مريم) ((وطه))، ((وحم))، كما روى ذلك الإمام أبو عمرو الداني, عن ابن شاذان، عن أحمد، عن خَلَف، عن هشام، عن سُليم بن عيسى، عن سفيان الثوري، عن علي -رضي الله عنه. ورواية حمزة, عن الأعمش، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي: أنه عدّ ((المص))، ((ويس))، ((وطه))، ((وطس))، ((ووَالطُّورِ))، ((والرَّحْمَن))، ((والْحَاقَّةُ))، ((وَالضُّحَى))، ((والْقَارِعَةُ)) آياتٍ مستقلّة.
ولم يعدّ الباقون فواتح السّوَر التي عَدّها الكوفيّون؛ لِعدم ورود هذا الأثَر عندهم، لأن أسانيدهم لم تتّصل إلى سيدنا علي -رضي الله تبارك وتعالى عنه، ولأنهنّ غير مُشبِهات لِما بعدهنّ من الآي في القَدْر والطّول؛ حيث كانت كلّ كلمة منهن صورة منفردة لا يختلط بها شيء، ولا يتّصل بها...

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


...كلام، ففارقْن بذلك سائرَ الآي؛ لِكونهنّ جملةَ كَلِم وعدّة صوَر، ولكوْن ما بعدهنّ متعلقا بهنّ، لِما قيل: إنّهن أقسام وتنبيهات، وإن معناهنّ: "يا محمد"، و"يا رجل"؛ ففائدتهنّ في ما بعدهنّ, وإذا كنّ كذلك، لم يكنّ رءوس آي.

قال المصنِّف -رحمه الله:
             وعَدّ شاميٌّ ((أَلِيمٌ)) أوّلاَ
             سِواه ((مُصْلِحُونَ)) عنه نُقِلاَ
بيّن -رحمه الله تبارك وتعالى- أنّ الشاميّ يَعُدّ لفظ ((أَلِيمٌ)) في أوّل مواضعه، والمراد به قوله تعالى في الآية: ((وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [البقرة: ١٠] الذي بَعْده: ((بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ))؛ فهو يقرؤها هكذا: ((وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))، ويَعدُّها آية، ثم يقول: ((بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)). أمّا غيره، فيعتبر الفاصلة إلى: ((بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)).
قال -رحمه الله: وقيّدتُ لفظ: ((أَلِيمٌ)) بالأوّل؛ احترازًا عن غيره من باقي المواضع المذكورة في السُّورة، مثل: ((وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [البقرة: ١٠٤]، ((وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [البقرة: ١٧٤]؛ فهما معدودان اتّفاقا.
وقوله: "سواه ((مُصْلِحُونَ))..." إلخ، معناه: أنّ غير الشامي من علماء العدد يَعُدّ ((مُصْلِحُونَ)) من قوله تعالى: ((قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)) [البقرة: ١١].

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


والحاصل: أنّ الشاميّ ينفرد بِعَدِّ ((أَلِيمٌ)) المتقدّم ولا يَعُدّ ((مُصْلِحُونَ))، وأنّ غيره من باقي علماء العدد يَترُك عدَّ ((أَلِيمٌ))، ويَعُدّ ((مُصْلِحُونَ)). ووجْه عَدِّ ((أَلِيمٌ)): مُشاكلَتُه لِمَا قَبْله من قوله تعالى: ((يَشْعُرُونَ))؛ حيث لا فَرْق بين الواو والياء.
ووجْه مَن لم يَعُدَّه: تعلُّقُه بما بعْده؛ لِكونه كلاما واحدا، ولانعقاد الإجماع على عدم عَدِّ نظيره كما في قوله تعالى: ((أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)) [آل عمران: ٩١].
ووجْه عدّ ((مُصْلِحُونَ)), وهي الآية رقم (١١) كما سبق أن ذكرناها: مُشاكلتُه لِما قَبْله ولِمَا بعْده في رِدْف الحرف, والمراد بالرِّدْف هو: الحرف الذي قبْل الأخير. ومُشاكلَتُه لِما بعْده في رِدْف الحرف، مثْل: ((يَكْذِبُونَ))، ((يَشْعُرُونَ)).
ووجْه مَن لمْ يَعدّه: تعلّقه بما بَعْده من جهة المعنى.

ثم قال -رحمه الله:
            ((وخَائِفِينَ)) عُدّ للبصريّ
            وثانِيَ ((الأَلْبَابِ)) للشّامِيّ
            كالثّانِي والعراقي ثمّ ثاني
            ((خَلاَقٍ)) اتْرُكَنَّهُ للثَّانِي

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


يقول -رحمه الله: أمرْت بعَدِّ ((خَائِفِينَ)) من قوله تعالى: ((مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ)) [البقرة: ١١٤] للبصري، فيكون غير معدود لغيْره، وبِعَدِّ لفظ: ((الأَلْبَابِ)) في ثاني مواضعه، وهو قوله تعالى: ((وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ)) [البقرة: ١٩٧] للشامي، والمدني الثاني، والعراقي. وكما ذكَرْنا في اصطلاح النّاظم: المقصود بـ "العراقي" أي: البصري، والكوفي؛ فيكون متروكا للمدني الأوّل، والمكي.
واحترز بـ "الثاني" عن الأوّل، وهو قوله تعالى: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ)) [البقرة: ١٧٩]، فليس معدودا لأحَد.
ثم قال -رحمه الله: أمرْتُ بَترْك عَدِّ لفظ: ((خَلاَقٍ)) في ثاني مواضعه، وهو قوله تعالى: ((فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)) [البقرة: ٢٠٠] للمدني الثاني؛ فيكون معدودا لغيره.
قال: واحترزتُ بـ "الموضع الثاني" عن الموضع الأوّل، وهو قوله تعالى: ((وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)) [البقرة: ١٠٢]، فإنّه متروك إجماعًا.
ووجْه عَدِّ البصري ((خَائِفِينَ)): مُشاكلَتُه لِطَرَفيْه, ووجْه عدم عَدِّه: تعلّقُه بِما بَعْدَه؛ لأنّ ما بَعْدَه تمام انقضاء حالهم، وكما روي عن الأعمش فإنه قرأها: "خُيَّفًا".
ووجْه عَدِّ ((الأَلْبَابِ)): مُشاكلَتُه لِما قَبْلَه في الحرف قبْل الأخير وهو الألِف، في قوله تعالى: ((شَدِيدُ الْعِقَابِ))، ولكونه كلاما تاما ومساويا في القَدْر. ووجْه عدَم عَدِّ المدني الأوّل والمكّي له: مخالفتُه لِمَا اتّصل به ولِما أتى بَعْده من قوله: ((لَمِنَ الضَّالِّينَ)) و((غَفُورٌ رَحِيمٌ)).
ووجْه مَن عَدّ ((خَلاَقٍ)) الثّاني: مُشاكلتُه لِما بَعْدَه من قوله تعالى: ((وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ))، ولكونه جملة مستقلّة.

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


ووجْه مَن لَمْ يَعُدَّه: انعقاد الإجماع على تَرْك عدِّ الموضع الأول، وهو قوله تعالى: ((وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)) [البقرة: ١٠٢].

قال -رحمه الله سبحانه وتعالى:
            ((ويُنْفِقُونَ)) الثاني عَدّ المكِّي
            وأوّل أيضا بِدون شكِّ
قال -رحمه الله: قولُه تعالى: ((يُنْفِقُونَ)) في الموضع الثاني: ((وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْ)) و [البقرة: ٢١٩] يَعُدّه المكي والمدني الأوّل، ويتْركه غيرُهما.
قال: واحترزت بـ "الثاني" عن الأوّل وهو: ((وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ)) [البقرة: ٢١٥]، بَعْدها: ((قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ))؛ فهو متروك للجميع، وعن الثالث, وهو: ((وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ)) [البقرة: ٢٦٧]، فإن هذا متروك للجميع أيضا.
ووجْه مَن عَدَّه: مُشاكلتُه لِما قبْله من رءوس الآي، وللاتّفاق على عدِّ ((يُنْفِقُونَ)) من الآية رقم (٣) في أوّل السورة، وهي قوله تعالى: ((وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)). ووجْه مَن لم يَعُدّه: انعقاد الإجماع على ترْك نظيرَيْه، وهما في الآية (٢١٥) و(٢٦٧) كما سبق أن ذكَرنا.

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


قال المصنِّف -رحمه الله- بعد ذلك:
            ((وتَتَفَكَّرُونَ)) في الأولى وَرَدْ
            للثَِّانِ والشّامِي وكوفٍ في العدَدْ
قال -رحمه الله: ّإنّ كلمة ((تَتَفَكَّرُونَ)) في أوّل مواضعها، وهي في آية: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ)) إلى قوله تعالى: ((وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)) [البقرة: ٢١٩] في أوّل مواضعها، وذلك في قوله تعالى: ((كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ, فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ))؟؟؟؛ فقد وردَ انتظامها في سلْك العدد للمدني الثاني، والشامي، والكوفي؛ فتكون غير معدودة للمدني الأول، والمكي، والبصري.
وقيّدها بـ "الأولى"؛ احترازًا عن الثانية التي بَعْدَها: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ)) [البقرة: ٢٦٧]؛ فإنّها معدودة إجماعًا.
ووجْه مَن عَدّ ((تَتَفَكَّرُونَ)): مشاكلتُها لفواصل السُّورة، مع وجود المساواة لِغيرها من الآيات، وللإجماع على عَدِّ الثانية في قوله تعالى: ((لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)) [البقرة: ٢٦٦]، وأوّلها ((أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ )) إلى قوله تعالى: ((فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)) [البقرة: ٢٦٦].
ووجْه عدَم عدِّها: اتّصالُها بما بَعْدَها، ولِعدَم كونه كلاما تاما.

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


قال المصنِّف -رحمه الله:
            ((مَعْرُوفا)) البصري ومعْهُ قد وَلِي
            ثانٍ لدى ((الْقَيُّومُ)) معْ مكٍّ جَلِيّ
يقول -رحمه الله: أفاد هذا البيت أنّ قوله تعالى: ((إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا)) [البقرة: ٢٣٥] معدود للبصري ومتروك لغيْره، وأنّ المدني الثاني والمكي قد تبعا البصري، واصطحبا معه في عدِّ قوله تعالى: ((اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)) [البقرة: ٢٥٥]، وهي آية الكرسي. وإذا كان هذا الموضع معدودا للمدني الثاني، والمكي، والبصري، فإنه يكون متروكا للمدني الأوّل، والشامي، والكوفي.
ووجْه عَدِّ ((مَعْرُوفًا)): كونُه كلاما تاما وجملةً كافية, ولَم يَعدَّه الباقون لِعدم مُشاكلَتِه لطَرَفيْه.
ووجْه عَدِّ ((الْقَيُّومُ)): مُشاكلتها للسُّورة، وللاتّفاق على عدِّ نظيره في الآية رقم (٢) في سورة (آل عمران)، وهي قوله تعالى: ((اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ))، وبعدها: ((نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)) [آل عمران: ٣].
ووجْه عدَم عَدِّها: فَقْدُها للمساواة لأخواتها في السُّورة، مع؟؟؟ ورود؟؟؟ النص عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بِعَدِّها آية واحدة, كما سبَق أن ذكرْنا ذلك عند حديثنا عن النقطة الثانية، وهي: ما ورد في عدِّ الآيات من الأحاديث.

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


قال المصنف -رحمه الله:
             عدّ ((إِلَى النُّورِ)) المديني الأوّلُ
             وخُلْفُ مكٍّ في ((شَهِيدٌ)) يُهمَلُ
يقول -رحمه الله: عَدّ المدني الأوّل قوله تعالى: ((اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)) [البقرة: ٢٥٧], وتَرَكه غيرُه.
قال الشيخ القاضي -رحمه الله: ومعنى قولي: "وخُلْفُ مكٍّ..." إلخ: أنه اختُلِف عن المكي في عَدِّ وتَرْك قولِه تعالى: ((وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ)) [البقرة: ٢٨٢]، وأنّ هذا الخلاف غيرُ مُعتدٍّ به؛ إذِ الصحيحُ أنّ آية الدَّيْن آيةٌ واحدة عند جميع علماء العدد، كما تدلّ على ذلك الأحاديث والآثار. فما نُقل عن المكي أنه كان يَعُدّ ((وَلاَ شَهِيدٌ)) لا يُحفَل به ولا يُلتفَت إليه.
ووجْه عَدِّ ((النُّورِ)): كونُه كلاما مستقلا، والمشاكلةُ للفواصل التي قبْلَه والتي بَعْده.
ووجْه مَن تَرَكه: عدمُ مُساواته لسُورتِه، ولِعِظم آياتها، واتّصالُه بما بعده، ولِورود النّص بعدم عَدِّه آية؛ فإنّ الحديث الذي رواه الدارمي في "مسنده" دلّ على أنّ أوّلها: ((اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)) [البقرة: ٢٥٧]. فقد أخرج الدارمي عن المغيرة، عن سُبيع -وكان من أصحاب عبد الله- قال: "مَن قرأ عَشْر آياتٍ من (البقرة) عند منامه؛ لم يَنْسَ القرآن: أربعا مِن أوّلِها، وآيةَ الكرسي، وآيتَيْن بَعْدها، وهما: ((لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) [البقرة: ٢٥٦]، و ((اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)) [البقرة: ٢٥٧] إلى قوله تعالى: ((خَالِدُونَ))، وثلاثا من آخِرها من قوله تعالى: ((لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) [البقرة: ٢٨٤] إلى آخر السُّورة حتى قوله تعالى: ((أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ...

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


...الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)) [البقرة: ٢٨٦]".
ووجْه عدّ المكي لِـ ((شَهِيدٌ)): مُشاكلته لِـ ((عَلِيم)) بَعْدَه، وهو خلاف ما عليه الجمهور, وهذا الخلاف لا يُعتَدّ به. والصحيحُ: أنّ المكّي يَعتبِر في عَدِّه آيةَ الدَّيْن آيةً واحدة, ورود أحاديث تدلّ على أنّ آية الرِّبا وآية الدَّيْن آخِر ما نزل. قال السيوطي في "الإتقان": أخرج أبو عبيد في "الفضائل"، عن ابن شهاب قال: "آخِر القرآن عهدا بالعرش: آيةُ الربا, وآيةُ الدَّيْن".
وعادة المصنِّف -رحمه الله- والمؤلِّف أنه بعد الانتهاء مِن كلِّ سورة، يَذْكر إجمالا الكلمات التي ذكَر الخلافَ فيها، تحت عنوان: "تتمّة".
قال -رحمه الله: تتمّة: ممّا تقدّم يُعلَم أنّ مواضع الخلاف في هذه السُّورة أحَد عشَر موضعا: ((الم))، و((وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))، و((مُصْلِحُونَ)) و((خَائِفِينَ))، و((وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ))، ((ومِنْ خَلاَقٍ)) الثاني، ((ويُنْفِقُونَ)) الثاني أيضا، ((وتَتَفَكَّرُونَ)) الأولى، ((وقَوْلًا مَعْرُوفًا))، ((والْحَيُّ الْقَيُّومُ))، ((وإِلَى النُّورِ)).
وقد علِمتَ مَن عَدّ ومَن تَرَك في كل موضع منها. ولم يذْكُر في هذه التّتمّة: ((وَلاَ شَهِيدٌ))؛ لأنّ خلاف المكي في عَدِّها غيرُ معتبَر.
والحمصي يوافق الدمشقي في كلِّ ما عَدَّه, وما تَرَكه في هذه السُّورة.
وكما ذكرْنا سابقا، فإننا سوف نذْكر شِبْه الفواصل المعدودة والمتروكة، كما ذكَر ذلك الإمام الشاطبي -رحمه الله تبارك وتعالى- في "ناظمة الزُّهر"، وذكَره عنه الإمام المخلّلاتي، وذكَر ذلك الشارح أيضا في كتاب "بشير اليُسْر في شرح ناظمة الزهر"؛ لِما في ذلك من فوائد مهمّة لمتعلِّمي هذا العلْم.

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


مُشْبِه الفاصلة المعدود تسْعة:
الأول: ((وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ)) [البقرة: ١٦٦] معدودة للجميع.
الثاني: ((شَدِيدُ الْعَذَابِ)) [البقرة: ١٦٥].
الثالث: ((وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)) [البقرة: ١٦٧].
الرابع: ((فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)) [البقرة: ١٧٥].
الخامس: كلمة ((الْعِقَابِ)) أيضا في قوله تعالى: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) [البقرة: ١٩٦].
وهذه المواضع الخمسة قد يُتوهّم فيها أنها ليستْ رءوس آيٍ؛ لِعَدم مُشاكلتِها لِمَا قَبْلها لكونها مبنيّةً على الألف، مع اتّفاقهم على عَدِّها، لأنه لا يضرّ اختلاف حروف المدِّ في قاعدة المُشاكَلة، لكثرة اختلاف أواخِر الآيات في تلك الحروف، كما يشير إلى ذلك الإمام الشاطبي -رحمه الله- تعالى بقوله:
             .........
             وكَمْ نَسَقٍ بالمدِّ وُفِّقَ في المَرِّ
أي: الأصل، أي: لا فَرْق بين أن يكون آخِر الآية ألِفا، أو واوا، أو ياءً.

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


السادس: ((وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)) [البقرة: ٢٥٢]، فهذه الكلمة معدودة لجميع علماء العدد.
السابع: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)) [البقرة: ٢٥٣]، فهذه الكلمة معدودة لجميع علماء العدد.
وهذان الموضعان معدودان باتّفاق.
الموضع الثامن: ((وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)) [البقرة: ٢٨١].
التاسع: ((وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) [البقرة: ٢٨٢], فكلمتا: ((يُظْلَمُونَ))، ((وعَلِيمٌ)) معدودتان للجميع أيضا. وهذان الموضعان الثانية منهما أطْول من الأولى، وهذا على اعتبار أنّ آية الدَّيْن آيةٌ واحدة، وإلى ذلك أشار الإمام الشاطبي -رحمه الله تعالى- بقوله:
             فـ ((الْأَسْبَابُ)) عدُّوا معْ ((شَدِيدُ الْعَذَابِ)) معْ
             ((مِنَ النّارِ)) ولْتَعْدُدْ ((عَلَى النّارِ)) ذا سبْرِ
             ((شَدِيدُ الْعِقَابِ)) قَبْلَه ((الْمُحْسِنِينَ)) قُلْ
             وكَمْ نَسَقٍ بالمدِّ وُفِّقَ في المَرِّ
             مِنَ ((الْمُرْسَلِينَ)) اقْرُنْ ((يُرِيدُ)) به ((ويُظْـ
             ـلَمُونَ)) به فاقْرُنْ ((عَلِيمٌ)) وقِسْ وادْرِ

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


المُشْبِه المتروك عشرة
الأوّل: ((أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ)) [البقرة: ١٢]، ((الْمُفْسِدُونَ)) متروكة لجميع علماء العدد.
الثاني: كلمة: ((مَا تُبْدُونَ)) في قوله تعالى: ((وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)) [البقرة: ٣٣].
الثالث: ((وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ)) [البقرة: ٧٨].
الرابع: كلمة: ((خَلاَقٍ)) في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)) [البقرة: ١٠٢] في الموضع الأوّل.
الخامس: لفْظ: ((النَّبِيِّينَ)) حيث وقع.
السادس: لفْظ: ((الأقْرَبِينَ)) [البقرة: ١٨٠].
السابع: ((وَمُنْذِرِينَ)) [البقرة: ٢١٣].
الثامن: ((مَاذَا يُنْفِقُونَ)) [البقرة: ٢١٥] في الموضع الأول.
التاسع: ((وَآلُ هَارُونَ)) [البقرة: ٢٤٨] متروكة للجميع.

(١.٤ شرح الفواصل الموجودة في سورة (البقرة


العاشر: كلمة: ((تُنْفِقُونَ)) في قوله تعالى: ((وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ)) [البقرة: ٢٦٧]؛ ولهذا قال الإمام الشاطبي -رحمه الله:
            ((وتُبْدُونَ)) ((أُمِّيُّونَ)) ((والْمُفْسِدُونَ)) دَعْ
            ((خَلاَقٍ)) في الأولى ((الأَقْرَبِينَ)) ولا تَزْرِ
            ((ومَا تُنْفِقُونَ)) ((والنَّبِيِّينَ)) ((مُنْذِرِيـ
            ـنَ)) ((هَارُونَ)) ((مَاذَا يُنْفِقُونَ)) لَدَى البِرِّ
بهذا تكون قد انتهت سورة (البقرة).